الضحايا والجناة: نحو فهم أعمق للمسؤولية الجماعية
تجاوز الثنائيات البسيطة في فهم العنف والمصالحة
م. هيثم عثمان إبراهيم
في خضم الصراعات والحروب، يميل العقل البشري إلى تبسيط الواقع المعقد إلى ثنائيات واضحة: ضحايا وجناة، أخيار وأشرار، نحن وهم.
هذا التبسيط مفهوم نفسيًا، فهو يمنحنا إحساسًا بالوضوح الأخلاقي في عالم ضبابي، ويساعدنا على تحديد موقفنا ومعرفة من نؤيد ومن نعارض.
لكن هذا التبسيط ذاته، رغم راحته النفسية، قد يكون عائقًا أمام الفهم الحقيقي للعنف، وبالتالي عائقًا أمام المصالحة والشفاء.
الحقيقة أن العلاقة بين الضحايا والجناة أكثر تعقيدًا مما تبدو.
فالضحية في سياق ما قد تكون جانيًا في سياق آخر، والجاني قد يكون هو نفسه ضحية لظروف وبنى أكبر منه.
هذا لا يعني تمييع المسؤولية أو تبرير الجرائم، بل يعني أن الفهم العميق للعنف يتطلب تجاوز الثنائيات البسيطة نحو رؤية أكثر تركيبًا وإنسانية.
أولًا: الضحية ليست دائمًا بريئة تمامًا للأبد
قد يبدو هذا العنوان صادمًا أو قاسيًا، لكنه يحمل حقيقة مهمة يجب مواجهتها بشجاعة. القول بأن الضحية ليست دائمًا بريئة تمامًا لا يعني تبرير الظلم الذي وقع عليها، ولا يعني أنها تستحق ما حدث لها. بل يعني الاعتراف بأن الضحايا، مثل كل البشر، كائنات معقدة لها تاريخها وخياراتها وأفعالها.
في سياقات الصراع الممتد، قد نجد أن من كان ضحية في مرحلة ما أصبح جانيًا في مرحلة أخرى. الطفل الذي شهد مقتل أهله قد يكبر ليصبح مقاتلًا يرتكب فظائع مماثلة.
المجتمع الذي تعرض للتهميش والظلم قد يمارس، حين تتاح له الفرصة، ظلمًا مماثلًا على آخرين.
هذه الدورات المتكررة من العنف هي التي تجعل الصراعات تستمر لأجيال.
الاعتراف بهذا التعقيد لا يهدف إلى إدانة الضحايا أو تخفيف مسؤولية الجناة، بل يهدف إلى كسر دورة العنف. فإذا فهمنا أن الضحية يمكن أن تتحول إلى جانٍ، فإننا نفهم أهمية التدخل المبكر لمنع هذا التحول. وإذا فهمنا أن المظلومية يمكن أن تتحول إلى ظلم، فإننا نفهم أهمية معالجة المظالم قبل أن تتحول إلى وقود للعنف.
ثانيًا: الجاني ليس دائمًا شريرًا بطبيعته منذ مولده
بالمثل، فإن النظر إلى الجناة ككائنات شريرة بطبيعتها هو تبسيط مخل.
الدراسات النفسية والاجتماعية تثبت أن معظم من يرتكبون فظائع ليسوا “وحوشًا” أو “مرضى نفسيين”، بل هم في الغالب أشخاص عاديون وُضعوا في ظروف غير عادية.
هذه الحقيقة المزعجة هي ما أثبتته تجارب مثل تجربة ميلغرام الشهيرة، وما أكدته دراسات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
الجاني غالبًا ما يكون نتاج سياق معين: تنشئة اجتماعية تزرع الكراهية، وأيديولوجيا تجرد الآخر من إنسانيته، وبنية سلطوية تكافئ العنف وتعاقب الرفض، وضغط الجماعة الذي يجعل الفرد يفعل ما لم يكن ليفعله بمفرده.
هذا لا يعني أن الجاني غير مسؤول عن أفعاله، فالمسؤولية الفردية تظل قائمة، لكنه يعني أن فهم الجريمة يتطلب فهم السياق الذي أنتجها.
هذا الفهم مهم لسببين: –
أولًا، لأنه يساعدنا على تصميم تدخلات فعالة لمنع العنف في المستقبل.
إذا فهمنا الظروف التي تحول الإنسان العادي إلى جانٍ، يمكننا العمل على تغيير هذه الظروف.
ثانيًا، لأنه يفتح الباب أمام إمكانية التحول والتوبة.
إذا كان الجاني إنسانًا ضل الطريق، فإن العودة إلى الطريق ممكنة.
ثالثًا: المسؤولية الجماعية: ما وراء الفرد
العنف الجماعي لا يُرتكب بواسطة أفراد معزولين، بل يُرتكب في سياق بنى اجتماعية وسياسية تمكّنه وتبرره.
هذا يطرح سؤال المسؤولية الجماعية: إلى أي حد يتحمل المجتمع ككل مسؤولية ما يرتكبه بعض أفراده؟
وما هي حدود المسؤولية الفردية في سياق الضغط الجماعي؟
المسؤولية الجماعية لا تعني إلغاء المسؤولية الفردية، بل تعني الاعتراف بأن هناك طبقات متعددة من المسؤولية.
هناك من أعطى الأوامر، وهناك من نفذها، وهناك من صمت عنها، وهناك من استفاد منها.
كل هؤلاء يتحملون درجات مختلفة من المسؤولية، وإن كانت مسؤولية من أعطى الأوامر أكبر من مسؤولية من صمت.
الاعتراف بالمسؤولية الجماعية مهم لأنه يمنع إلقاء اللوم على كبش فداء والتنصل من المسؤولية الأوسع.
فمحاكمة بعض القادة، رغم أهميتها، لا تكفي إذا لم يُصاحبها اعتراف مجتمعي أوسع بالتواطؤ والصمت.
المجتمع الذي يكتفي بإدانة بعض الأفراد دون مراجعة ذاته، يظل معرضًا لتكرار نفس الأخطاء.
رابعًا: السياقات النفسية للعنف
لفهم العلاقة المعقدة بين الضحايا والجناة، لا بد من فهم السياقات النفسية التي تمهد للعنف وتبرره. هذه السياقات تشمل آليات نفسية متعددة تحول الإنسان العادي إلى مرتكب للفظائع.
أولى هذه الآليات هي تجريد الآخر من إنسانيته. حين يُصوَّر الآخر على أنه “حشرة” أو “حيوان” أو “خطر وجودي”، يصبح قتله أسهل نفسيًا. هذا التجريد يتم عبر الخطاب السياسي والإعلامي والديني، ويُبنى عبر سنوات من التحريض والكراهية.
الآلية الثانية هي الطاعة للسلطة. البشر بطبيعتهم يميلون إلى طاعة من يرونهم سلطة شرعية، حتى لو أمرتهم بأفعال تتناقض مع ضميرهم. هذا ما أثبتته تجربة ميلغرام، وما تؤكده تجارب الإبادة الجماعية حيث يقول المنفذون: “كنت أنفذ الأوامر فقط”.
الآلية الثالثة هي ضغط الجماعة. الفرد داخل الجماعة يتصرف بشكل مختلف عما يتصرف به بمفرده. الجماعة توفر غطاءً نفسيًا يخفف الشعور بالمسؤولية الفردية، وتخلق ديناميكية تنافسية قد تدفع نحو التطرف.
الآلية الرابعة هي التبرير الأيديولوجي. الأيديولوجيا، سواء كانت دينية أو قومية أو سياسية، توفر إطارًا يبرر العنف ويجعله يبدو ضروريًا أو حتى نبيلًا. “نحن نقاتل من أجل قضية عادلة” هي الجملة التي يرددها كل طرف في كل صراع.
خامسًا: دورات العنف: كيف يتحول الضحية إلى جانٍ؟
من أخطر ديناميكيات الصراع هي دورة العنف التي تتحول فيها الضحية إلى جانٍ. هذه الدورة تفسر لماذا تستمر الصراعات لأجيال، ولماذا يصعب كسرها.
الضحية التي لم تجد عدالة ولم تُشفَ جراحها، تحمل في داخلها غضبًا ورغبة في الانتقام.
هذا الغضب، إذا لم يُعالج، قد يتحول إلى عنف حين تتاح الفرصة.
الطفل الذي شهد مقتل أبيه يكبر وهو يحلم بالثأر.
المجتمع الذي تعرض للإبادة يطور خطابًا يبرر العنف ضد الآخر. وهكذا تدور العجلة.
كسر هذه الدورة يتطلب تدخلًا على مستويات متعددة:-
عدالة تمنح الضحية إحساسًا بالإنصاف،
وشفاء نفسي يساعدها على تجاوز الصدمة،
وتحول في الخطاب يكسر منطق الثأر،
وبناء مؤسسات تحمي الجميع وتمنع تكرار الظلم.
كل هذه العناصر مترابطة، وغياب أي منها يضعف الباقي.
سادسًا: نحو فهم إنساني للمسؤولية
الفهم الإنساني للمسؤولية يتجاوز الثنائيات البسيطة نحو رؤية أكثر تركيبًا. هذا الفهم يقوم على عدة مبادئ:
أولًا: المسؤولية الفردية قائمة ولا يمكن إلغاؤها. كل إنسان مسؤول عن أفعاله، مهما كانت الظروف. لكن فهم الظروف يساعد على فهم الفعل دون تبريره.
ثانيًا: المسؤولية متدرجة وليست متساوية. من أعطى الأوامر يتحمل مسؤولية أكبر ممن نفذها، ومن نفذها يتحمل مسؤولية أكبر ممن صمت عنها.
ثالثًا: المسؤولية الجماعية حقيقية ولا يمكن تجاهلها. المجتمعات التي سمحت بالعنف أو تواطأت معه تتحمل مسؤولية جماعية تتطلب اعترافًا ومراجعة.
رابعًا: الإنسان قادر على التحول والتوبة. الجاني ليس محكومًا بماضيه إلى الأبد، والاعتراف بالخطأ والسعي للتكفير عنه ممكنان.
خامسًا: الضحية تستحق الاعتراف والإنصاف، لكنها أيضًا مدعوة للتحرر من قيد الضحية والانتقال نحو الشفاء والمستقبل.
سابعًا: الطريق نحو التعايش
التعايش الحقيقي بين من كانوا ضحايا ومن كانوا جناة ليس سهلًا، لكنه ممكن وضروري. هذا التعايش لا يعني نسيان الماضي أو التظاهر بأن شيئًا لم يحدث، بل يعني بناء علاقة جديدة على أسس مختلفة.
الخطوة الأولى هي الاعتراف. الجاني يعترف بما فعل، والمجتمع يعترف بما سمح به أو تواطأ معه. هذا الاعتراف مؤلم لكنه ضروري، لأنه يكسر جدار الإنكار ويفتح الباب للحوار.
الخطوة الثانية هي الاستماع. كل طرف يستمع لرواية الآخر، لا ليوافق عليها بالضرورة، بل ليفهمها. هذا الاستماع يكسر الصور النمطية ويكشف الإنسانية المشتركة.
الخطوة الثالثة هي العدالة. لا تعايش حقيقي بدون عدالة، لأن العدالة هي التي تعيد التوازن وتمنح الضحية إحساسًا بالإنصاف.
الخطوة الرابعة هي بناء المستقبل المشترك. التعايش ليس مجرد غياب العنف، بل هو بناء علاقات جديدة ومشاريع مشتركة ومستقبل يتشاركه الجميع.
ختامًا: إنسانيتنا المشتركة
في نهاية المطاف، ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا. الضحايا والجناة، رغم كل ما يفصل بينهم، يتشاركون إنسانية واحدة.
هذه الإنسانية المشتركة هي الأساس الذي يمكن البناء عليه.
الاعتراف بتعقيد العلاقة بين الضحايا والجناة ليس تمييعًا للمسؤولية، بل هو شرط للفهم الحقيقي والمصالحة الحقيقية.
فالمصالحة المبنية على ثنائيات بسيطة هي مصالحة هشة، أما المصالحة المبنية على فهم عميق للإنسان وتعقيداته فهي مصالحة قادرة على الصمود.
السودان، بكل تعقيداته وجراحه، يحتاج إلى هذا الفهم العميق. يحتاج إلى تجاوز خطاب “نحن الضحايا وهم الجناة” نحو خطاب أكثر نضجًا يعترف بالتعقيد ويسعى للعدالة والشفاء معًا.
هذا ليس طريقًا سهلًا، لكنه الطريق الوحيد نحو سلام حقيقي ومستدام.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم