جمال محمد ابراهيم
(1)
كثيراً ما يرى الكتَّابُ البعيدون عن أدبيات الشأن السُّـوداني، أنَّ السُّـودان الذي درجوا على تتبع أخباره، وملاحقـة كوارثه ومآسـيه في أجهزة الإعلام، أنّهُ محضَ هامِشٍ على متـنِ كتابٍ لأيّ دولة مِن الدول التي تجاوره. والمتن في اللغة هو أصل ظهر الشيء ، وهو تعبير يشـير لنص كتاب أو مخطوطته، والهامش لا يحتاج لشرح. لكنِّي أرى ظلماً بائناً أن يظلّ أكثر من عنيت من الإعلاميين والكتاب ، يسير وراء نظر بعض مستشرقي الغرب، فيقصر قناعة لا عمق لها في رؤيته العجلى للعلاقة القائمة بين السُّـودان ومصر، يرونها علاقة تابع ومتبوع، أو علاقة هامش ملحق مع متن أصيل، أو ربما في أحسن الأحوال ، حديقــة خلفية لمالـك دار.
تحمل النظرة العجلى لبلاد السُّــودان استسهالاً غير محمود ، إن لم تتسم بتدارسٍ أعمق لجغـرافيته ولتاريخه القريب والبعيد.
تمتدّ رقعة السُّــودان من شمالي منابع نهر “النيل الأبيـض” وأحباسه العليا، في أواسط القارة الأفريقية عند بحيرة “فيكتوريا، ليلتقي بنهر “النيل الأزرق” من منابعه الاثيوبية، عند بحيرة “تانــا”. يلتقي النهران العظيمان عند الخرطوم، فيصيرا نهـراً واحداً، يحمل اسم “النـيل”، ليشقَّ واديه السوداني شمالاً، إلى أحباسه الدُّنيـا في مصر، وَمِن ثمَّ إلى مصبّه في البحـر المتوسط.
هكذا تتشكَّل الصُّورة الجغرافية لوادٍ يشـقَّه نهـرُ أعاليه هو السُّـودان، وسكانه أخلاط من عناصر أفريقية وفرعونية (نوبيــة) وعربية، وشماله هو مصر المُطلَّة على المتوســط ، وسكانها- اختصارا- ينحدرون من حضارات فرعونية ومتوسطية وعربيـة.
(2)
لن نخوض في تفاصيل التداخل بين سكان وادي النيل، جنوبه السوداني وشماله المصري ، ولكن لابُدَّ من الإشارة إلى شـراكةٍ قامت لحضارةٍ فرعونيةٍ قديمـة، في وادي النيل، إذ أنها كانت تتمدّد بطول ذلك الوادي، وقلبها كان في منطقة النوبة التي تتقاسم وجودا جوهرياً بين شمالي السودان وجنوبي مصـر. قدِم الرَّحالة والمكتشفون لاكتشاف منابع النيل وفروعه، ومرَّوا من الشمال إلى الوادي جنوباً بعكس التيار في رقعة جغرافية مأهولة بشتى القبائل والطوائف والمجموعات السكانية المتباينة.
تشكَّلتْ في بدايات القرن السادس عشر وتحديداً في عام 1505 الميلادي، دولة اسـمها دولة “الفـونج” وحملت اسم “السَّـلطنة الزّرقـاء” من طائفتين كبيرتين. تلك دولة قامت في وادي النيل على بقايا دويلات مسيحية سابقة، ضعفت وانهارت. ننوه هنا إلى أنَّ “ألأزرق” عند السودانيين القدماء وإلى اليوم هو ما يطلق على اللون الأســود.
تلك الدويلة التي قامت في جنوبي وادي النيل هي بداية تشكّل جغرافيا السُّـودان الأقرب لوضعه في الخرائط الحالية، وكانت عاصمتها هي مدينة “سـِـنَّار” التي تقع على النيل الأزرق، وهو موقع وسطٌ تساكنتَّْ في أنحائه، قبائل عديدة في وادي النيل. تلك كانت مملكة سكانها مسلمون ، وثمّة سكان آخرون بالطبع بينهم .
لعلّ اللافت للنظر، أنَّ هنالك تزامنٌ وقع بين دولة إسلامية ضاعتْ في الأندلس في نهايات القرن الخامس عشر، وبروز دولة إسلامية هي “دولة الفونج”، تتأسَّس في وادي النيل، في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، ودامت لأكثر من ثلاثمائة ســنة. حين نشبت خلافات وصراعات بين مختلف عناصر تلك الدولة ، ضعفت وتشظتْ تلك السلطنة ، فجاء طامعون من البلدان المجاورة ، كانت مصر العثمانيـة من أولهم.
(3)
بادرتْ مصر لغزو السُّـودان الذي تفككتْ أوصاله ، عام 1820م ، فكانت تلك بداية حكم محمد علي باشا خديوي مصر لبلاد السودان، وكان حكماً بالوكالة عن الخلافة العثمانية. استمر حكم السودان باسم خديوي مصر نيابة عن الآستانة لنحو ستين عاما. بلغة أوضح ، فقد كان حاكم مصر باسم الخلافة العثمانية في تركيا، هو من يسيطر ويحكم السودان. يسمّي السُّــودانيون تلك الحقبة الاستعمارية لبلادهم بـحقبة “التركية السّّـابقة”، وهو وصف منطقي لتلك الحالة، ولم يوصف بأنه الحقبة “المصرية السابقة”.
ذلك الحكم التركي استمر إلى انتفاضة السودانيين واتحادهم للتخلص منه، تحت رايات الامام المهدية ، ليكون للسودانيين دولتهم المستقلة تماما عن التركية/المصرية السابقة. خديوي مصر هو الذي استعان بالبريطانيين الذين كانوا يسيطرون على القرار المصري عبر مفوضياتهم في مصر، لاستعادة السيطرة على بلاد السُّودان من جديد. من 1899م وإلى عام 1956م، حكم البريطانيون السُّـودان عبر اتفاقية “حكم ثنائي” غير مسبوقة تاريخياً، وبمشاركة إسمية غير متكافئة لمصر الخـديوية.
ولأنّ قواتٍ سودانية وتحت إمرة المملكة المتحدة، شاركتْ في القتال مع الحلفاء في معارك الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، خاصّة في ليبيا وفي اثيوبيا، فقد أوفى المُستعمِر البريطاني بتعهّداته ، ووافق على منح السُّــودان حقَّـه في الحكم الذاتي بموجب اتفاقية أبرمت عام 1952م، والتي نال بعدها السودان استقلاله، في يناير من عام 1956م.
(4)
في تقديري أنَّ لهذا السرد التفصيلي ، ضرورات حتى تستبين الخيوط البيضاء من الخيوط السُّـوداء، ثم الرَّمادية . إنّ “مصر الخديوية” والتي حكمت مصر باسم الخلافة العثمانية من تركيا، والتي انتهتْ بثورة يوليو 1952م ، لم تكن لها سيطرة فعلية على أوضاع السودان، بل كانت تلك مشاركة إسـمية ، قد لا تجيز لمصر الحالية أيَّ ادعاءات لسيطرة تاريخية سـابقة على السُّــودان. إنَّ الحقبة الممتدة من 1820م وإلى 1885م ، تولَّى فيها حكام مصر الخديوية نيابة عن تركيا، السيطرة على السُّـودان، وهي الحقبة التي انتهتْ بثورة السُّـودانيين تحت رايات الثورة المهدية عام 1885م، وحكموا بعدها أنفسهم بأنفسهم، حتى نهاية القرن التاسع عشر. بعد ذلك كانت السيطرة على السودان بيد بريطانيا وباستعانة شكلية من مصر، وذلك حتى نال السودان استقلاله عام 1956.
إنََّ من عاد بعد زيارة إلى لندن، ليقول للمصريين : “جئتكم بالسّيادة على السودان” ، لم يكن صـادقاً كُلّ الصِّـدق، إذ سرعان ما ثبتَ خطل تلك العبارة، ما وقع من أحداثٍ بعد ذلك. حدث أن اغتيل السّردار البريطاني، قائد الجيوش المصرية وحاكم السـودان العام: السير “فيتزجيرالد لي ســتاك” في القاهرة عام 1924م، ولم يعُد لمصر بعدها أيّ شكل للمشاركة فعلـيا في حكم السودان، وانفردتْ بريطانيا بالهيمنة على السُّـودان تمامـاً.
مَنْ كتب عبارة “فاروق ملك مصر والسُّودان”، في وثيقة تنـازل ذلك الملـك عن ملكه، ثُمَّ أبحرت به باخرته من الإسكندرية إلى سـواحل إيطاليا، كان يعلم أنها محض عـبارة مجاملة خلتْ من أيِّ معنىً قانوني، بلْ كُتبت لإرضـاء غرور ملـكٍ مطرود. في اتفاقية 12 فبراير 1952م، وقبل ثورة ضباط يوليو عام 1952م، والذين طردوا ذلك الملك، وَقَّع البريطاني – المُستعمِر الذي حكم السودان فعـليـاً، وبصمت مصر الشكلي- على وثيقة منح السُّــودان حـقَّـه في الحكم الذاتــي.
(5)
ولأنَّ الأخوَّة المصرية السُّـودانية، تتجـذّر في تاريخ وادي النيل وجغرافيته ، منذ القرون الفرعونية القـديمة ، فإنَّ لدبلوماسية السُّــودان المستقل، ما حفظه لها التاريخ، مِن التزام بأبعاد تلك الأخوّة. سترى في أزمـة “حلايب” الحدودية بين مصر والسُّـودان، تجسيداً يقـدِّر تلك الأخـوّة. فإنْ اختلفتْ الحكومتان حول “حـلايب”، وَوَصَلتْ شكوى السُّـودان إلى مضابط المنظمة الأمميـة، وظلَّ السودان يجدّدها كلّ دورة لجمعيتها العامة، لكنَّها بقيتْ “شـكوى نائمـة” لعقود طوال، حتى لا تُحرَج مصر. برغم مرارات ذلك الخلاف بين النظامين، لكن الشعب واحـد هنا أو هناك، ومغنينا ينشد: “نحن الكل ولاد النيل”..
أمَّا دبلوماســية السُّـودان المستقل منذ عام 1956م فتشهد لها الأمـم المتحدة في مضابط دورات جمعيتها العامة، ما قدمته أواخر خمسينات وأوائل ستينات القرن العشرين ، في تفعيل القرار 1415، بشـأن حـقِّ تقرير المصير للشعوب المُستعمَرة، وعن دورها في الدَِّفاع عن حركة تحرير الجزائر، ودعمها دبلوماسياً وعسكرياً، وفي الوقوف مع الشعب الكونغولي والمطالبة بالتحقيق في جريمة اغتيال “باتريس لوممبا”، الزعيم الرَّمز للكنغو المستقلة ولأفريقيا الحرّة.
(6)
ولأنَّ السُّــودان من أوائل الدول التي استقلتْ جنوب الصحراء ، فقد عملتْ على تقـديم الدَّعم السياسي واللوجيستي لحركات التحرّر الأفريقية، طيلة سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وقد كان من مؤسّسي المنظمة الأفريقية عام 1963م.. ليسَ ذلك وحده، بل أحدّثك أنّ مندوب السودان السفير الأبرز والمميّز عمر عديل، وفي سن الثامنة والثلاثين، كان واحـداً من بين ثلاثة، أجمعتْ دوائر الأمـم المتحدة للنظر في ترشـيح واحدٍ منهم ليشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفا لـِ”همرشـولد” عشية اغتياله، بتآمـرٍ شيطاني من قوى عظمى، لكن لأنّ أولوية الترتب كانت لقارة آســـيا، فـقد فـاز “أو ثانت” بمنصب الأميـن العــام. .
ليسَ مِـن باب المَـنٍّ أو الا أذىً، حين نشير لقيادة وزير خارجية السودان المحجوب للدبلوماسية العربية في الأمم المتحدة، فكان هو الصوت الأقوى، متحـدِّثاً باسم الوفود العربية عقب هزيمة يونيو 1967، وتزامن ذلك العام- كما هو معلوم- باستضافة الخرطوم لقـمَّة اللاءات الشهيرة .
ثمة الكثير ممّا يمكن أن يُحكى عن رصانة الدبلوماسـية السُّـودانية التي لم تكن يوماً في الذيل في إقليمها، أو بين رصفائها في القارة الأفريقية، أو في الشرق الأوسط، أو كانت في هوامش متـون أية دولة من الدُّول، قريبة كانت أو بعيدة.
أليسَ من الظلم أن نسمع من زعيمٍ “شـعبوي” ليس متمرّساً في السياسة أو الدبلوماسية ، بقدر تمرّسـه في عالم التجارة والصفقات المالية والغراميات النسائية، عبارة يشير فيها إلى السُّــودان، كونه “ذلك البلـد لم يسمع به كثيراً واسـمه السودان”، إلا سـاعة حدّثه عنهُ ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان..؟
(7)
إنَّ الثقافة العامَّة عن السُّـودان ، ومنذ عقود استقلاله الأولى، تُحدّث كلِّ متابع وكلّ مُطلعٍ، عن إيجابيات أدوارها المشهودةٍ في تاريخ القارة الأفريقية، وفي قضايا الأمة العربية، بحكم انتمائه المزدوج لتلكما الدائرتين .
عاد الامبراطور الاثيوبي لبلاده معزَّزاً مكرَّما، بعد أن أقام في الخرطوم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومكثَ لأشهر طوال نزيلا عند السيّد الشريف الهندي شيخ طائفة جليل ومضياف، في ضاحية بري في قلب الخرطوم . لوممبا الذي تآمرت دول غربية استعمارية لاغتياله، لاذ أنصـاره ووزراءٌ وقياداتٌ في حكومته بالسُّـودان، حينَ تنمَّـر المُستعمر السَّابق عليه وقتله، ونصَّب الانفصالي “تشـومبي” مكانه.
زعاماتٌ وقياداتٌ في دولة تشـاد، لاذ أكثرها بالسودان سنين عددا، ثم عادوا من الخرطوم ليحكموا بلادهم. عن يوغندا ، فإنَّ الطاغية “عيدي أمين” حكمها لعقد كامل من 1971 -1980)، وهو من أصول سودانية قريبـة . أزاح قائد الجيش اليوغندي “عيدي أمين” الرئيس “ميلتون أوبوتي” من سدة الحكم في كمبالا بعد انقلاب عسكري، فجاء الرئيس الشرعي إلى الخرطوم لاجئاً لفترة وجيزة ، أوائل سـبعينات القرن الماضي.
زعيم إثيوبيا الرَّاحل “ميليس زيناوي” غادر الخرطوم منصوراً ومدعوماً منها ليتولَّى قيادة النظام الجديد في “أديـس أببا”، بعد فرار الطاغية “منقستو هايلي ماريام” منها. عن اريتريا، أعلن الزعيم الاريتري “أسياس أفيورقي” استقلال بلاده من العاصمة السودانية الخرطوم. بعد إقامته الطويلة لسنوات في ضاحية الجريف بالخرطوم التي آوته ، غادرهاً رئيساً إلى بلاده اريتريا، في سبتمبر/أيلول 1991م.
ترى هل تدور بخلد أحد – إلّا ربَّما دارت في مخيلة بعض الزّعماء “الشعبويين” من نوع ترامب- أن يكون السُّــودان ذلك المجهــول، والمنكور غير المذكور، فيراهُ البعض هامـشـاً أوfoot note) ) في متـن أيِّ دولـة أخرى. .؟
(8)
تلك الحرب الدائرة الآن – دوران ثور هائجٍ في متحـفٍ للخزف- هي التي أهلكتْ شعب السُّـودان ودمَّرت دولته تدميرا، وقد كان يوماً ذلك المارد المُهـاب في أوسـاط قارته الافريقية وفي محيطه العـروبي. لكَ أن تنظر حولك لترى أنَّ الدّمار والهلاك الذي يقع في السُّـودان، هو بأيدي السُّـودانيين أنفسهم، وأيدي طامعين لا يعرفون تاريخه. إنه خراب وتخريبٌ، لا كابح له ولا حدود لمــداه. لعلَّ الصَّادق في رؤيته، قد يرثى لحال بلدٍ كان المستعمرون يعـدّونه صورة “المايكروسكوبية” صغرى لأفريقيا، ورأس حربة تنمية كامل قـارة أفريقيا الكبرى، وســلة غـذاء الشرق الأوسـط، فإذا هو في معمعـة كوارثه ، يتخبّـط في أوضاعه الإنسانية المزرية ، ولا عزاء في فنائه .
أمّا الحادبون، ومَن حرَّكتهم عواطف لُحمـة قـريبـة أو بعيدة، فليتهم يكفّون عن استصغار هِـمم السودانيين ، فلـيسَ السُّـودان ذلك القـزم الكسول ، وليس هو ذلك البلد الذّيل الذي يُقـاد، ولا هو تلك الحديقة الخلـفـية لأي بلـد آخر.
ليس السُّـودان، إلا ذلك المارد الذي يعرفه التاريخ فاعـلاً لا مفعولاً به.
القاهرة – 12/1/2026
jamalim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم