“دعم الأسر 2” السودانى: برنامج وطني للحماية الاجتماعية
على خطى “برنامج المساعدة الاجتماعيةBolsa Família: ” البرازيلى
ابراهيم أحمد البدوى عبد الساتر
مقدمة
فى مقالنا السابق طرحنا مبادرة “صندوق السودان للانتقال والاستقرار الاجتماعى”(1) كآلية مؤسسية مرنة وممولة جيداً لمعالجة الأعباء الاجتماعية والمالية المترتبة على إعادة بناء الدولة بعد الحرب، تهدف إلى دعم أولويات الانتقال الوطني عبر أربعة مسارات محددة: نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإعادة بناء القوات النظامية؛ “المصافحة الذهبية” لإصلاح الخدمة المدنية والمعاشات؛ تشغيل الشباب لإعادة بناء الخدمة المدنية وإعادة الإعمار؛ ودعم المجتمعات المحلية والمصالحة. إضافة إلى هذا الصندوق الذى يتعلق باستحقاقات إعادة بناء الدولة، هناك حاجة ماسة إلى إعادة إطلاق مشروع “دعم الأسر” للحماية الاجتماعية الشاملة عن طريق التحويل النقدى المباشر والذى أُطلقت نسخته الأولى فى عهد حكومة الثورة الانتقالية.
فدعم “الأسر 1″، رغم توقفه القسري بعد انقلاب أكتوبر 2021، كان أول محاولة لتأسيس نموذج حديث للتحويلات النقدية المباشرة في السودان فى سياق رؤية “الديمقراطية الاجتماعية” للحماية الاجتماعية الشاملة. وقد نجح – ولو على نحو جزئي، رغم تنافر الرؤى وتسيد الشعبوية الاقتصادية لدى البعض وقصر التجربة كنتيجة للإنقلاب المشئوم – في ترسيخ ركائز مؤسسية مهمة: بناء قواعد بيانات وطنية، رقمنة الخدمات العامة، وتطبيق نظم دفع شفافة تحت إشراف حكومي مباشر وتمويل دولي واسع.
اليوم، يكتسب مشروع “دعم الأسر 2” أهمية مضاعفة، ليس فقط بوصفه تدخلاً لمكافحة الفقر ومكافحة التهميش، بل وركيزة رئيسة للعقد الاجتماعي الجديد بعد الحرب. مشروع “دعم الأسر 2” يتكامل مع مبادرة “صندوق السودان للانتقال والاستقرار الاجتماعى” ويختلف عنه فى ثلاث جوانب مهمة:
• أولاً، بينما تهدف مبادرة “صندوق السودان للانتقال والاستقرار الاجتماعى” إلى النهوض بإستحقاقات إعادة بناء الدولة السودانية ودعم المجتمعات المحلية للتعافى من آثار الحرب؛ مشروع دعم الأسر 2 يندرج فى مشروع الحماية الإجتماعية الشاملة فى سياق رؤية دولة “الديمقراطية الإجتماعية”؛
• ثانياً، يهدف الصندوق لتمويل شبكة واسعة من البرامج تنفذها الدولة على مختلف مستويات الحكم (اتحادية، إقليمية ومحلية)، بينما تقوم الدولة فى سياق مشروع دعم الأسر 2 (كما فى سابقه: دعم الأسر 1) بإجراء تحويلات نقدية مباشرة للأسر المستحقة؛
• ثالثاً، تمويل الصندوق يستند إلى منح وقروض ميسرة وكذلك ما يتيسر من الإيرادات المحلية ولفترة محددة لا تتجاوز الخمس سنين، بالمقابل من المأمول استعادة ما تبقى من منحة دعم الأسر 1 (تتراوح بين 500 إلى 700 مليون دولار) والبناء عليها من الإيرادات الوطنية لتمويل دعم الأسر 2 كبند دائم فى الموازنة.
سنقدم أدناه تقييماً لتجربة “دعم الأسر 1″؛ بيان الحاجة إلى إطلاق النسخة الثانية من البرنامج: “دعم الأسر 2″؛ وعرضاً للتجربة البرازيلية الرائدة: “برنامج المساعدة الاجتماعية: Bolsa Família” كمشروع يمكن البناء عليه.
