من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
في الحروب، لا تتوقف الحياة فجأة،
لكنها تصبح أكثر كلفة. لا تنهار البيوت وحدها، بل تنهار معها الشبكات الخفية التي تُبقي المجتمع قادرًا على التنفس:
الكهرباء، المياه، الاتصالات.
وفي السودان، كانت الكهرباء من أولى ضحايا الحرب، لا لأن محطاتها فقط تضررت، بل كذلك انتظامها ذاته صار مشكله لا تملكه دولة في حالة صراع.
في هذا الفراغ، تقدّمت الطاقة الشمسية خطوة إلى الأمام.
لم تأتِ بوصفها مشروعًا بيئيًا طموحًا
أو خيارًا تقنيًا حديثًا، بل جاءت كحل اضطراري،
كبديل سريع
في زمن لا يحتمل الانتظار.
وهنا، وُلد سوق جديد، أو بالأحرى تمدد سوق كان هامشيًا ليصبح في قلب الحياة اليومية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، ودون اتهام،
هو: هل الأسعار التي يدفعها المواطن السوداني اليوم مقابل الطاقة الشمسية هي أسعار سوق طبيعية
، أم أسعار حوجة حرب؟ وقد قرات في إحدى الصحف يوم أمس ان اسعار الطاقه الشمسيه تنخفض بنسبه كبيره واحجب مقدار النسبه التي ذكرت لأنها قد لا تكون دقيقه او مدروسه
من المهم، قبل الخوض في الأرقام أو المقارنات، أن نفهم طبيعة السوق الذي نتحدث عنه.
سوق الطاقة الشمسية في السودان اليوم ليس سوقًا مستقرًا، ولا سوقًا مكتمل الأركان.
هو سوق طارئ،
نشأ وتضخم تحت ضغط الانقطاع الكامل أو شبه الكامل للكهرباء. الطلب فيه حاد، ومُلِحّ، لا ينبع من الرغبة في تحسين نمط الحياة،
بل من الحاجة إلى الحد الأدنى من الاستمرار: إنارة، تبريد أدوية، تشغيل مضخة ماء، أو مجرد شحن هاتف.
في مثل هذا السوق، تتغير قواعد التسعير. المستهلك لا يملك رفاهية المقارنة بين البدائل،
ولا يستطيع تأجيل الشراء حتى تتحسن الظروف.
هو يشتري لأن الظلام لا ينتظر.
وفي المقابل،
يعمل التاجر أو المستورد في بيئة شديدة التعقيد: صعوبات استيراد، مخاطر نقل
، تقلب عملة
، وانعدام استقرار عام.
بين هذين الطرفين، يتشكل السعر، لا بصفته رقمًا مجردًا،
بل نتيجة تفاعل قاسٍ بين الخوف والحاجة والكلفة.
السؤال الجوهري إذن ليس: لماذا ارتفعت أسعار الطاقة الشمسية؟ بل: ما طبيعة هذا الارتفاع؟
هل هو انعكاس مباشر لأسعار عالمية وتكاليف حقيقية،
أم أنه يحمل في طياته علاوة أزمة
، أو ما يمكن تسميته بهدوء «علاوة الحرب»؟
في الأسواق العالمية، تخضع أسعار مكونات الطاقة الشمسية لمنطق معروف نسبيًا:
تكلفة تصنيع،
تطور تقني يخفض الأسعار بمرور الوقت، ومنافسة بين الموردين، وهوامش ربح يمكن التنبؤ بها.
هذه المنظومة، رغم تقلباتها، تعمل في بيئة مستقرة نسبيًا.
أما في السودان، فإن المنتج نفسه يُنقل من هذا العالم المنظم إلى واقع مختلف تمامًا.
هنا لا يُباع اللوح الشمسي بوصفه سلعة فقط، بل بوصفه حلًا لأزمة،
وربما نجاة من شلل كامل.
هذا لا يعني بالضرورة أن كل ارتفاع في السعر هو استغلال.
فاقتصاد الحرب بطبيعته اقتصاد مكلف. المخاطر أعلى، والتمويل أصعب، والخسائر المحتملة أكبر.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن السوق حين يُبنى على الاضطرار الكامل، يفقد أحد أهم ضوابطه وهو
حرية الاختيار.
وحين تغيب هذه الحرية، يصبح من المشروع اقتصاديًا وإنسانيًا أن نتساءل:
أين ينتهي منطق الكلفة
، وأين يبدأ تسعير الندرة والخوف؟
التمييز بين هذه المستويات مهم للغاية. فهناك فرق بين تسعير يعكس واقع الاستيراد والنقل والتقلبات النقدية،
وبين تسعير يُحمِّل المواطن تكلفة انهيار منظومة كاملة لم يكن له يد في تعطيلها.
وفي الحروب، غالبًا ما تختلط هذه الخطوط، لا بسوء نية
بل لأن السوق نفسه يعمل بلا بوصلة تنظيمية واضحة.
النتيجة الاجتماعية لهذا الوضع لا تقل أهمية عن التحليل الاقتصادي. حين تصبح الطاقة الشمسية الحل شبه الوحيد،
ولكنها متاحة فقط لمن يملك القدرة على الدفع، ينشأ تفاوت جديد:
بيوت مضاءة وأخرى غارقة في الظلام، مؤسسات قادرة على العمل وأخرى متوقفة، مناطق تنجو وأخرى تُترك على هامش الحياة.
هذا التفاوت لا يُقاس فقط بالمال، بل بتكافؤ الفرص والقدرة على الصمود.
من هنا، يُقرأ هذا النقاش دعوة هادئة لبناء مرفق اقتصادي هام في زمن استثنائي.
وان يفهم أن الطاقة الشمسية في السودان اليوم ليست سلعة كمالية، بل خدمة شبه عامة، حتى وإن قُدِّمت عبر السوق.
في زمن وقتي محدود تاثرت فيه قدرات الدوله التنظيمية، هنا تصبح المسؤولية موزعة بين الجميع، مبادرات مجتمعية تبحث عن حلول جماعية، ومؤسسات مدنية تفكر في نماذج تمويل تخفف العبء عن الأسر.
ليس المطلوب كسر السوق، بل إعادته قدر الإمكان من منطق الأزمة إلى منطق الخدمة.
قد لا تنهي الطاقة الشمسية أزمة الكهرباء في السودان، لكنها اليوم تمثل الجسر الأقرب بين الانقطاع الكامل والحد الأدنى من الحياة.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق هذا الجسر هو:
هل نريده طريق نجاة جماعي، أم مسارًا فرديًا لا يعبره إلا القادرون؟
في زمن الحرب، لا يكون الاقتصاد محايدًا. كل سعر يحمل أثرًا، وكل قرار تسعير يترك ظلًا اجتماعيًا.
وبقدر ما نحتاج إلى حلول سريعة، نحتاج أيضًا إلى وعي هادئ يميز بين ما هو كلفة حقيقية، وما هو عبء يمكن تخفيفه.
هنا فقط، تتحول الطاقة الشمسية من مجرد بديل تقني
، إلى لبنة في بنيان الصمود الاقتصادي والإنساني.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم