نزار عثمان السمندل
مهزلة المظاهرات المصنوعة التي سيّرها عشاق استمرار الحرب، تفضح أصحابها أكثر مما تمنحهم شرعية الاستيلاء على أصوات غيرهم في الطرف المقابل.
البلاد الغارقة في حربها لا تحتاج إلى مكبرات صوت إضافية، بل إلى شجاعة مواجهة الحقيقة التي يحاول صنّاع هذه العروض الهزلية الهرب منها.
هتافات تتدحرج بلا روح، وشعارات تُستدعى من مخازن قديمة، وجموع جرى حشدها على عجل لتؤدي دوراً في مسرحية يعرف الجميع نهايتها.
المشهد أقرب إلى محاولة إنعاش جسد سياسي متحلل، بينما الحقائق تؤكد أنّ الهتاف المغشوش لا يمحو حقيقة، والحشد المؤقت لا يصنع شرعية، والصوت المرتفع لا يغطي على ارتباك مشروع سياسي مأزوم.
الجيش الذي رُفع يومئذٍ في لافتات التأييد؛ هو ذاته الذي انحاز يوماً للرصاص، وارتبك يوماً آخر أمام مليشيا خلقها بيديه، ثم ترك البلاد تتآكل على مهل.
هو ذاته، الذي انسحب إلى ثكناته، وحتى إلى دول الجوار، وترك المواطنين وجهاً لوجه مع آلة عنف الجنجويد المنفلتة. المدن تُنهب، البيوت تُحرق، والأجساد تُهان، فيما المؤسسة التي يفترض أن تكون مظلة الحماية تكتفي بالمراقبة أو بالعجز.
الحديث عن التفويض في هذا السياق، يبدو كمن يطلب من الضحية أن تصفق لجلادها، ومن المكسور أن يمنح شهادة حسن سلوك لمن كسره وتخلّى عنه في أحلك اللحظات.
الحرب التي كان يمكن إيقافها بهدنة جادة ومفاوضات مسؤولة تحولت إلى ذريعة، لأن القرار الحقيقي ظل أسير حسابات أيديولوجية ضيقة.
المفارقة القاسية الأخرى، أن هذا الجيش الذي رفض الهدنة ـ بحجج ركيكة ـ هو ذاته الذي فاوض وتوافق على تسليم أرض سودانية حساسة، حمايةً لمصالح النفط وتنفيذاً لإملاءات خارجية. كادوقلي والدلنج تُتركان للقصف والحصار والتجويع، فيما هجليج تُسلّم بمرونة لافتة إلى جيش دولة جارة.
اختيار يوم ذكرى ثورة ديسمبر لهذه المظاهرات المضحكة لم يكن تفصيلاً عفوياً. التوقيت رسالة مقصودة، محاولة فجّة لطمس ذاكرة انتصار شعبي أطاح حكماً جثم على الصدور ثلاثة عقود. أراد مهندسو المشهد أن يقولوا إن الشارع الذي هتف ضد الاستبداد عاد ليعتذر، وإن الثورة انقلبت على نفسها.
خلف الستار يقف الكيزان، يعيدون تدوير أدواتهم، وحين فشلت الدعوة لجأوا إلى فبركة الصور والفيديوهات. حساباتهم تقوم على استهانة عميقة بوعي السودانيين، وعلى قناعة بأن الإرهاق قادر على تزوير القناعات.
ذاكرة السودانيين ليست قصيرة، والمدنية التي نادى بها الثوار لم تكن شعاراً طارئاً. كانت خياراً دفعوا ثمنه دماً ودموعاً. الحرية والسلام والعدالة ليست زينة لغوية في المواكب، كانت وستظل برنامج خلاص. والدم الذي سال في ميدان الاعتصام ما زال طرياً في الوعي الجمعي، والبيوت التي تهدمت، والأسر التي شُردت، والبلاد التي أُحرقت بنار حرب عبثية، كلها وقائع محفورة في الوجدان.
الشارع السوداني ليس كتلة طيّعة. قد يرهقه الجوع، وتثقله الحرب، ويستنزفه النزوح، لكنه يحتفظ ببوصلة داخلية عنيدة. يعرف من أطلق الرصاصة الأولى، ومن فتح أبواب الجحيم، ومن تاجر بشعار الوطن ليحمي سلطته.
الزمن قد يطول لبلوغ ما يصبو إليه هذا الشعب العنيد، غير أن الحقيقة أكثر صلابة من كل المسرحيات، ولا تحتاج إلى حشود مصنوعة كي تنتصر. في كلّ مرة سيجدون هذا الشعب الذي راهنوا على نسيانه، ما زال واقفاً في الجهة ذاتها من التاريخ.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم