إعداد: أمجد شرف الدين المكي
تقرير خاص بقسم البحوث والترجمة – سودانايل
26 ديسمبر 2025
هذا التقرير يقدم قراءة تحليلية تستند في مجملها إلى منهجٍ أكاديمي في مقاربة الحرب السودانية. وهو طرح قد يتفق معه القارئ أو يختلف، غير أن مرجعيته الأساسية تقوم على مصادر موثوقة من تقارير بحثية ودوريات وتحليلات دولية، موثقة في قائمة المراجع المرفقة. ويهدف التقرير إلى تفكيك واقع اللحظة الدولية وتداعياتها القريبة، عبر الانتقال من توصيف الحرب بوصفها مواجهةً بين طرفين داخل السودان، إلى فهمها ضمن سياقٍ إقليمي ودولي أوسع وهو ما يمكن وصفه هنا بـ” معركة الخرائط “أي صراع لا يدور فقط حول السيطرة الميدانية، بل يتصل بالجغرافيا الإقليمية بوصفها قيمة سياسية واقتصادية وأمنية، وباعتبارها مدخلًا لفهم توازنات النفوذ ومسارات الموارد والممرات الحيوية في المنطقة.
في هذا الإطار، تبدو الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وكأنها انتقلت تدريجيًا من صراع داخلي على السلطة إلى نزاع يتقاطع مع شبكات تمويل وتسليح، ومع مصالح إقليمية ودولية تُعيد تعريف السودان بوصفه عقدة جغرافية يصعب فصلها عن أمن البحر الأحمر، وعن الموارد الطبيعية، وعن حدود القرن الأفريقي، وعن ملف مياه النيل. ولا يعني هذا التحول، وبحسب ما ذكر تقريري مجموعة الأزمات الدولية وتشاتهام هاوس بأن” القرار لم يعد سودانيًا، بقدر ما يعني أن مسارات الحرب وطول أمدها باتا يتأثران بدرجات متفاوتة بعوامل خارجية مرتبطة بتوازنات النفوذ والمصالح في الإقليم .“(مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group- – [1] تشاتهام هاوس [2] (Chatham (House.
واللافت أن جغرافيا السودان مُغرية جداً. هذا بالإضافة الي حين تتراجع الدولة المركزية وتتفكك السيطرة الإدارية، تفرض الأسئلة التالية نفسها: من يملك طرق الإمداد؟ من يملك عقود التجارة؟ من يملك منافذ البحر والتصدير، وأهمها الموانئ؟ أو بشكل عام: من يملك اقتصاد الحرب الذي يموّل استمرار القتال؟ وفي قلب هذا الاقتصاد تقف الموارد وعلى رأسها الذهب، بوصفه موردًا سريع السيولة وسهل العبور عبر الحدود. كما تم ذكره أعلاه، فتقرير تشاتهام هاوس [2] (Chatham House) – يشرح كيف يرتبط الذهب باستدامة الصراع، وكيف يصبح نفوذ بعض العواصم الإقليمية، بوصفها فاعلين اقتصاديين وسياسيين كبارًا، جزءًا من أي مقاربة واقعية لوقف الحرب، ليس عبر الاتهام المباشر، بل عبر فهم مفاتيح التأثير التي تملكها أطراف إقليمية مؤثرة.
من هنا تتقدم أهمية البحر الأحمر. فالممر الذي صارفي العقد الأخيرأكثر حساسية لسلاسل الإمداد العالمية، وللأمن البحري، وللاستثمارات الكبرى، يجعل من استقرار الضفة الغربية للبحر الأحمر (ومنها السودان بطول ساحل أكثر من 800 كيلو – حوالي 500 ميل تقريباً) قيمة استراتيجية، لا تفصيلًا سياسيًا. أضافةً الي ذلك يشكّل الساحل الممتد من إريتريا إلى السودان أحد أطول الامتدادات المتواصلة على الضفة الغربية للبحر الأحمر، وبطولٍ يتجاوز أكثر من 2,000 كيلومتر (نحو 1,240 ميلًا) من أصل ما يقارب 2,250 كيلومترًا (حوالي 1,398 ميلًا) وهي المسافة الكاملة للبحر الأحمر، الأمر الذي يجعله محورًا أساسيًا في معادلات الأمن البحري في هذا الممر الحيوي.
في تحليلات وتقارير لمؤسسة كارنيغي – [3] (Carnegie Endowment for International Peace) تبرز كيف ترتبط رؤية المملكة العربية السعودية 2030 – بفكرة الاتصال والممرات والاستقرار الإقليمي، وأن اضطراب البحر الأحمر كـ ” نقطة اشتعال “يضغط على هذه الرؤية. ويذهب معهد دول الخليج في واشنطن – 4 إلى أن المملكة تمتلك ”رؤية اقتصادية“ للبحر الأحمر لكنها تواجه تحديات صياغة استراتيجية أمنية شاملة أمام تمدد بؤر عدم الاستقرار في البحر الأحمر جنوبا من باب المندب وخليج عدن، والتداعيات لحرب اليمن (عملية عاصفة الحزم) مروراً بالسودان، وحتي شمالاً في منطقة قناة السويس من الناحية الغربية لشمال البحر الأحمر، وفي الشمال الشرقي عند طابا وخليج العقبة. وهو أمر لا يجب فصله أيضاً مع التداعيات الإسرائيلية الإيرانية وتصريحات الشد والجذب بينهما، الأمر الذي لايترك للباحث مجالاً للشك عن أهمية منطقة البحر الأحمر الإستراتيجية. في هذا السياق يصبح السودان بحكم الجغرافيا، حيث أنه يقع تقريباً في منتصف المسافة في البحر الأحمر وعلي مسافة كما ذكرت أعلاه، تتجاوز الثمانمائة كيلومتراً تقريباً، جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالأمن البحري والاستثمار والاستقرار. وهذا ما يفسر أيضًا لماذا ظهر مؤخراً الإشارات السياسية بين الإهتمام الأمريكي–السعودي بتخفيف التصعيد في السودان. إذ نقلت وكالة رويترز 5 حديثًا عن سعي ولي العهد السعودي للضغط باتجاه دور أمريكي أكبر، فيما ذكرت شبكة سي بي إس” [6] (CBS News) أن الرئيس الأمريكي قال إن بلاده تنخرط في جهود تتعلق بالسلام في السودان بطلبٍ من ولي العهد السعودي. “وهو ما أكده الرئيس ترمب بنفسه في خطابه الشهير في واشنطن أمام حشد من السياسين والدبلوماسيين وعلي رأسهم ولي العهد السعودي في الشهر الماضي.
والمتابع لسياسة البحر الأحمر لا تفوته التحركات الدبلوماسية المكثّفة للرئيس الإريتري أسياس أفورقي خلال عام 2025، والتي عكست إدراكًا متزايدًا لحساسية الإقليم وتحوّلاته. ففي نوفمبر 2025، وصل أفورقي إلى بورتسودان في زيارة عمل بدعوة من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطوة وصفتها وزارة الإعلام الإريترية بأنها ”رمزية وتجسيد للتضامن“ بين البلدين. وبعدها بأسابيع، وتحديدًا في ديسمبر 2025، قام بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية بدعوة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث ناقش التعاون البحري وأمن الموانئ في البحر الأحمر. وقبل ذلك بشهرين، في أواخر أكتوبر 2025، كان أفورقي في القاهرة للمشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير، ولإجراء مباحثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول أمن البحر الأحمر وتطورات السودان والقرن الإفريقي.
هذه الزيارات المتتابعة من قبل أريتريا الي السودان ومصر والسعودية تعكس بوضوح أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل ساحة استراتيجية تتقاطع فيها حسابات الأمن الإقليمي، والاستثمار، والممرات البحرية، وأن أسمرة تتحرك ضمن رؤية أوسع لإعادة تموضعها في قلب هذه المعادلة.
لكن التنافس على الجغرافيا لا يتوقف عند البحر الأحمر. ففي الجنوب الغربي، تبرز إثيوبيا بزاوية مختلفة – أمن سد النهضة. فالسد يقع قرب الحدود مع السودان، وهو ما يجعل استمرار الحرب السودانية مصدر قلقٍ أمني وسياسي لأديس أبابا، لأن أي فراغ طويل أو انفلات حدودي يمكن أن يخلق بيئة تهديد حول مشروع سيادي شديد الرمزية داخليًا. وهنا يظهر سؤال ”العمق الأمني“(بريتانيكا (Britannica- [7] – ليس كخطة معلنة بقدر ما هو منطق جغرافي في مناطق الحدود المضطربة. كيف تُحصّن دولة منشأة استراتيجية كبرى عندما تتقلب بيئة الجوار المباشر؟ وفي المقابل، يُعاد إدخال ملف مياه النيل في قلب الحسابات السودانية–الإقليمية، لأن الصراع السوداني يحدث في زمن ما تزال فيه خلافات تشغيل سد النهضة وتوازنات الأمن المائي حاضرة في خطاب القاهرة وأديس أبابا ومن قبلها الخرطوم، قبل الحرب. وهو مايطرح تساؤلاً مهماً عن أهمية تلك المنطقة أمنياً بالنسبة لمصر. وهنا تتضح أيضاً أحد الخطوط الحمراء للسياسة المصرية.
أما مصر، فغالبًا ما تُقرأ علاقتها بالملف السوداني من زاويتين متداخلتين: زاوية الأمن القومي (حدود، واستقرار جنوباً، وحسابات النيل)، وزاوية الضغط الإنساني المتصل بتدفقات اللاجئين. تحديثات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – 8 تنقل تقديرات رسمية مصرية بأن نحو 1.5 مليون سوداني قدموا إلى مصر منذ اندلاع الحرب، وهو رقم يوضح حجم العبء الإنساني والإداري في دولة كبيرة كمصر، وهي تواجه تحديات اقتصادية. وفي الوقت نفسه، تُظهر تغطيات وتقارير اقتصادية دولية أن مصر شهدت مؤخراً مؤشرات” استقرار نسبي “في توفر العملة الأجنبية، واحتياطات ذهب، مع تراجع التضخم مقارنة بذروته في نهاية العام الماضي، ومطلع الحالي، مع حديث عن تحسن التدفقات والاستثمارات وفق ما ذكرته وكالة رويترز 9 – هذه العناصر مجتمعة تساعد على فهم لماذا ترى القاهرة أن السودان ليس ملفًا خارجيًا عاديًا، بل امتدادًا مباشرًا لبيئتها الاستراتيجية، وأمنها القومي المباشر، وهو مبرر في تقدير الكثيرين للخطوط الحمراء التي أعلنت عنها مؤخراً، وهو أمر طبيعي في ملف الجغرافيا السياسية المرتبطة بالأمن القومي المصري.
وفي مقاربة أكثر هدوءًا تجاه دور الإمارات، والتي يمكن النظر إليها كفاعل إقليمي شديد الحضور في ملفات الاقتصاد والاستثمار والوساطة وبناء الشبكات، وهو حضور تُناقشه أدبيات السياسة الدولية تحت مفاهيم (أدوات القوة غير العسكرية) و(اقتصاد النفوذ). هنا يصبح الحديث الأنسب هوعن كيف تُدار القوة عبر المال والشبكات والوساطة والعلاقات في مراكز القرار؟ في هذا الإطار من المُهم الإشارة إلى مفهوم -الاقتصاد في السياسة الخارجية- أو -النفوذ عبر أدوات اقتصادية- وهو ما يُناقشه بشكل كلاسيكي ديفيد بالدوين في كتابه عن ” الاستعانة بالأدوات الاقتصادية كجزء من أدوات الدولة“ – ديفيد بالدوين- والذي يلخصه في أن ” المال في الدولة، وعندما يقترن باستقرار سياسي وقدرة على الحركة يميل إلى التحول إلى نفوذ، لأن حماية الاستقرار السياسي والمصالح غالبًا ما تمر عبر بناء شبكة علاقات وتحالفات وأدوات تأثيربشتي الطرق، وهو غالباً ما يبدأ داخلياً، ثم الي المحيط الإقليمي، ويتجه الي المحيط الدولي بأسره.[10]-(David A. Baldwin) “
وهنا يؤكد الأكاديمي الدكتور أندرياس كريغ- الباحث والمحاضر في مدرسة الدراسات الأمنية، والمشارك في الكلية الملكية لدراسات الدفاع، وهو أيضاً زميل في معهد دراسات الشرق الأوسط بكلية كينغز كوليدج في لندن (King’s College London)- وفي سياق النقاش حول النفوذ، وفي مقالة تحليلية يكتب ” أن نشاط التأثير الإماراتي في واشنطن أصبح بالغ القوة إلى حدٍّ يجعله يقترب من نفوذ جماعات الضغط التقليدية ذات الحضور الراسخ في ملفات الشرق الأوسط، مشيرًا إلى ما وصفه بـ (التوازي والشراكة أحياناً) مع نفوذ لوبيات بارزة مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC). ويذهب كريغ أبعد من ذلك. في لقاءٍ له مع موقع ميدل أيست أي (Middle East Eye) يرى كريغ أن أبو ظبي وبحسب تقييمه أنها” أصبحت تمتلك نفوذًا متقدمًا في دوائر القرار الغربية، وبدرجات متفاوتة تمتد أيضًا إلى دوائر روسية وصينية.“ ميدل أيست أي – Middle East Eye –أيضاً أنظر الصفحة الخاصة لأندرياس كريغ) المصادر في الهامش أرقام [11] و [12]).
في تصريحات صحافية لعدد من المحللين السياسيين الأمريكيين، فإن صعود هذا النوع من النفوذ ليس ظاهرة طارئة، بل مسار تراكمي لوحظ في الظهور أكثر من مرحلة منذ عهد الرئيس أوباما، كما أن تصريحات وإشارات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مؤخراً، في أكثر من مناسبة والتي تُفهم في سياقها العام على أنها تؤكد أهمية الشركاء الإقليميين ذوي الثقل المالي والسياسي في ملفات المنطقة، حتى وإن لم تُصَغ هذه الفكرة بالصيغة المقارنة نفسها وبشكل مباشر.
ولكي نضع هذا الواقع في إطاره التحليلي الأكاديمي، تتضح الفكرة التي ناقشها الباحث والكاتب ديفيد بالدوين في أدبيات” الاقتصاد في السياسة الدولية“، حول كيفية تحويل المال والمصالح إلى سياسات عبر شبكات اللوبيات، والعلاقات العامة، ومراكز التفكير العالمي. وهو المعنى الذي أشار إليه أيضًا تقرير تحليلي منشور في موقع (Responsible Statecraft) [13].
وهنا يجدر التنبيه إلى أن هذا الطرح ليس إدانة ولا مدحاً، بل هو وصف لآلية عمل شائعة في النظام الدولي يمكن فهمها عبر مفاهيم مثل النفوذ والقوة وتوازن المصالح في تفاعلات العلاقات الدولية. غير أن الإشكال كما يبدو في ممارسات بعض دوائر القرار في بورتسودان. وأن التعامل مع هذه الحقائق يتم أحيانًا بمنطق الخصومة الخطابية والاتهام السياسي، لا بمنطق الإدارة الاستراتيجية للبيئة الإقليمية. والحال أن وقف الحرب، أو حتى تقليل كلفتها، لا يمر عبر رفع سقف العداء مع الأطراف ذات الثقل المالي والسياسي في الإقليم، بقدر ما يمر عبر إعادة تعريف العلاقة معها ضمن مسارات أكثر براغماتية تقوم على قنوات اتصال مستقرة، وتفاهمات تركز على” المصالح المشتركة“، وهو تعبير أساسي في الدبلوماسية السياسية، بما يشمل التعاون الاقتصادي والإقليمي والوساطات التي تُدار بمبدأ” المكاسب والعلاقات المشتركة والمتبادلة“.
هذا المسار ليس مستحيلًا، بل هو في كثير من تجارب النزاعات، شرط من شروط الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية. غير أن تعطيله قد يحدث حين تتغلب اعتبارات قصيرة المدى مثل حسابات سلطة، أو تنافسات داخلية، أو شبكات مصالح ترى في استمرار الاستقطاب منفعة سياسية أو اقتصادية، سواء في العلن أو في الخفاء. وفي النهاية، لا يدفع ثمن هذه الحسابات النخب المُسيطرة وحدها، بل يدفعه المواطن السوداني مباشرة. مما يصبح حيرة أمام تعدد السرديات، فقر وجوع ومرض، وتفاقم في دوائر النزوح والتهجير، واتساع في كلفة الحرب اليومية. قائمةٌ تطول كلما طال زمن الصراع وتعقدت مساراته.
في ظل كل هذا، ومع إضافة التباينات في المصالح الإقليمية، والجغرافيا السياسية، وحينما تلتقي مع الحروب المحلية، تصبح التسوية أصعب. لأن أيقاف النار لا يعني فقط ترتيباً بين قوتين داخل السودان. بل يعني أيضاً إدارة (شبكات الإمداد والتمويل والتأثير) والتي تحيط بالصراع من كل جانب. لهذا السبب تركز واشنطن وفق تصريحات نقلتها رويترز على فكرة أن الأطراف الخارجية المؤثرة تملك” رافعات ضغط مهمة، وأن التوصل معها جزء مهم وأصيل في محاولة الوصول الي تهدئة تسمح بالمساعدات الإنسانية، والسياسية“. (رويترز Reuters) [14]. وفوق ذلك وبالنظر الي الخلفية النظرية، يلفت باحثون في حقل (حروب الوكالة) الي أن” هذا النوع من النزاعات يتغذى على علاقات –راع—وكيل—وخصم—وأن تعدد الأطراف المتداخلة يرفع تكلفة إنهاء الحرب حتى ولو بدأ الحل الداخلي بسيطاً على الورق“- (فلاديمير راوتا – Vladimir Rauta).[15]
أمام هذه الصورة، تكون أكثر صيغة واقعية هي – مصر والإمارات والسعودية وإثيوبيا، وتشاد، وإفريقيا الوسطي، وجنوب السودان، وإريتريا، وليبيا بحكومتيها وغيرها من أطراف إقليمية مهمة في محيط السودان المباشر والبعيد، ولكلٍ منها دوافع أمنية أو اقتصادية أو سياسية تجعلها معنية بمآلات الحرب. والنتيجة أن أي مسار لوقف القتال لا يُمكن أن يعتمد على لغة الإستقطاب وحدها، بل يحتاج إلى تحويل” أسباب الاهتمام لدي هذه الأطراف الي حوافز تهدئة، بدل أن تبقي عوامل إطالة للصراع“. وهذه هي النقطة التي يقترحها مركز (تشاتهام هاوس بوضوح – (Chatham House [2]. فعندما يعتبر أن النفوذ الإقليمي عامل حاسم لأي سلام مستدام، لا لأن الإقليم يملك الحل وحده، بل لأن الإقليم يملك مفاتيح تُستخدم إما لتقليل كلفة السلام أو لزيادة كلفة الحرب. وهو ما يعني إطالتها أو نهايتها.
وفي نهاية المطاف، ربما، بل من المؤلم أن يتم تلخيص السودان اليوم لدرسه القاسي في هذه الحرب، بـأنه عندما تتحول الدولة الهشة، نتيجة للصراعات السياسية الداخلية وسيطرة الحزب الواحد ذات التوجهات الآيدولوجية التي تستعمل كغطاء لممارساته الأنانية، بل وتغول وإستعمال المؤسسة الرسمية العسكرية وفي إصطفاف إقليمي ودولي واضحين، إلى ساحة تتقاطع فيها الموارد، مع الممرات المائية، وتدخل حسابات الأمن المائي في قلب الأمن القومي الإقليمي، يصبح الصراع، حتى لو بدأ محليًا قابلًا لأن يُدار بمنطق” الخرائط “. عندها لا يعود السؤال عمن ينتصر عسكرياً؟ بل من يملك القدرة على جعل الإنتصار العسكري ممكناً أصلاً. ومن يملك القدرة على جعل السلام أقل كلفة من إستمرار الحرب؟
ختامًا- تبدو الحاجة إلى توافق (سوداني- سوداني) أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لا بوصفها شعارًا أخلاقيًا، بل كشرطٍ واقعي لوقف الانهيار في لحظة يتعاظم فيها النفوذ الإقليمي حول السودان، ويتسارع فيها تغيّر النظام الدولي نفسه. العالم يدخل مرحلة سياسات أشدّ حِدّة وتقلبًا. في واشنطن يجلس رئيسٌ شعبوي في البيت الأبيض، وسط انقسام اجتماعي عميق وصفه بعض الباحثين والصحافيين الأمريكان، بأنه أقرب إلى” حرب داخلية اجتماعية “ تتجلى في الاستقطاب وتآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية، وهي توصيفات ترد أيضًا في كتابات أكاديمية، ومعلقين وسياسيين كثر بدأت مؤخراً تزداد وبشدة.
وفي أوروبا يتقدم اليمين بأجنداته تحت ظل تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية وتوترات الاقتصاد والطاقة، وقد بدأت انعكاسات ذلك تظهر بوضوح في ملفات الهجرة وتشديد القيود على الوافدين من أصول مختلفة.
وفي أفريقيا، حيث تتكدّس كتلة شبابية واسعة تبحث عن العمل والأفق، تقلّصت كما أشير أعلاه وظيفة (الهجرة) باعتبارها منفذًا اقتصادياً واجتماعياً، بفعل القيود الأوروبية المتزايدة. وهذا يفتح الباب، بالضرورة، لمزيد من الاحتقان الداخلي والأزمات الاقتصادية المعقّدة، خصوصاً في دول الساحل الأفريقي. وفي بيئات الهشاشة الممتدة، يصبح الشباب أكثر عرضة للاستقطاب من قبل جماعات مسلحة، بل ومن قبل تنظيمات متطرفة في بعض السياقات، وهو ما يزيد تعقيد المشهد الأمني ويجعل مكافحته أقل رغبة، حتى مع ازدياد اهتمام واشنطن وشركائها بهذا التهديد.
في مثل هذا المناخ الإقليمي والعالمي المتأرجح، يصبح التعويل على الخارج كحل نهائي مخاطرة مضاعفة. والأقرب إلى الواقعية هو الدفع نحو حل وطني يقوده السودانيون أنفسهم، مع قبول (مظلات مساعدة) خارجية بوظيفتها المحددة وهي التيسير، والدعم الفني، والمراقبة، لا الوصاية ولا صناعة القرار. فنبذ الفرقة وإعادة بناء الثقة ليسا فقط لحماية المواطن من كلفة الحرب، بل لحماية فكرة الدولة ذاتها من التشظي، لأن استمرار الانقسام يجعل تآكل الدولة احتمالًا واقعيًا تحكمه سرعة الزمن (الإقليمي -الدولي- السياسي) القريب أكثر مما تحكمه النوايا. وفي عالم تتسارع تحولاته بصورة باتت واضحة حتى للمتابع العادي، فإن تأجيل التوافق الداخلي يرفع كلفة المستقبل، ويجعل الوطن عرضة لأن يصبح موضوعاً لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى تأمين مصالحها وخاصة في بيئات النزاع، حتى لو رُفعت لذلك عناوين” السلام والاستقرار“.
• المصادر والمراجع التي تم استعمالها في التقرير
[1] (مجموعة الأزمات الدولية / International Crisis Group)- “Bolstering Efforts to End Sudan’s Civil War (Excerpt from Watch List 2025)”. [2] (تشاتهام هاوس / Chatham House) “Gold and the War in Sudan” 25 March 2025 [3] (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي / Carnegie Endowment for International Peace) “Stormy Waters for Saudi Arabia: Regional Conflict and Red Sea Security” November 2023 [4] (معهد دول الخليج في واشنطن / Arab Gulf States Institute in Washington – AGSIW) “Saudi Arabia Has a Red Sea Vision, Not Yet a Strategy” 2024 [5] (رويترز / Reuters) “Saudi prince to press Trump to intervene to end Sudan war, sources say” 18 November 2025 [6] (سي بي إس نيوز / CBS News) “Trump vows U.S. help in settling Sudan war, at request of Saudi crown prince” 2025 [7] (بريتانيكا / Britannica) “Grand Ethiopian Renaissance Dam” 2025 (موقع السد قرب الحدود السودانية) [8] (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين / UNHCR) “Egypt Emergency Response Update (as of 7 May 2025)” (تقديرات الحكومة المصرية حول أعداد الوافدين من السودان) [9] (رويترز / Reuters) “IMF reaches staff-level agreement on Egypt’s reviews… (inflation decline, FX availability improved)” 23 December 2025 [10] (ديفيد بالدوين / David A. Baldwin) Economic Statecraft، Princeton University Press 1985 (catalog.princeton.edu) [11] (كينغز كوليدج لندن / King’s College London) (أندرياس كريغ صفحة السيرة المهنية لـ / Dr Andreas Krieg) [12] (ميدل إيست آي / Middle East Eye) Andreas Krieg، “Never mind Russia, the UAE has united with AIPAC to capture Washington” 2017 [13] (Responsible Statecraft / ريسبونسبل ستيتكرافت) “How the UAE turns its interests into US policy” December 2022 [14] (رويترز / Reuters) “Rubio says immediate US goal on Sudan is cessation of hostilities… (leverage of influential states)” 19 December 2025 [15] (فلاديمير راوتا / Vladimir Rauta) “Framers, founders, and reformers: three generations of proxy war research” 2020 (University of Reading working paper)أمجد شرف الدين المكي
باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية
جامعة سالفي ريجينا (Salve Regina University)، رود آيلاند – الولايات المتحدة الأمريكية
amgadss@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم