lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ اندلاع الحرب في السودان، ظلّ السؤال الجوهري معلقًا بلا إجابة حاسمة: كيف يمكن إيقاف نزيف الدم، دون أن يبدو ذلك تنازلًا عن هيبة الدولة أو شرعيتها؟ هذا السؤال عاد إلى الواجهة مجددًا مع الدعوات التي تربط بين الهدنة الإنسانية أو مبادرات السلام وبين مطالبة قوات الدعم السريع بالانسحاب من المدن وتسليم سلاحها. ورغم وجاهة هذا المطلب من حيث المبدأ، إلا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدالة الفكرة، بل في توقيتها ومنطقها السياسي في سياق حرب مفتوحة. الدولة، بحكم تعريفها، تحتكر العنف المشروع، ولا يمكن أن تقبل بوجود قوة مسلحة موازية خارج سيطرتها. ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة الحكومة السودانية أو رئيس وزرائها بانسحاب الدعم السريع وتسليم سلاحه ليست شذوذًا سياسيًا ولا مطلبًا عبثيًا، بل تعبير صريح عن جوهر الدولة نفسها. غير أن تحويل هذا المبدأ إلى شرط مسبق لوقف إطلاق النار أو لتمرير هدنة إنسانية، يفتح الباب أمام تناقضات عميقة قد تقود، عمليًا، إلى إطالة أمد الحرب بدل إنهائها. الهدنة الإنسانية، في التجارب الدولية، ليست مكافأة لطرف ولا اعترافًا بشرعية طرف آخر، بل إجراء مؤقت يُفرض تحت ضغط الواقع الإنساني الكارثي. هي مساحة زمنية لالتقاط الأنفاس، ولإيصال الغذاء والدواء، ولحماية المدنيين العالقين بين نيران الصراع. وعندما تُربط هذه الهدنة بشروط عسكرية نهائية، فإنها تفقد معناها الإنساني وتتحول إلى أداة سياسية تفاوضية قاسية، أقرب إلى طلب الاستسلام منها إلى محاولة وقف القتال. من غير الواقعي، بل من غير المنطقي في حسابات الصراع المسلح، أن تقبل قوة تسيطر على الأرض وتملك السلاح بأن تنسحب وتسلّم عتادها مقابل وعد بسلام أو هدنة مؤقتة. هذا لا يعني تبرئة هذه القوة من مسؤوليتها الأخلاقية أو القانونية عما ارتكبته، ولا يعني القبول بواقع المليشيات، لكنه توصيف بارد لميزان القوى كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. السياسة، في لحظات الحروب، لا تُدار بالأمنيات بل بحسابات الممكن. في المقابل، فإن تمسك الحكومة بهذا الخطاب الصارم يخدم، إلى حدّ كبير، غايات داخلية. فهو يبعث برسالة طمأنة للرأي العام بأن الدولة لم تتخلَّ عن حقها، ولم تساوم على سيادتها، ولم تفتح باب التفاوض من موقع ضعف. كما أنه يقطع الطريق أمام أي اتهام بالتفريط أو التهاون مع قوة مسلحة متمردة. لكن الخطورة تكمن حين يتحول هذا الخطاب إلى سياسة تنفيذية جامدة، غير قابلة للتدرج أو المرونة. التجارب المقارنة في النزاعات الأهلية تُظهر بوضوح أن مسارات السلام غالبًا ما تسير في اتجاه معاكس لما يُعلن في الخطب الرسمية. تبدأ بوقف إطلاق نار هش، ثم تُبنى عليه إجراءات إنسانية، ثم مفاوضات سياسية، ثم ترتيبات أمنية معقدة تشمل الانسحاب ونزع السلاح أو دمج القوات. أما البدء بالمطالبة بتسليم السلاح كشرط أولي، فهو غالبًا وصفة لفشل أي مبادرة، مهما كانت نواياها حسنة. الإشكال الأكبر في الحالة السودانية هو الخلط بين المسار الإنساني والمسار السيادي. فالدولة، وهي محقة في دفاعها عن سيادتها، تُغامر حين تجعل مصير المدنيين رهينًا بشروط سياسية وعسكرية يعلم الجميع أن الطرف الآخر لن يقبلها في هذه المرحلة. النتيجة ليست تعزيز هيبة الدولة، بل ترك المدنيين وحدهم في مواجهة الجوع والمرض والقصف، وهو ما يُضعف الدولة أخلاقيًا أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي. هذا لا يعني أن تُرفع الرايات البيضاء، ولا أن يُمنح الدعم السريع شرعية سياسية أو عسكرية. بل يعني الفصل الواعي بين ما هو إنساني عاجل، وما هو سياسي استراتيجي. يمكن للدولة أن تعلن بوضوح أن نزع سلاح الدعم السريع هدف غير قابل للتنازل، وفي الوقت نفسه تقبل بهدنة إنسانية لا تمس هذا الهدف ولا تنتقص منه، بل تؤجله إلى طاولة التفاوض حيث تُدار الصراعات الكبرى. أما مبادرات السلام، بما فيها مبادرة رئيس الوزراء كامل إدريس، فإنها تُقاس بمدى قابليتها للتطبيق لا بمدى نقائها النظري. فالمبادرة التي تبدأ من سقف عالٍ دون مسار مرحلي واضح، قد تبدو قوية في الخطاب، لكنها هشة في الواقع. السلام لا يُفرض دفعة واحدة، بل يُبنى خطوة خطوة، حتى مع أكثر الخصوم دمويّة. في المحصلة، فإن السؤال ليس: هل من حق الدولة أن تطالب بانسحاب الدعم السريع وتسليم سلاحه؟ الجواب واضح: نعم، بل هذا واجبها. السؤال الحقيقي هو: هل من الحكمة ربط هذا المطلب النهائي بوقف إطلاق النار أو بالهدنة الإنسانية؟ الواقعية السياسية تقول إن حماية المدنيين لا ينبغي أن تكون ورقة ضغط، وإن الدولة القوية هي التي تعرف متى تتمسك بمبادئها، ومتى تُدير الصراع بمرونة تكتيكية دون التفريط في الهدف الاستراتيجي. السودان اليوم لا يحتاج إلى مواقف قصوى بقدر ما يحتاج إلى مسارات ذكية تنهي الحرب، وتحفظ ما تبقى من الوطن، وتُعيد للدولة معناها الحقيقي، لا في الخطاب فقط، بل في حياة الناس اليومية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم