osmanmsalih@hotmail.com
نبأ الوفاة
عندما بلغ امِّي سعيدة احمد طه نبأ وفاة والد بحر حدَّاد قريتنا الواقعة في مشروع حلفا الجديدة الزراعي والمعروفة فيه باسم خمستاشر، لم تتوانى عن اداء واجب العزاء، فاستأجرت عربة توك توك لتقلها في الحال الى كمبو برية حيث يقام سرادق العزاء.
كمبو برية واشباهه
يقع كمبو برية على اطراف قريتنا وراء ترعة الحواشات المعروفة باتناشرات. وقد نشأ هذا الكمبو في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، بعد نحو عقدين من الزمن من قيام مشروع حلفا الجدبدة وبناء قرى التوطين لإسكان المهجرين في أوائل الستينات من وادي حلفا. ما بدا وقتها كمخيم مؤقت اقيم على عجل لسكن بعض العمال الوافدين في قطاطي بسيطة اليناء ورواكيب، استحال بطول المكث إلى مستقر ثابت للاقامة الدائمة لأولئك الوافدين من بقاع بعيدة في غرب السودان. تزوج سكان الكمبو ثم استقدموا زوجاتهم اليه ورزقوا فيه بأطفال اكتسبوا هوية المكان الجديد فصاروا من أولاد البطانة. من اوائل ساكني هذا الكمبو برية وحسن كريك، الذي كان شريكاً لجدي أحمد طه في زراعة حواشته الواقعة بالقرب من هذا الكمبو، وعبد الله المَرَّاتي نسبة لقبيلة المراريت وزوجته هبانية. كمبو برية هو واحد من عدة مخيمات تحيط بالقرية الحلفاوية وهي كالتالي: كمبو برية، كمبو محمد موسى، كمبو تمنيات وقد سُمي نسبة لحواشات التمنيات وغالبية ساكنيه من قبيلة التاما. بقع هذا الكمبو بين ترعتين في مدخل القرية على الطريق الرئيسي المفضي الى القرية أربعتاشر ومن بعدها الى حي الثورة ثم سوق حلفا الجديدة. هاتان الترعتان هما ترعة تمنيات والميجر وهي كبرى الترع التي يسمونها في قرى الجزيرة بالكنار، وهناك كمبو البني عامر القريب من مقابر القرية، وكمبو المَلُّو وهو الأقرب إلى بيوت القرية، وقد أسس هذا الكمبو رعاة الأبقار: أحمد محمد، وأحمد سعد ورقية اراب والعيال حجوجة وفاطنة وابو امبو، اولئك الرعاة البواسل الذين شقَّوا مع ذراريهم البراري الموحشة في ظلام الليل بين الافاعي والضواري والكوشوكي ( كلمة نوبية يصعب ترجمتها)، وهم يسوقون أبقارهم حتى وصلوا لقريتنا في البطانة في بداية الثمانينات واستهواهم المقام الجديد ومنهم من تعلَّم النوبية وكبر المخيم بوفود المزيد من رعاة الأبقار من قبيلة الملو الذين اصبحوا جزء ا لايتجزأ من المشهد الطبيعي لقريتنا. وهناك في البعد يتشابى كمبو تبارك الله في الطريق الواصل إلى القرية تمنتاشر، وهو على مرمى حجر من مباني التفتيش الزراعي الخامس. ويعد كمبو تبارك الأكبر مساحة والأعلى كثافة من ناحية السكان بين جميع المخيمات المذكورة. تضخم هذا الكمبو في الاعوام الاخيرة وشهد تطوراً ملحوظاً مكتسباً صفة القرية المخططة بعد أن دخلته الكهرباء واقامت فيه الحكومة المحلية فى عهد “الانقاذ” مدرسة للأساس. وهناك كمبو صغير ظهر في الثمانينات في رقعة ضيقة في حافة حواشات الاملاك. يعود الفضل في قيامه لخميس ونصر وهما أخوان تعود أصولهما لتشاد. وفدا في ريعان الشباب واستقرا في قريتنا مشاركين لعمنا عبد الله صادق في زراعة حواشته. وبطول الإقامة تسودنا ووجلب كل منهما زوجته وانجبا في الموطن الجديد.
حكاية بحر ود البطانة
تذكرتْ أمي طوال المشوار الذي ستقطعه عربة التوك توك إلى كمبو بَرِية لمشاركة أهل المتوفى في مصابهم، تذكرتْ حكاية بحر الحداد الذي يجلها كثيرا ويعاملها خير معاملة وهي تذكره لي دوما بالخير وتثني على دوره في تعمير بيتنا وصيانته. فبحر هو الذي صنع للبيت ابوابه وشبابيكه واقام له البرندة المتينة ومد السلك الشائك على سوره وثبته وهو من سورالحديقة القائمة امام البيت .
من يتحدث الى بحر لن يميزه عن اولاد الحلفاويين في زيه ولكنته التي يتحدث بها اللغة العربية، لافرق، فهو في قريتنا بين اقرانه مثل السمكة في الماء.
ولد بحر في كمبو برية في التسعينات من القرن الماضي لأبوين وافدين تعود أصولهما لقبيلة التاما. كان المكان الذي رأى فيه بحر النورلأول مرَّة بعيداً معزولاً وموحشاً. يسوده نمط واحد من البناء المؤقت: قطاطي ورواكيب وصريف من الحطب والقش. بدأت توافد عمال الزراعة إلى الكمبو في فترة شهدت ازدهار المشروع الزراعي قبل أن ينتكس فيمابعد. بدأ الكمبو بعدد محدود من قطاطي العمال الزراعيين الذي يشتغلون في الحواشات القريبة من مساكنهم، يرعونها ويحرسونها ويتولون عمليات نظافة المزروعات وتطهيرها من الطفيليات والاعشاب الضارة إلى أن يحين موعد الحصاد، قبل أن يوسعوا من نطاق نشاطهم بالعمل في حواشات بعيدة عن الكمبو. في هذا الجو في مخيم بعيد معزول شب بحر بين أبوين كادحين محاطا بالماء والخضرة على مد البصر. وعندما بلغ سن السابعة أرسله أبواه لينال حظه من التعليم في مدرسة الاساس التابعة لقريتنا. ولكن سرعان ما ناداه العمل اليدوي فلبى النداء ليعين أهله. اجتذبته من دنيا الكتب صلصلة أدوات الحدادة. غادر مقاعد الدراسة في سن مبكرة وشمر عن ساعد الجد مفضلاً العمل مع حدَّاد يدعى همزة علمه ودربه فلازمه أعواماً إلى أن حذق المهنة وأجادها فاشترى ماكينة لحام بما ادخره من المال، وانفصل عن معلمه وشق طريقه الخاص إلى أن صارت له ورشة حدادة اقامها في منتصف قريتنا. صار بحر معلما يشار له بالبنان، شاطر شديد كما تصفه امي، واكتسب المهارة الدربة في امور الحدادة من لحام للأبواب والشبابيك ودربزين الجناين. تجلت فنونه وأظهر جداً في الالتزام بالمواعبد والعهود التي يقطعها. صادق الوعد ولهذا كسب ثقة من يتعاملون معه وكثر عدد زبائنه وذاعت سيرته كمعلم في مجال الحدادة يمكن الركون اليه بين أهالي قريتنا وماحولها. يقف بحر مثالاً للاندماج والصعود الاجتماعي.
التوك توك في طريقه الى كمبو برية
حملت عربة التوك توك امّي وشقت بها قريتنا منطلقة عبر ميدان كرة القدم ومجموعة من الدكاكين والأكشاك الصغيرة والمخبز والمقهى القائم في وسط القرية. ثم سارت بعد ذلك في خط مستقيم جاوز بها آخر مربوع من بيوت القرية المحاذية لمدرستي الاساس للبنين والبنات، ثم تجاوزت المقابر وكمبو البني عامر لتنحرف يميناً في طريق ترابي يمر بجوار صهريج المياه والبابور الذي يرفع الماء بعد أن يمر بعملية التقطيروالنظافة من الشوائب في بئرين كبيرين إلى أعلى الصهريج البادي من بعيد بلونيه الأبيض والأسود. بجوار بابور الماء يقف محمود بسيوني بوداعة طبعه ونحافة بدنه وردائه السمني وشعره الاجعد ونظارته السميكة واسعة الاطار وعلى مسافة قريبة منه تظهر مركونة دراجته الهوائية . يقف محمود مستغرقا في معالجة هذه الالة حتى يروضها بدربته كما يروض اشباهها في بيوت القرية.
سارت العربة على الدرب الترابي المحفوف من جهة اليمين بصف طويل ممتد من أشجار البان وأشواك الكِتِر، وعلى اليسار منه تمتد قيفة الترعة التي تسقي حواشات إتناشرات ثم يتدفق ماؤها ليغذِّي الصهريج الذي تستقي منه خمستاشر.
بعد أن قطع التوك توك مسافة أبطأ السائدق من سرعته وانحرف يساراً عبر كبري صغير أفضى بالعربة إلى درب ترابي ضيق يجاذي جدولاً كبيراً يتدفق فيه الماء. وهناك في العمق الظليل توقف التوك توك بالقرب من قطاطي كمبو مرية حيث ترجَّلت امّي لتجد نفسها في بقعة فسيحة وريفة خضراء تحيط بها أشجار السيسبان والسدر واللالوب باسقة تكاد تبلغ السماء.
إن المرء ليعجب من صلابة هؤلاء العمال الوافدين وقوة شكيمتهم في مجابهة الظروف العصيبة التي وجدوا أنفسهم محاطين بها ومرغمين على التعايش معها بعيداً عن أوطانهم وأحبابهم ودنياواتهم الحميمة الأليفة فصنعوا في المهجر بقعة طوَّعوها للسكن انتزعوها انتزاعاً من براثن الوحشة في تلك الحقول البعيدة.
نزلت امّي من التوك توك وخطت أولى خطواتها في المخيم الظليل يجري بجواره الماء النمير يترقرق تحت أشجار النبق واللالوب. ثمة أطفال يلهون بالقرب من الجدول. وهناك دجاجات تعفر التراب بحثاً عن الحبوب ليس بعيداً عن ملهى الأطفال. وعلى حُصُر مضفورة من السعف غير الملون موضوعة في ظلال الأشجار الوارفة جلس رجال الكمبو حلقات حلقات وليس بعيداً عنهم تجمعت نساء الكمبو. يخيم عليهم الحزن. وما إن راوا امي تتقدم نحوهم حتى هبَّوا جماعة لاستقبالها. وارتفعت الاكف الى السماء وتمتمت الشفاه بسورة الفاتحة.
جدي احمد طه
اخبرتني امي عبر الهاتف وهي تصف لي زيارتها لكمبو برية: لما وصلت ونزلت من التوك توك طوالي عرفوني الرجال والنسوان. القيامة قامت. وخاطبها من عاصروا اباها وجدي أحمد طه: انتي ما بت قرنق، قرنق كان راجل ما ساهل. وقرنق كان لقباً لجدي احمد طه اطلقه عليه أهل هذا الكمبو حتى صار يعرف به. وترحَّموا على والد بحر وعلى جدي وعلى جدتي فاطنة هسن مهمد، وعلى خيلاني عمر وفيصل، وعلى كل الاموات ودعوا لهم بالمغفرة. ثم عادوا الى سيرة جدي احمد طه وقد كانوا به معجبين واصفينه بالجد والنشاط الجم وقلة الكلام وقلة الطعام . كان جدي رفيعا وطويل القامة. يمشي واسع الخطو لايسبقه احد. ياتي الى حواشته راجلا ثلاث مرات في اليوم متفقداً زرعه. مرة في الفجرية، ومرة في الضهرية وثالثة اخيرة في العصرية قبل ان تنحدر الشمس وتغيب.
اه، يا وطني الحبيب.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
30.01.2026
osmsnmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم