الإعلام من مشاهير المجتمع الي مجتمعات النجوم؟

dr.khalidbalula@gmail.com
خالد البلولة
اعتاد الإعلام، لعقود طويلة، أن يبحث عن النجوم والمشاهير داخل المجتمع،فيسلّط الضوء على الأفراد ذوي الحضور الطاغي في مجالات الغناء والموسيقى والرياضة والفنون والدراما والمسرح، باعتبارهم واجهة النجاح والإلهام. وكان ذلك مفهومًا في زمنٍ كانت فيه النجومية الفردية هي الطريق الأقصر لجذب الانتباه وصناعة التأثير.
لكنّ واقعنا اليوم،خاصة في المجتمعات المحلية التي أنهكتها الحروب والأزمات الاقتصادية والتفكك الاجتماعي،يطرح سؤالًا مختلفًا:
هل ما نحتاجه حقًا هو نجم جديد، أم مجتمع كامل يتقاسم قيم النجومية؟
مجتمعات محلية عادية ظاهريًا، لكنها غنية بالقيم والمبادرات والتكافل والعمل الصامت.النجم هنا ليس:,المغني او اللاعب المشهور، بل هو القرية،الحي، المجموعة، الثقافة المحلية.
هناك، في القرى والحلال والأحياء الطرفية شخصيات تبدو في ظاهرها عادية جدًا، لكنها في جوهرها أعمدة خفية لبناء المجتمع ،أناس لا تصنعهم الأضواء، بل تصنعهم الأفعال.
في إحدى القرى،تبرّع رجل بسيارته الوحيدة لإعادة بناء مدرسة تهدمت، مفضّلًا أن يمشي على قدميه على أن يعيش الأطفال بلا تعليم.وفي قرى الجزيرة تكفّلت عدد من الأسر بإعاشة عدد من الطلاب يتقاسمون معهم الطعام والمأوىوفي مدينة امدرمان فتح طبيب عيادته مجانًا لذوي الدخل المحدود،معتبرًا أن مهنته رسالة قبل أن تكون مصدر دخل.
هذه ليست قصص أفراد فقط، بل ملامح مجتمعات النجوم الذي تتكامل فيه المبادرات الفردية وتتحول فيه القيم إلى سلوك يومي ويصبح فيه الخير ممارسة جماعية لا بطولة استثنائية
هنا، لا يكون الشخص المستضاف إعلاميًا هو الغاية،بل بوابة للدخول إلى المكان: إلى الشارع،والمدرسة،والمركز الصحي، والبيوت،ووجوه الناس،ولهجتهم،وتفاصيل حياتهم. التركيز يكون على المنطقة من خلال الشخص،لا على الشخص بمعزل عن بيئته.
نحن بحاجة إلى إعلام بصري جديد:لا يصنع نجوماً من ورق ،بل يفتح عيون الناس وعقولهم على تجارب حياتية قد تبدو عادية، لكنها في حقيقتها نماذج ملهمة وجديرة بالاقتداء والاهتداء
أديبنا الكبير الطيب صالح لم يصل إلى العالمية عبر شخصيات خارقة،بل عبر أناس عاديين من قريته،حملوا قيم المجتمع السوداني في أنقى صورها. وبفضل مهارته السرددوالوصف صعد بهؤلاء (العاديين) إلى سطح الأدب العالمي ليُري العالم أنفسنا كما نحن،لا كما نُحب أن نتزيّن.
وحين نقرأ خبرًا عن مواطن سوداني بسيط من قرية في شرق الجزيرة، ظلّ يتبرع بحليب أبقاره دعمًا لجنود القوات المسلحة، فنحن أمام قصة مجتمع كامل، لا مجرد فعل فردي. قصة قيم، وتضامن، وشعور عميق بالمسؤولية الوطنية.
صحفي وأكاديمي من السودان

عن خالد البلولة

شاهد أيضاً

أغنية سميرة وين الله

أغنية سميرة وين اللهإختلاف الروايات الشفاهية وتعدد الاصوات الغنائيةخالد البلولةتروي الروايات الشفاهية في إقليم النيل …