أولاً، مشروع دعم الأسر 1
اعتمدت حكومة الثورة الأولى برنامج دعم الأسر كمبادرة سودانية وطنية بامتياز، حيث قمنا بإطلاقه كأحد أهم الروافع في إطار رؤية “الانتقال من دعم السلع لتمكين المواطن”. إضافة إلى ذلك فإن فكرة مفوضية التحول الرقمى أيضاً مبادرة وطنية صرفة لقيادة وتنسيق بناء قواعد المعلومات ورقمنة الخدمات العامة، بينما تؤكد حوكمة الصندوق الإستئمانى(Trust Fund) ، المعنى بتمويل المشروع، ملكية وقيادة الحكومة السودانية ممثلة في وزارة المالية، رغماً من أن الصندوق يتم تمويله بواسطة شركاء التنمية. تقديراً لهذه المبادرة الهامة في إطار العقد الاجتماعى للانتقال من الدعم السلعى لتمكين المواطن، التزم شركاء السودان في مجتمع التنمية الدولى بتوفير التمويل اللازم على الأقل للعام الأول. بالنظر للدور المحورى لهذا البرنامج لجهة مكافحة الفقر وتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية الأخرى، كنت وقتها كوزير للمالية قد أشرت إلى أن الدولة ستسعى لتوفير الاعتمادات من مواردها الذاتية فى الفترة اللاحقة من عمر الحكومة الإنتقالية. بالإضافة إلى الآفاق التنموية الرحبة المرجوة من هذا البرنامج، كان من المأمول أن يساهم بقوة في بناء السلام وفى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والهامش السودانى المثقل بالحروب والنزاعات. لإبانة فوائد هذا المشروع في إطار تمكين المواطن وأيضاً دعم الإنتاج وبناء السلام نستعرض ثلاثة تساؤلات رئيسة:
أولاً، لماذا هذا المشروع وماهى فوائده المتوقعة؟ أفادت الأدبيات وتجارب الدول الأخرى بأن التحويلات النقدية تساهم في تحقيق أهداف تنموية هامة، تعرضنا لها بالتفصيل في ورقة ابراهيم البدوى عبد الساتر وعبد الحليم عيسى تيمان المنشورة فى كتاب ورشة تقييم الفترة الانتقالية (2). أيضاً، في السياق السودانى، تجدر الإشارة هنا إلى أن برنامج دعم الأسر يمكن أن يلعب دور “التأمين الاقتصادى” للأسر في حالة الكوارث التى تتعرض لها الأسر أو المجتمعات – كفشل الموسم الزراعى، على سبيل المثال، حيث تضطر هذه الأسر إلى اتخاذ قرارات تكرس حالة الفقر المتوارث عبر الأجيال،(Dynastic Poverty) ، مثل إخراج البنت أو الابن من المدرسة للعمل ومساعدة الأسرة في كسب سبل العيش.
ثانياً، يثور سؤال مفاده: لماذا لا يجري دعم المنتجين مباشرة، كالمزارعين والحرفيين؟ يقوم هذا التساؤل على افتراضٍ مؤداه أن دعم الأسر يُستهلك بالكامل ولا يسهم في الإنتاج، غير أن الشواهد المتواترة من تجارب دولية متعددة تُظهر أن هذا الافتراض غير صحيح إطلاقاً. فقد أثبتت هذه التجارب وجود دلائل قوية على أن التحويلات النقدية تُعزّز قدرة الأسر على الادخار والاستثمار في أنشطة منتجة. في المقابل، يكتنف دعم المنتجين مباشرة عدد من التحديات اللوجستية والمنهجية؛ إذ يبرز أولاً سؤال المعايير: كيف نُعرّف “المنتج” ومن يستحق الدعم؟ ثم تبرز إشكالية الكيفية: كيف يمكن توفير مدخلات الإنتاج أو البذور المحسنة بطريقة تتسم بالكفاءة والشفافية في ظل ضعف البنية المؤسسية للخدمة العامة؟ وختاماً، تُظهر التجارب المقارنة أن الأسرة – بخلاف الحكومة أو حتى منظمات المجتمع المدني – هي الوحدة الأكثر قدرة على تحديد أفضل السبل لاستخدام الموارد المتاحة لها بما يعزّز الإنتاج ويولّد أثراً اقتصادياً إيجابياً.
ثالثاً، ما هي الفوائد المتوقعة على مستوى الاقتصاد المحلى ككل وما هي المخاطر التضخمية لهذا البرنامج؟ على عكس بعض المخاوف، فقد أفادت الدراسات وتجارب بعض الدول الأفريقية، خاصة كينيا، بأن التحويلات النقدية لم تتسبب في أي آثارٍ تضخميةٍ ذات مغزى. بالمقابل فقد أفادت تجربة كينيا بأن كل دولارٍ يُستثمر في التحفيز المالي يؤدى إلى نمو الاقتصاد المحلي بمقدار 2.60 دولار، مما يعنى أن لهذا البرنامج تأثيراً إيجابياً يتعدى الأسرة إلى مجمل اقتصاد المقاطعة الكينية التي نُفذ فيها البرنامج، والتي توازى مستوى المحليات في حالة السودان.
ثانياً: لماذا يحتاج السودان إلى “دعم الأسر 2”؟
بحسب تقديرات محافظة لعدد من المنظمات الدولية فإن نسبة الفقراء ستتجاوز 80% بعد الحرب، مع ارتفاع هائل في أسعار الغذاء وانهيار الخدمات، عليه تصبح الحاجة لدعم الأسر مباشرة إستحقاقاً ضرورياً كنتيجة لإنهيار الدخل وتعاظم الفقر. بدورها تؤدى حالة الفقر المدقع والنزوح وغياب الخدمات إلى تأجيج التوترات المجتمعية وتهديد السلم الأهلي، بينما تظل أدوات الحماية التقليدية مثل الدعم السلعي (خاصة الوقود) غير قابلة للاستمرار، وغير فعالة، وتصبّ في مصلحة الفئات الأقوى اقتصادياً. بالمقابل، هناك بنيات مؤسسية ومعلوماتية تكونت فى سياق برنامج دعم الأسر الانتقالى، يمكن إعادة تأهيلها سريعاً بعد الحرب والبناء عليها إطلاق برنامج “دعم الأسر 2”:
• سجل اجتماعي أولي لملايين السودانيين (السجل الوطنى المُوَحَّد)
• نظم دفع رقمية
• آليات استهداف محسنة.
أيضاً، فإن إطلاق برنامجاً موحداً للحماية الاجتماعية سوف يعطى رسالة سياسية قوية تدعم الشرعية الاقتصادية والسياسية للحكومة المدنية الانتقالية، ويعيد ثقة المواطنين في الدولة. كذلك، هذا البرنامج سيكون بمثابة صياغة لعقد اجتماعى جديد بين السلطة ومواطنى الأقاليم المتأثرة بالنزاعات، الأمر الذى سيزيد كلفة “السلام الضائعة” وبالتالى، يساهم فى مخاطبة جذور أزمة التخلف والنزاعات. (يشير مفهوم “كلفة السلام الضائعة” إلى الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي كان يمكن تَجنُّبها، أو بالمقابل، تحقيق مكاسب تنموية اقتصادية واجتماعية لو عاش بلدٌ ما في حالة سلام بدلاً من النزاعات والحروب الأهلية. وهو بذلك يقيس الفرص الضائعة التي يفقدها المجتمع نتيجة استمرار الحرب أو عدم الوصول إلى سلام مستدام. عندما ترتفع كلفة السلام فى مجتمع ما يمكن تفادى الحروب الأهلية لغياب دافع التهميش وكذلك تَصعُب مهمة أمراء الحرب فى تجنيد الشباب لإنتشار التعليم وتوسع فرص العمل المتاحة لهم).
ثالثاً، ما هو “برنامج المساعدة الاجتماعيةBolsa Família: “؟
أُطلِق عام 2003 فى عهد حكومة الرئيس لولا دا سيلفا الأولى فى إطار إستراتيجية “صفر جوعFome Zero: ” وهو برنامج تحويل نقدي شهرى للأسر الفقيرة التى تستوفى شرطين أساسيين: تسجيل الأطفال فى المدارس والمواظبة على الدراسة؛ والالتزام بالتطعيمات والمتابعة الصحية للأمهات والأطفال. فى 2006 كان يغطي حوالى 12 مليون أسرة (نحو 44-50 مليون شخص، أى ربع السكان تقريباً) بتكلفة تقارب 0.5% من الناتج المحلى الإجمالي فقط. هذا الحجم المحدود – كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى – جعل البرنامج قابلاً للاستدامة المالية رغم اتساع تغطيته.
لماذا اعتُبر نموذجاً ناجحاً؟ هناك ثلاثة أسباب جوهرية وراء نجاحه الساحق ((Repositorio CEPAL: التصميم المؤسسى المتين؛ نجاعته فى مكافحة الفقر واللامساواة؛ تعزيز الصحة والتغذية والتعليم؛ ودوره فى مواجهة الأزمات، والتى سنعرض لها أدناه.
أ. التصميم المؤسسى المتين: أولاً، سجل اجتماعى موحد: مما سمح ببناء قاعدة بيانات وطنية للفقراء، تُستخدم لكل برامج الحماية الاجتماعية، وليس فقط لهذا البرنامج. هذا السجل سمح بالاستهداف الجيد والتقليل من التسرب والازدواجية، وسهّل توسيع البرنامج وقت الأزمات. ثانياً، مشروطية مرتبطة برأس المال البشرى: حيث رُبط الدعم بحضور المدرسة والتطعيم والمتابعة الصحية، الأمر الذى جعل البرنامج ليس مجرد إعانة استهلاك بل أداة لبناء رأس المال البشرى (تعليم وصحة الأطفال). ثالثاً، تنفيذ لامركزى عبر البلديات: حيث أسند للبلديات دوراً كبيراً فى تسجيل الأسر ومتابعة الشروط، مقابل تمويل اتحادى، ما عزز الملكية المحلية مع وجود معايير اتحادية موحدة. رابعاً، كلفة إدارية محدودة: دمج عدة برامج فى برنامج واحد خفّض التكاليف الإدارية وتفادى الازدواجية.
ب. نجاعته فى مكافحة الفقر واللامساواة؛ وتعزيز الصحة والتغذية والتعليم: الدراسات الكمية على مدى 20 عاماً تقريباً تعطي صورة قوية، حيث أفادت بأنه حقق نتائج كبيرة جداً بالرغم من أنه قليل الكلفة نسبياً. أولاً، برنامج Bolsa Família ساهم فى إخراج الملايين من الفقر والفقر المدقع: دراسة لبرنامج UNDP قدّرت أن أكثر من ثلاثة ملايين شخص خرجوا من الفقر بفضل البرنامج، مع مساهمة واضحة فى خفض الفقر المدقع (IPCid). أيضاً، البنك الدولى قدّر أن البرازيل خفضت نسبة الفقر المدقع إلى النصف خلال عقد واحد فقط (بين عامى 2003 – 2013)، وأن هذا البرنامج كان من ركائز هذا الإنجاز (World Bank). ثانياً، من حيث اللامساواة:التقديرات تشير إلى أن البرنامج قد أدى إلى خفض معامل جيني(3) بحوالى 7 نقاط من نحو 0.59 فى مطلع الألفية (2001-2003) إلى نحو 0.52 بحلول عام 2014، والذى يعتبر إنجازاً كبيراً لجهة تقليص عدم المساواة فى المجتمع البرازيلى، وأسهم بما بين 10 – 20% من مجمل انخفاض عدم المساواة بين عامى 2001 و2015، رغم أن حجمه أقل من 0.7% من الدخل القومي(IPCid+1). ثالثاًً، فى مجال التعليم والصحة: تم توثيق زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس، انخفاض التسرب الدراسى وعمالة الأطفال، وتحسّن فى الاستخدام الوقائى للخدمات الصحية ومؤشرات نمو الأطفال (Persée+1).
رابعاً، من ناحية الاستهلاك والتغذية: أفادة المسوحات بأن 82% من الأسر المستفيدة من البرنامج أشارت إلى أنها قد تمكنت من زيادة إنفاقها على الغذاء وتحسين جودة الحمية الغذائية. أيضاً، أفادت مراجعات حديثة (2025:IMF eLibrary+1) بأن برامج التحويلات المشروطة فى البرازيل قد ساهمت فى خفض الاستشفاء والوفيات على نطاق واسع، مما يعزز فرضية التغذية كعلاج. (فى هذا السياق، أود التنويه إلى مبادرة “الغذاء دواء” التي إبتدرها البروف أبوبكر شداد، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والبروف إبراهيم باني، استاذ الصحة العامة والتى تقدم منهجاً جديداً يسعي لتكثيف التدخلات الغذائية المُدَعَّمة وذلك لتوفير الغذاء إضافة إلى معالجة الحالات المرضية التي تحتاج الأدوية كمكملات غذائية – سنتحدث عنها بتفصيل أكثر إن شاء الله فى مقال قادم).
ت. دوره فى مواجهة الأزمات: وجود هذا البرنامج وسجل الفقراء الموحّد جعل الدولة قادرة على تخفيف أثر أزمات فقدان العمل أو الدخل على الأسر الفقيرة وحماية الاستهلاك الغذائى للأطفال وامتصاص جزء من الصدمات خلال فترات التباطؤ الاقتصادى فى عامى 2008 و2009 وما بعدهما (World Bank+1). أما خلال أزمة كورونا رفعت البرازيل بشكل حاد حجم برامج التحويل النقدى مستفيدة من نفس البنية المؤسسية، حيث ارتفع الإنفاق على برامج التحويل النقدى من حوالى 0.5% من الناتج المحلى الإجمالى فى 2019 إلى حوالى 4% فى 2020، ثم تراجع إلى حوالى 1.2% فى 2022 (World Bank) بعد إنتهاء الجائحة.
خاتمة: دروس رئيسة يمكن استخلاصها للسودان بعد الحرب
تُظهر التجربة البرازيلية، كما بيّنا أعلاه، أن برامج الحماية الاجتماعية القائمة على التحويلات النقدية المباشرة يمكن أن تكون أداة تنموية قوية متى ما توافرت لها البنية المؤسسية السليمة والإدارة الرشيدة. ولعل الدرس الأول والأهم هو أن توحيد البرامج تحت مظلة واحدة أكثر كفاءة وعدالة من تشتيت الجهود فى مبادرات صغيرة ومتفرقة؛ فالوحدة المؤسسية والتشغيلية تخفف الفاقد وتحد من الازدواجية، وتُمكّن من الرقابة والحوكمة الفعّالة. أما الدرس الثانى فيتمثل فى أن الاستثمار فى السجل الاجتماعى ليس عملاً فنياً هامشياً، بل هو “أصل الأصول” الذى يقوم عليه كل شيء. إذ بدون قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة للفقراء تصبح أى محاولة للاستهداف معرضة للتسيس أو التسرب أو ضعف الكفاءة، بينما يتيح السجل الموحد مرونة كبيرة فى التوسع وقت الأزمات والعودة لاحقاً إلى مستويات مستدامة.
ثالثاً، تعلّمنا التجربة أن التحويل النقدى المشروط ليس مجرد إحسان اجتماعى بل سياسة تنموية مكتملة الأركان، إذ تربط الدعم بسلوكيات تراكميّة تبنى رأس المال البشرى: التعليم، الصحة، والتغذية. بهذا يصبح البرنامج أداة لكسر حلقة توريث الفقر، لا مجرد تحويلات استهلاكية آنية. أما الدرس الرابع فهو أن الكلفة المالية لبرنامج فعّال ليست بالضرورة باهظة؛ فقد حافظت البرازيل لسنوات على تكلفة لا تتجاوز 0.5% من الناتج، وهو مستوى فى متناول حتى الاقتصادات متوسطة الدخل، مع عائد اجتماعى واقتصادى كبير. وأخيراً، أبرزت التجربة أن البرنامج ليس سياسة للفترات العادية فقط، بل أداة ناجعة لإدارة الأزمات، إذ يمكن توسيعه سريعاً وقت الكوارث – كما حدث فى جائحة كورونا – اعتماداً على نفس البنية المؤسسية دون الحاجة إلى إنشاء آليات جديدة تحت ضغط الزمن.
بالنظر إلى السودان اليوم، وفى ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، تكتسب هذه الدروس وزناً خاصاً. فإعادة إطلاق “دعم الأسر 2” ليست خطوة اجتماعية فحسب، بل مدخلاً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز الشرعية الانتقالية، وتأسيس عقد اجتماعى جديد يقوم على العدالة والتمكين الإنسانى. ومع توفر اللبنات الأولى – السجل الاجتماعى، النظم الرقمية، وخبرة التنفيذ السابقة – يصبح بناء نسخة سودانية مستدامة وفعّالة أمراً ممكناً تماماً. وإذا أحسن تصميم البرنامج وفق هذه الدروس الأربعة، يمكن له أن يتحول إلى إحدى أهم أدوات التعافى الوطنى وبناء السلام والتنمية فى سودان ما بعد الحرب.
(1) أنظر المقال فى الرابط: https://alghadalsudani.com/20034/
(2) أنظر الورقة الاقتصادية (ابراهيم البدوى عبد الساتر وعبد الحليم عيسى تيمان) فى كتاب ورشة تقييم الفترة الانتقالية (إعداد وتحرير رباح الصادق المهدى): كتاب تقييم الفترة الانتقالية – يوليو 2022
(3) معامل جيني (Gini Coefficient): هو مقياس إحصائي لعدم المساواة في توزيع الدخل أو الثروة داخل مجتمع معين. تتراوح قيمته بين 0 و1، حيث يشير 0 إلى مساواة تامة يحصل فيها الجميع على الدخل نفسه، بينما يشير 1 إلى تركّز كامل للدخل في يد شخص واحد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم