قَرَاءَةٌ فِي اشْتِهَاءِ الإسْلَامِييْنِ إفْشَالَ الرُبَاعِيَّةِ
A Reading of the Islamists’ Crave to Swart the Quartet
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
في هذه اللحظات المفصلية من حرب السودان الفاجرة، لا يكون الخطر الأكبر في تعقيد مسارات السلام بقدر ما يكون في المناورات المُغرضة التي يمارسها الإسلاميون لإفراغها من مضمونها. وهذا ما يشهده السودان اليوم مع اقتراب التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق نار شامل برعاية الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات). إذ برز خطاب غير مسؤول، تقوده الدائرة الإسلامية المحيطة بقيادة الجيش، يروّج لادعاء ”فشل الرباعية“، ويدعو إلى التعامل الثنائي المباشر مع السعودية والولايات المتحدة ومصر بديلاً عنها. وهذا الطرح الاشتهائي يبدو، في ظاهره، محاولة للإيهام بقبول السلام، لكنه في جوهره مناورة محسوبة لتعطيل الهدنة ونسف آلية مراقبتها وسد الطريق أمام وقف الحرب والتحول المدني وإعادة إعمار السودان.
الرباعية: هل تخضع لرغبة الإسلاميين بتبعيضها؟
إن أول ما يجب أن يعيه الإسلاميون أن الرباعية ليست كياناً سياسياً قابلاً للتجزئة، ولا منافساً لواشنطن أو الرياض أو القاهرة، ولا مبادرة بديلة عنهم، بل هي الإطار الجامع الذي يمنح أي اتفاق غطاءً إقليمياً ودولياً متوازناً. فوجود مصر والإمارات إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية ليس تفصيلاً شكلياً، بل تم تصميمه كعنصر توازن يمنع اختطاف الاتفاق من محور واحد، ويُحكِم شبكة الضمانات السياسية والاقتصادية والأمنية اللازمة لإنفاذ الهدنة ووقف إطلاق النار. وعليه، فإن ادعاء الإسلاميين بفشل الرباعية والسعي الساذج لتجزئتها لا يستند إلى تقييم موضوعي لأدائها، بقدر ما يعكس خشية الإسلاميين الحقيقية من آلية المراقبة الجماعية التي تُفقد دعاة الحرب قدرتهم التقليدية على المناورة والالتفاف.
مأزق خطاب الإسلاميين: رفض الرباعية وقبول ثنائي بمن يصنّفهم إرهابيين
رفض الإسلاميين للرباعية ليس موقفاً مبدئياً، بل مناورة مكشوفة ترقى لدرجة النفاق السياسي الصارخ. فالتيار نفسه الذي يشنّ حملة ضد الرباعية بحجة أنها ”معادية للإسلاميين“، لا يجد حرجاً في الترويج للتعامل الثنائي مع السعودية والولايات المتحدة ومصر، رغم أن السعودية تُصنّف جماعة الإسلام السياسي تنظيماً إرهابياً، وأن الولايات المتحدة تتعامل معهم بالمنطق نفسه وتعد التشريعات لمواجهتهم كإرهابيين بالتجفيف المالي، والعزل السياسي، والتصنيف الأمني. ولا يخفى أن مصر نفسها، التي يصنفها الإسلاميون حليفهم الموثوق، تصنفهم بدورها إرهابيين باعترافهم بمحاولة اغتيال رئيس مصر الأسبق حسني مبارك. هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بكونه هروباً من الإطار الجماعي للرباعية الذي يضع حداً لمناوراتهم، ويفرض رقابة ومساراً يمنع إعادة تدويرهم في السلطة عبر الأبواب الخلفية.
والأخطر من ذلك، أن الإسلاميين يحاولون في القنوات الفضائية تزوير الوعي العام بتصوير إقصائهم من الانتقال القادم بعد الحرب كأنه قرار خارجي فرضته الرباعية، بينما الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الشعب السوداني، الذي تشهد هذه الأيام الذكرى السابعة لثورته ضدهم، هو من أصدر حكمه النهائي عليهم في ثورة ديسمبر الشاملة، وأسقط نظامهم، ورفض عودتهم إلى السلطة قبل تكوين الرباعية بسبع سنوات. فالرباعية لم تُقصِ الإسلاميين، بل احترمت خياراً شعبياً جامعاً ضد حكمهم الفاسد المستبد. وفي مقابل ذلك يسعى الإسلاميون اليوم إلى معاقبة الشعب السوداني كله بتعطيل الهدنة ووقف إطلاق النار ومفاقمة اكتوائه بويلات الحرب، لأنهم عاجزون عن تقبّل حقيقة واحدة: أنهم خسروا السلطة بإرادة شعبية، ولن يستعيدوها عبر الحرب، ولا مناورات الالتفاف على الإرادة الشعبية التي لفظتهم قبل أن يلفظهم المجتمع الدولي.
لماذا يستجدي الإسلاميون التفاوض الثنائي مع السعودية وأمريكا ومصر؟
تبرز التجربة السودانية القريبة بوضوح أن الإسلاميين لطالما فضّلوا المسارات الثنائية الهشة، لأنها:
- تضعف منظومة الضمانات الدولية،
- تُسهِّل إعادة تفسير الالتزامات لاحقاً،
- وتسمح بتجزئة المسؤوليات عند حدوث الخروقات.
التعامل الثنائي مع دولة أو دولتين، أو ثلاث، مهما بلغ ثقلهم، يظل أقل كلفة سياسياً من التعامل مع إطار جماعي يراقب ويوثّق ويحاسب. ومن هنا، فإن القفز فوق الرباعية ليس سعياً للسلام، بل محاولة لإعادة إنتاج نموذج تفاوضي قابل للاختراق. حيث يسعى الإسلاميون لتعطيل آلية المراقبة التي تمثل الهدف الحقيقي. ذلك أن جوهر الهدنة ووقف إطلاق النار في خارطة طريق الرباعية لا يكمن في التوقيع السياسي، بل في آلية المراقبة الهجين التي تلي التوقيع: مراقبون ميدانيون، إسناد تقني من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، وربط الالتزام العسكري بالرقابة الاقتصادية على الموارد والتجارة. وهذه الآلية تُغلق الباب أمام ”الإنكار“، وتجعل كل خرق موثقاً، وكل التفاف مكلفاً. وهو ما يفسر السعي المحموم لتفريغ الاتفاق من هذه الآلية، أو استبدالها بتفاهمات ثنائية عامة بلا أدوات إنفاذ.
رسالة إلى الرباعية: التماسك أولاً… والتوسيع لا التبعيض
في مواجهة مساعي الإسلاميين لتفكيك الرباعية وتحويلها إلى مسارات ثنائية مع حكومة بورتسودان، يصبح من الضروري أن تسير الرباعية عكس ما يشتهيه معطلو السلام. ويتطلب ذلك إصدار بيان سياسي واضح يؤكد تمسكها بإطارها الرباعي كمرجعية وحيدة لمسار الهدنة ووقف إطلاق النار، ورفض أي محاولات للالتفاف عليه عبر قنوات ثنائية منفردة. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن يُفهم التماسك الرباعي على أنه انغلاق، بل على العكس: يمكن، ويجب، توسيع قاعدة الدعم الدولي للمسار الرباعي على المستوى الثنائي عبر استقطاب قوى مؤثرة مثل بريطانيا وفرنسا وقطر وجنوب إفريقيا، وعلى المستوى متعدد الأطراف عبر تعزيز الشراكة مع الاتحاد الإفريقي والإيقاد والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. إن توسيع الحاضنة الدولية حول إطار رباعي متماسك لا يمنح المسار زخماً سياسياً فقط، بل يرفع كلفة التعطيل، ويُفشل رهان الإسلاميين على إنهاك المبادرة عبر تشتيت داعميها، ويؤكد أن السلام في السودان لن يُدار بمنطق الصفقات المجتزأة، بل ضمن مظلة جماعية صارمة واجبة الإنفاذ.
إذا أفشل الإسلاميون الرباعية: سيناريوهات الظلام الإقليمي والدولي المستطير
إن السماح للإسلاميين بإفشال مسار الرباعية لا يعني مجرد تعثّر مبادرة دبلوماسية، بل يفتح الباب أمام تحوّل السودان إلى بؤرة تهديد أمني مباشر للإقليم وللمصالح العربية والإفريقية والغربية. فغياب إطار جماعي ضامن وقابل للإنفاذ سيحوّل أي هدنة محتملة إلى غطاء لإعادة التموضع العسكري، وتوسيع اقتصاد الحرب، وإعادة إنتاج شبكات تهريب السلاح والبشر والذهب عبر البحر الأحمر والساحل والقرن الإفريقي. كما أن انهيار مسار الرباعية سيخلق فراغاً مثالياً لعودة التنظيمات الإرهابية، وتنامي نشاط الجماعات العابرة للحدود، وفتح مسارات جديدة للهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، في منطقة تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وأمن الطاقة. والأخطر من ذلك، أن فشل الرباعية سيبعث برسالة استراتيجية مدمّرة مفادها أن تعطيل السلام والإفلات من العقاب خيار مجدٍ، وأن القوى التي تشعل الحروب يمكنها فرض إرادتها عبر الاستنزاف لا عبر الالتزام. في هذا السياق، لا تمثل الرباعية مجرد مبادرة إنسانية لإنقاذ السودانيين، بل خط الدفاع الأخير المنظم لمنع تحوّل السودان إلى أزمة أمنية مزمنة تتجاوز حدوده وتهدد استقرار الإقليم والنظام الدولي نفسه.
خاتمة: مَلْفُوظْو ثورة ديسمبر ومُشْعِلو حرب أبريل … لا عودة عبر السلام ولا عبر الحرب
في المحصلة، لا يمكن فصل تعطيل الهدنة ووقف إطلاق النار عن الدور التخريبي الذي يلعبه مشعلو الحرب ومهزومو ثورة ديسمبر. هؤلاء لم يرفضوا الرباعية لأنها فشلت، بل لأنها تنجح حيث يفشل مشروعهم: تنجح في فرض إطار جماعي يمنع الابتزاز، وآلية رقابة لا تُخدع، ومساراً سياسياً لا يسمح بإعادة تدوير الإسلاميين في السلطة. وهم إذ يهاجمون الرباعية، يناقضون أنفسهم بلا حياء إذ يرحبون بالتعامل الثنائي مع عواصم تُصنّفهم تنظيماً إرهابياً، في محاولة يائسة للهروب من الإنفاذ إلى الغموض، ومن المحاسبة إلى المساومة. لكن الحقيقة التي يحاولون طمسها لن تتغير: الشعب السوداني هو من أسقطهم في ديسمبر، وهو من رفض عودتهم قبل أن يفعل ذلك أي فاعل دولي على المستوى الرباعي أو الثنائي. ومن خسر السلطة بإرادة شعبية يجب حرمانه من معاقبة الشعب والوطن بالحرب، ولا تعطيل السلام انتقاماً لهزيمته. السلام في السودان لن يكتمل إلا بكسر هذا الفيتو التخريبي للإسلاميين، وفرض معادلة واضحة: الالتزام أو العزلة، الدولة أو الفوضى، المستقبل أو السقوط النهائي. وما دون ذلك ليس سياسة، بل إطالة متعمّدة لعمر الخراب. إن كشف مناورة الإسلاميين، ومواجهتها سياسياً وإعلامياً، شرط أساسي لإنجاح الهدنة ووقف إطلاق النار، ووضع حدّ لدورة الإفشال التي ظل الإسلاميون يديرونها كلما اقترب السودان من استعادة دولته المدنية.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم