عبدالله مكاوي
abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
تزامن انطلاق ثورات الربيع العربي مع مشروع تآمر لاجهاضها، وكان عماد ذاك المشروع انظمة عسكرية وملكيات وامارات خليجية. والغرض بالطبع قطع الطريق علي قيام دول مواطنة، تدار بنهج مؤسسي وتحكم بنظم ديمقراطية، ومن ثمَّ ترد الاعتبار لكرامة وحقوق الانسان وتحافظ علي مصالح البلاد.
وذلك الاجهاض تم عبر مسارين: اولهما والاخف وطأة، مسار استهدف دول مستقرة واقل قمع وارهاب ولكنها تعاني الفقر وانغلاق آفاق المستقبل امام الشباب. وهما ثورات تونس ومصر، وليس مصادفة انهما اول الثورات السلمية المنطلقة، وذلك لتوافر الحد الادني من مقومات الدولة والهامش السياسي. عكس سوريا التي حكمها القمع واغلاق المجال السياسي. اما حصيلة الاجهاض فهي نظام عسكري في مصر يمثل امتداد وتتويج لمسيرتها مع الانظمة العسكرية الحاكمة، الاكثر عراقة بل وابوية لكل الانظمة العسكرية الحاكمة للمنطقة العربية لما يزيد عن نصف قرن. وفي تونس وبعد بداية مبشرة افسدها الاسلامويون وقلة الخبرة وتعمق الدولة العميقة كاسلوب ادارة ونمط حياة (صعوبة التغيير او توافر وحوافز متطلباته)، ارتدت مرة اخري لحكم الفرد وإن بصورة اكثر كاريكاتورية. اما سوريا فانزلقت لحرب اهلية اججتها التدخلات الخارجية، لتدمر البلاد وتقتل وتشرد العباد لما يقارب خمسة عشر عاما. وما زالت وبعد هروب بشار الذي يجسد النظام بكل قبحه وجبنه وخذلانه، تعاني عثرات البداية بكل مصاعبها ومخاطرها ويزيد متاعبها مواجهة ارث نظام بقدر بقائه بقدر فقره وخوائه.
المسار الآخر، استهدف اجهاض ثورات مكلفة، لقيامها ضد انظمة بالغة الوحشية في قمعها واستبدادها وفسادها. ورغم ثراء هذه الدول إلا ان اساءة ادارتها وتحويل ثرواتها لوسائل افساد للمجتمع وحماية للنظام جعلها كالسجون. كما ترافق ذلك مع بنية مجتمعية هشة ومتنافرة ودول تفتقر لمقومات ووظيفة الدولة، وتجريف كامل للحياة السياسية، كليبيا واليمن والسودان. وهذه الدول تحديدا لم يتم اجهاض ثورتها فحسب، ولكن تم استهداف وجود الدول نفسها، عبر رعاية مليشيات مسلحة تعمل قبل كل شئ علي الغاء حاضر الدولة ومصادرة مستقبلها، قبل ان تحول الفوضي الي اسلوب حياة، وتعمل في مواطنيها تقتيلا وتشريدا وفي ثرواتها نهبا وتهريبا وبنيتها دمارا وتخريبا. وباختصار اصبحت اداة في يد الخارج لارهاب وافلاس وزعزعة الداخل. وهذا المسار تبناه وتولي كبره محمد بن زايد، والذي يبدو انه يتلاءم ليس مع طموحاته الامبراطورية فحسب، ولكن استعدادات طغياينة ومسالك اجرامية لا تضع حساب لحيوات وكرامة الملايين بقدر اهتمامها بحسابات جنون العظمة! وليس غريب والحال كذلك ان تتلقفه مخططات الكيان الصهيوني وتوظفه لخدمة اهدافها التخريبية النهبوية.
ولمزيد من التلبيس والتدليس اتخذ هذا المسار الاخير الذي يستهدف الدول ككيان وموارد ومواقع، محاولة مأسسة هذه المليشيات وتمليكها اضافة للعتاد العسكري والاستخباراتي، مشروع سياسي مختلق ودعم مالي واعلامي. اي ادراجه في (سردية ضرار) تُقلِّب الحقائق وتُشوِّه الواقع وتزوِّر الوقائع، لتكوين دولة مزيفة ظاهرها الرحمة (الشعارات البراقة) وباطنها العذاب (العمالة والارتزاق).
واذا كانت المليشيات تنويعات مختلفة، فقد كان نصيبنا منها اكثرها همجية وانتهاكات ومعادة للحضارة والانسان، وابخسها سعرا في سوق الارتزاق. والمقصود بالطبع (الجنجويد) الذين يجمعون بين امتلاك اكثر الاسلحة الحديثة فتكا، وبين اكثر البشر تخلفا وبربرية وانحطاطا. وبدل ادراج هكذا كيان آت من غابر الازمان (شرعة الغاب) بما يفوق داعش استباحة للدماء وتدمير للممتلكات العامة والخاصة، في خانة جرائم الابادة، ومن ثمَّ اصطفاف الكل ضده بما يتسق مع السوية الانسانية والانصاف والعدالة وصناعة مستقبل واعد. نجد هنالك من يدعم المليشيا ويبرر جرائمها ويمدح داعميها بل وتُفتح لهم كل المنابر الاعلامية بحجة حرية التعبير المفتري عليها! والحال كذلك ما ضر داعش؟ ام معايير الحضارة والتحضر تحددها المصالح ومحاكاة الغرب؟!
وصحيح ان الاسلامويين بتدميرهم مؤسسات الدولة وقادة الجيش وجهاز الامن باستهتارهم بامن البلاد وصراعهم الغبي علي السلطة، كان ثمنه ميلاد ورعاية وتقوية مليشيا الجنجويد كاكبر مهدد لبقاء البلاد. واكثر صحة ان مصادرة الجيش للسلطة والتحكم في مصير البلاد منذ الاستقلال بغير وجه حق، وتمكينه للاسلامويين (اي للفساد المهول) طوال ثلاثة عقود. شكلا عقبة امام نهوض البلاد، بل ادخلاها في نفق مظلم. ولكن اتخاذ فساد وضلال ودمار الاسلامويين كذريعة للسطو علي السلطة وتمرير اجندة خارجية شئ آخر. اي لا يكفي الاجماع علي رفض الاسلامويين لقبول اي مشروع ولو كان اكثر سوء من الاسلامويين وبما لا يقاس. لان المخرج ليس المفاضلة بين الاشرار ولكن في ترتيب الاولويات حتي الوصول للدولة المرتجاة، وللاسف المليشيا ارجعتنا لمجرد التطلع لسلامة المواطنين وبقاء الدولة، ويا له من انجاز!!
وما يحير ان ذات الذريعة (الاسلامويين) تتكرر بحذافيرها في كل بقعة تدعم فيها الامارات مليشيا (ليبيا واليمن السودان)، وللعلم هي ذات الذريعة (حماس) التي استخدمتها اسرائيل لتدك غزة علي رؤوس ساكنيها! والحال كذلك لو لم يوجد الاسلامويين لاوجدتهم الامارات من العدم! ولسوء حظ انصار هذه السردية التي يحولونها لاستراتيجية تخدم خط المليشيا المنحرف وليس الحق او المصلحة العامة، ما تكشَّف من تصريحات ايدي كوهين عن مخططات اسرائيل التي تتطابق مع مشروع المليشيا المدعوم اماراتيا وقع الحافر، مع العلم ان هذا معلوم سلفا، ولكن اهميته انه يمتحن مصداقية من يدعم المليشيا من موقع وطني او مدني او ديمقراطي او معادٍ للكيزان كما يدعي!!
وقبل ان يستفيق هؤلاء من تصريحات كوهين الفاضحة، عاجلتهم الامارات بفضيحة سفن السلاح المبحرة من ميناء الفجيرة لحليفها مليشيا المجلس الانتقالي. وكعادة المليشيا في انكار ضوء الشمس من سفهٍ، تصر الامارات علي الانكار رغم ان الجريمة مثبتة بالتصوير! كما ان المتضرر هذه المرة ليس الثوار المغلوب علي امرهم او ثوراتهم المغدورة، وليس كذلك البلاد الهشة والمنهكة كالسودان، ولكن السعودية بكل ثقلها الاقليمي ومكانتها العالمية وامكاناتها المهولة. وهو ما يجعل من ناحية، الجرم الاماراتي اكثر كلفة. ومن ناحية، قد يكون هذا الخطأ المميت بداية النهاية لطموحات بن زايد الامبراطورية. وهنا تحديدا نقطة الشبه بين بن زايد وحميدتي، اي من جهة ان كلاهما صعد الي القمة اعتمادا علي ممارسات وسلوكيات غير شرعية بل اجرامية وبالغة الكلفة علي مجتمعات بريئة وبلاد تكافح للخلاص من تجارب مريرة. فاين حميدتي (الحاضر الغائب) اليوم بعد ان دانت له كل البلاد في غفلة من الزمن والاصح باستهتار من حماتها المفترضين؟!
وغالبا بن زايد يعاني ككل الطغاة من مركب عقد النقص (تجاه الاقوياء) والتفوق (تجاه الضعفاء)، مما يُظهره ذليل تجاه الاقوياء وبالغ القسوة تجاه الضعفاء. وهو ما تمظهر في ردة الفعل تجاه السعودية حيث بانت ذلته، وتذلل بادعاء الحكمة المصطنعة. ولكن المؤكد ان هذه التجربة المُرة التي تجرعها، جعلته يضمر الغدر من جهة، ومن جهة ينذر بعواقب وخيمة ينزلها بالضعفاء، للتنفيس عن ذلته والشعور بنشوة القوة ولذة العظمة الكاذبة. لذلك الخوف كل الخوف ان يصفي بن زايد حسابه مع المملكة في السودان او غيرها من البلدان التي يملك فيها نفوذ عبر المليشيات المسيطر عليها. وهو ما ينذر بدوره ليس بمزيد من التصعيد والانتهاكات والتخريب من قبل الجنجويد، ولكنه قد يطيل من امد وقسوة المأساة السودانية، ان لم يدخلها في نفق اشد انسداد واظلام. والله يستر.
واخيرا
من مفارقات حربنا الكارثية، هي مواقف البرهان البطولية الوهمية، التي ليس لها فائدة غير تمليك المليشيا العدمية، خرقة بالية تغطي بها جرائمها العلنية، وتُمَلِّك انصارها سردية باطلة يشهرونها بكل جرأة في وجه كل من يشكك في حقيقة دوافعهم المعلنة ودعاويهم الفارغة ودعمهم اللامشروط لها. والمقصود بالطبع الرفض المطلق لكل تفاوض يُعرض عليه من غير مسوغات مقنعة او بشروط تعجزية، مما يظهر الجيش بانه الداعم الاساس للحرب (حتي عندما يدافع) وبالتالي المسؤول عن كل عواقبها! وهذا ان دل علي شئ فهو يدل علي غربة الجيش بصفة عامة وجنرالته (القادة) بصفة خاصة، عن المهارة السياسية والحساسية المجتمعية، والاسوأ من ذلك التعامل مع السلطة وادارة الدولة ورعاية مصالحها، بالعنترية التي لا تقتل ذبابة او تقيل عثرة! والحال كذلك يبدو ان بكائك سيطول يا وطني الحبيب. ونسأل الله ان يكون العام الجديد عام سلام وبداية لنهاية هذه المأساة وبناء دولة تليق باهلها وتعوض تضحياتهم الجسام. ودمتم في رعاية الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم