ترامب وأوروبا والهند والصين ومجتمع ما بعد الثورة الصناعية في ظل نهاية العولمة

طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com

محنة أوروبا و سياسيها مع ترامب اليوم لها مشابه في ذاكرة الشعوب الاوروبية. و سياسات ترامب فيما يتعلق بالحماية الإقتصادية و تضحيته بأوروبا و الإقتصاد الأوروبي بعد أن قبلت أوروبا بأن يكون الإقتصاد الأوروبي تابع للإقتصاد الأمريكي منذ أن قبلت أمريكا بأن تدخل الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء بشرط تبعية الإقتصاد الأوربي للإقتصاد الأمريكي منذ عام 1941 قد وصلت لنهايتها الحزينة.

مع تضحية ترامب بأوروبا و تطبيقه للحماية الإقتصادية و هدفه العودة لإحياء الصناعات الوطنية في أمريكا بعد أن أنهكتها ديناميكية النيوليبرالية منذ نهاية السبعينيات و بداية الثمانينيات مع بداية عهد ريغان ستعيد أوروبا من ذاكرتها علاقتها مع أمريكا في القرن الأخير فيما يتعلق بالفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية و كيفية علاقتها مع أمريكا.

ذاكرة الدولة الأوروبية سوف تعيد ما حدث لأوروبا أي أحداث القرن الأخير أي منذ عام 1929 و هو بداية الكساد الإقتصادي العظيم و فيه استيقظت أوروبا على أن فكرة اليد الخفية لأدم اسمث لم تعد تعمل كما ينبغي و أن فكرة قانون ساي أي فكرة العرض يخلق الطلب كذلك لم تعد تعمل كما ينبغي. ظهرت أفكار كينز و هي فكرة كيفية خلق الطلب و لا يكون بغير فكرة التدخل الحكومي عبر الإنفاق الحكومي من أجل خلق وظائف جديدة.

سياسات ترامب و فكرة الحماية الإقتصادية سوف تجبر أوروبا للخروج من حالة التقشف المفروض على الإقتصاد الاوروبي و ستطر أوروبا لاعادة إحياء صناعتها الوطنية من جديد و لكن مفارقة أوروبا لسياسات التقشف و إعادة صناعتها الوطنية سيواجه بتحديات جديدة لم تكن موجودة أيام الكساد الإقتصادي العظيم. و أقصد اليوم و هي تتجسد الآن في بلوغ كل من الهند و الصين مستوى إنتاج الدول الصناعية الغربية.

و بالتالي هذا ما أدى الى الإضطراب الحاصل الآن في كل من أمريكا و أوروبا و سوف يستمر ربما لثلاثة عقود قادمة ستنكفي فيها أمريكا على نفسها و الدليل أنها الآن ضحت بالإقتصاد الأوروبي و بالتالي ستطر أوروبا بأن تنكفي أيضا على نفسها لكي تعيد صناعتها الوطنية لفاعليتها من جديد. و هذا سيعيد أوروبا لمواجهة نفسها من جديد و خاصة أن ديناميكية النيوليبرالية لم تعد تعمل بل قد وصلت لأزمتها الإقتصادية منذ عام 2008.

و بالتالي ستعيد سياسات ترامب للحماية الإقتصادية ستعيد أوروبا لمواجهة نفسها فيما يتعلق بفكرة التدخل الحكومي من جديد و قد فارقته أوروبا منذ نهاية الكينزية و بداية النيوليبرالية و حتى النيوليبرالية لم تعد فاعلة إلا عندما عانت أوروبا من أزمة الطاقة عام 1973 و بالتالي قد عطلت آخر قوة دفع كانت يمكن أن تحققها ديناميكية الكينزية.

و بالتالي من حينها تقلصت فكرة التدخل الحكومي و بداءت فكرة النيوليبرالية و بداية نهاية الصناعات الوطنية في الدول الاوروبية و عليه أن سياسات ترامب الحمائية تكاد تكون قد أنهت العولمة نتاج ديناميكية النيوليبرالية و عليه ستحل بدلا عنها فكرة الحماية الإقتصادية كمعاكس تمام لفكرة العولمة و هذا يذكرك بنهاية فكرة اليد الخفية لأدم إسمث و بداية التدخل الحكومي لكينز و كما إستمرت الكينزية فاعلة كديناميكية ستستمر الحماية الإقتصادية أيضا لثلاثة عقود قادمة بسياسات ترامب و من يعقبه.

لذلك يمكننا القول أن إختيار ترامب للحماية الإقتصادية هو إختيار موفقا و لا يخرج من حقول أدب الفكر الليبرالي و لا طريق آخر لعودة التدخل الحكومي غير تطبيق فكرة الحماية الإقتصادية التي يقوم بها ترامب الآن و عليه سوف تكون هناك إضطرابات شديدة في العالم و متسلسلة.

لأن حقبة الحماية الإقتصادية لا تذكر إلا بظهور فكرة التدخل الحكومي من قبل قرن من الزمن و حينها أتهم كينز بأنه بنظريته و فكرة التدخل الحكومي ما هو إلا شيوعي مندس يريد تحطيم أدب الفكر الليبرالي من الداخل و يريد أن ينفي فكرة اليد الخفية لادم اسمث كما يرى كثر الآن في أن الحماية الإقتصادية ليست من صميم الأدب الليبرالي و هذا خطاء كبير لأن الحماية الإقتصادية من صميم الفكر الليبرالي لذلك فإن ترامب لم ياتي بجديد بل أعاد تطبيق فكرة من صميم الفكر الليبرالي.

و كذلك الحال مع ترامب الآن و فكرة الحماية فكثير من النقاد يجهلون أن فكرة الحماية الإقتصادية من صميم أدب الفكر الليبرالي بل أن أول من نادى بها فردريك لييست في مناهضته لفكرة اليد الخفية لأدم إسمث فهي فكرة أي الحماية الإقتصادية من صميم الفكر الليبرالي.

في بداية المقال قلنا أن ذاكرة أوروبا سوف تعيد علاقة أمريكا مع أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. و كما سارت أوروبا على مدى ديناميكية الكنزية و النيوليبرالية سوف تخرج من فكرة التقشف الإقتصادي و سوف تعود لفكرة إعادة صناعاتها الوطنية كما تحاول أمريكا الآن مع حمائية ترامب.

و بالمناسبة كثير من مراكز البحوث في أوروبا قد تحدثت عن نهاية العولمة منذ أزمة النيوليبرالية عام 2008 و بعدها ستكون هناك النهاية لديناميكية النيوليبرالية و نهاية لحركة رؤوس الاموال و السلع و سيكون هناك فقط إستمرار لتصدير الخبرة الصناعية مع إستمرارية إنتشار تقنية الإتصالات.

و الملاحظ أن أوروبا أدركت الآن أن الإضطرابات الإقتصادية الآن سببها بلوغ كل من الصين و الهند لمستوى إنتاج الدول الصناعية الأوروبية فسوف تنفتح الدول الأوروبية على كل من الهند و الصين و الإستفادة من تصدير خبرتها الصناعية لكل من الهند و الصين ريثما تعود الدول الأوروبية لتطبيق الحماية الإقتصادية و إعادة إنتاجها الصناعي من جديد.

و الآن رئيس الوزراء البريطاني في زيارة الى الصين لذلك ستكون نهاية العولمة بنهاية حركة رؤوس الاموال بين الدول و نهاية حركة السلع مع الإبقاء على تصدير الخبرة الصناعية التي تمتاز بها أوروبا و مع الإبقاء على تزايد تقنية الإتصلات كرابط لعالم مجتمعاته كلها أصبحت تحت ظلال مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.

المؤسف أن ما أنجزه علماء الإجتماع و الفلاسفة و السياسيين و الإقتصاديين خلال القرن الأخير حول العالم من حولنا لم يجد مكانه في مكتبتنا السودانية فهو قرن مرتكز على الشك أما نخبنا السودانية فلا تطمئن إلا لليقين و الحتميات و الوثوقيات لذلك غاب عن أفقها أن الإنسانية تاريخية و الإنسان تاريخي و غاب عن إدراكها تمرحل التحولات الهائلة في المفاهيم.

لذلك ما زالت طواحين الهواء و معاركها المثارة من أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية قائمة ضد أي فكر يفتح على مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و ما زال ماركس كأفشل إقتصادي مركز وجود الشيوعي السوداني الذي قد أعماه بريق الأيديولوجية المتحجرة كما يقول ريجيس دوبريه. و ما زال أتباع الحزب الشيوعي السوداني التقليدي بنسخته المتحجرة يقاومون بموقف سلبي أي شعاع نور يفتح علي وعي جديد يقول لنا أن ماركسية ماركس لا تخدع إلا المثقف المنخدع.

حديثنا عن القرن الأخير و فلسفة تاريخه الحديثة غيابها عن أفق السودان سببه ظهور نخب سودانية تحتفل اليوم بذكرى حزب شيوعي سوداني مرت على قيامه ثمانية عقود و بسبب التربية الحزبية ما زالت أغلب نخبه تتصف بصفات اللاهوت الجدلي الذي لا ينتج غير شخصية لا تتصف إلا بالمغالطة و المكابرة و اللف و الدوران و الإصرار على الوقوف خارخ التاريخ كما يفعل تاج السر عثمان بابو في كتاباته الأخيرة مع إحترامنا لشخصه إلا أنه قد جعل من الماركسية لا تختلف كثيرا عن إنجيل مرقس و ماركس في الأصل الروماني إلا مقابل لمرقس.

لذلك قلنا قد غاب عن أفق الشيوعي السوداني التقليدي و الكوز مفهوم الإنسانية التاريخية و الإنسان التاريخي ففي خلال القرن الأخير ظهرت فلسفة سياسية و فلسفة إقتصادية تقوم على الشك و ليس علي يقين الكوز و الشيوعي السوداني التقليدي و عالم الشك اليوم لا يلبي طلبات الفكر الرغبوي لكل من الكوز و الشيوعي التقليدي السوداني.

لأن السودان اليوم جزء من مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و ليس مجال لأوهام سياجات الكوز الدوغمائية و لا لأوهام الغائية الشيوعية و لاهوتها المتوهم في عقل يسوق التاريخ لغاية كما يتوهم الشيوعي السوداني في نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي كما نجده في أوهام تاج السر عثمان بابو في نسخته السودانية من الشيوعية.

و سبب توهم تاج السر لأنه يجهل كيف تمر العلوم الإنسانية بأزماتها و كيف تخرج منها بسبب جهود الفلاسفة و علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين و تاج السر عثمان بابو لا يتكئ على معرفة من معارف الإقتصاديين و علماء الإجتماع و الفلاسفة غير إتخاذه للماركسية كمدخل للإجتماع و السياسة و الإقتصاد و أن الحزب الشيوعي السوداني له تاريخ لا يستهان به و هذا لا يكفي.

مثل كتابات تاج السر عثمان بابو هي المسؤولة من تغبيش وعي كثير من النخب السودانية فيما يتعلق بمفهومي الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية. وسببها أن تاج السر عثمان بابو في أحسن أحواله الفكرية لا يمثل إلا بقايا أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة و قد تلاشت من أفق المجتمعات الحية منذ تراجع فلاسفة ما بعد الحداثة عن هجومهم على عقل الأنوار و أفكار الحداثة.

و ليس تاج السر بابو لوحده من ظل متعلق بأفكار فلاسفة ما بعد الحداثة هناك كثر من النخب السودانية يكتبون عن أفكار ميشيل فوكو و جاك دريدا و جاك لا كان و قد تخطتها مراكز البحوث في المجتمعات الحية منذ منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم.

في ختام هذا المقال ما دام حديثنا عن مفهوم التدخل الحكومي منذ ما يقارب القرن في أفكار كينز و فيه يتضح دور الدولة و مفهومها فيما يتعلق بتجسيد فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد و نجدها في فكرة المقطع الرأسي في المعادلات السلوكية لفكرة الإستهلاك المستقل عن الدخل كتجسيد لفكرة الضمان الإجتماعي و حفظه لكرامة الإنسان كغاية و ليس كوسيلة كما تتوهم الماركسية.

و بالمناسبة هنا نطلب من القارئ المقدر الإنتباه لأن مسيرة العالم العربي و الإسلامي التقليدي و السودان من تخومه هي مسيرة معاكسة للتحولات الهائلة في المفاهيم. مثلا في المجتمعات الحية و بسبب الكساد الإقتصادي العظيم عام 1929 بداءت أفكار كينز في تقديم تفسير للكساد الإقتصادي العظيم.

و وصل كينز لفكرة كيفية خلق الطلب أما في العالم العربي و الإسلامي 1929 فقد بداءت فكرة تأسيس جماعة الأخوان المسلميين و بداءت في السير في الإتجاه المعاكس للعالم و بسببها و ضبابها الكثيف لم يلاحظ أغلب النخب نجاح الكنزية و ما أفرزته من إزدهار مادي و تقدم إجتماعي و إنعتاق من بقايا و مخلفات العالم القديم و من ضمنه كيف ظهرت أدبيات تبتعد عن أدب الشموليات مثل النازية و الفاشية و الشيوعية ما زال بريقها يعمي المثقف المنخدع بماركسية ماركس و كذلك أدب شموليات الحركات الإسلامية و قد تجلى قبحهم في السودان خلال الثلاثة عقود التي حكموا فيها.

بعد نهاية الكينزية و ظهور النيوليبرالية عام 1979 في عهد كل من تاتشر و ريغان سار العالم العربي و الإسلامي التقليدي أيضا في الإتجاه المعاكس و ظهرت الخمينية عام 1979 كمسار معاكس لسير العالم لتعيد سير العالم العربي و الإسلامي التقليدي المعاكس لسير العالم.

و المضحك أن ميشيل فوكو زار ايران و رأى فيها أنها ثورة تمثل أمل للشعوب و بعدها ندم الندم الذي لم يقدر عليه أحد و هذا دليل أن ميشيل فوكو من بين فلاسفة ما بعد الحداثة و قد تراجع عن أفكاره و تراجعه ليس بمزاجه بل بفضل فلاسفة جدد في فرنسا إنتقدوا فلاسفة ما بعد الحداثة إلا أن أفكارهم أي الفلاسفة الجدد لا توجد في مكتبتنا السودانية و قد كتبت عنهم في مقالات سابقة و منهم لوك فيري و غيره كثر لمن يريد المزيد.

المهم في الأمر ها هي إيران بعد حرب إسرائيل الأخيرة و قد قطعت أزرع إيران أي قد دمرت كل من حماس و حزب الله اللبناني ها هي إيران ترجع الى الداخل الإيراني بعد سقوط الأسد في سوريا ترجع إيران الى الداخل الإيراني مهزومة و محاصرة و فاشلة إقتصاديا و ربما يسقط نظامها بثورة الشعب الإيراني بسبب الأزمة الإقتصادية قبل الضربة الأمريكية التي تحضر لها أمريكا أساطيلها الحربية.

أما الشرق الاوسط الجديد سيكون اللاعب الرئيس فيه إسرائيل و السعودية و دول الخليج و بلا خطاب للإسلاميين بعد ما إنطوت حقبتهم و هي قرن كامل على تأسيس جماعة الأخوان المسلمين عام 1929.

و هنا وجب التذكير بأن ولي العهد السعودي بمشروعه 2030 و إبعاده للخطاب الديني و إبعاده لرجال الدين و قوله بأن بهم و معهم لا يمكن أن تكون هناك تنمية و لا حداثة قد كان إستشرافي بإمتياز. و على أقل تقدير أبحر بعيدا عن أوهام العالم العربي و الإسلامي التقليدي و ربما بمشروعه سيقود تحول سياسي متدرج على المدى الطويل في السعودية.

و لا شك بأنه قد أدرك أي ولي العهد السعودي بأن هناك تحول هائل في المفاهيم و على أقل تقدير لم يكن مصير السعودية كمصير إيران و قد أصبحت أمام الرياح هباء بسبب تعنت رجال الدين و خطابهم اللاهوتي الجدلي الذي لا ينتج غير شخصيات عدائية و حادة و عنيفة.

و المضحك ها هم في السودان أي الكيزان يقفون خلف حرب عبثية بين جيشهم الكيزاني و صنيعتهم الدعم السريع آملين بأن تعود عقارب الزمن للوراء و يعودوا متسلطين على الشعب السوداني و ممارسين لشهوة السلطة و سطوة الإستبداد و هيهات.

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

ترامب و فنزويلا ومرور قرنين ونصف على إستقلال أمريكا وظهور الثورة الصناعية 1776

taheromer86@yahoo.comطاهر عمرهذا العام هو تسجيل لمرور قرنيين و نصف على إستقلال أمريكا و ظهور الثورة …