فطيرة باللبن
ختَّيتا في الصحن
لمحمد الحسن
حلاوة لكوم.
من أناشيد الطفولة لشاعر سوداني مجهول
مَنْ ساقته، مثل أبي، إكراهات لقمة العيش في سبعينات القرن الماضي للعمل والإقامة في بلدة على سكك حديد السودان مثل الحصيرة نائية، متناهية في الصغر، مغمورة الذكر، منطوية على نفسها في الخلاء ، تقع في المسافة ما بين القضارف والدندر، يعمل معظم أهلها في الزراعة المطرية. فقيرة إلى مظاهر العمران. بها محطُّ تتوقف عنده قاطرات نقل ألبضائع والمسافرين. كما يصلها بالعالم المذياع والتلغراف. وتوجد بها شفخانة وكنتين ومدرسة إبتدائية أُنشئت من الحطب والقش. من الممكن وصف الحصيرة ببلدة اللاءآت الأربع : لا سوق لها ولامخبز ولاجزارة ولامركز للشرطة (ومع ذلك انعدمت فيها الجريمة)، كانت تعتمد في تأمين حاجتها من ماء الشرب على قطار مخصوص يسمِّيه ناس السكّة حديد بقطر الموية يغشاها مرَّة في الأسبوع فتبلُّ منه عروقها وتملأ منه فنطازين كبيرين تابعين للسكة حدبد يشرف عليهما أبي بحكم وظيفته كناظر محطة صغير، من ذينك الفنطازين يستقي انسان الحصيرة وحيوانها كما لو أنَّ البلدة هي في الأصل معسكر مؤقت لجيشٍ زاحف، أو مخيَّم للدَهَّابة او غيرهم من عمال التعدين أو التنقيب عن البترول، أقول : من يجد نفسه في بلدة كالحصيرة لابدَّ له من جَبَراكة لصق البيت يعتني بشتولها لتزوِّده بالخضروات، ولابدَّ له في البلدات من مزرعة يفلحها لتؤمن له الخبز من محصول الذرة الرفيعة إضافة لما تغلَّه من السمسم وعيش الريف والعنكوليب والتبش، ولابدّ له كذلك من تربية الدواجن وسِعاية الأبقار لسدِّ حاجته من البيض واللحم واللبن. لم يكن للبلدة نهر يغذِّيها بالأسماك. ووجد مَحْوَلجِيَّتها الثلاث عبد اللطيف ورحمة الله وعبد المعز هواية لهم ومصدراً غنياً باللحوم في التربص بالطيور العابرة لسماء البلدة، يحاولون إغراءها بالنزول في البرية المحازية للسكة حديد، يشتِّتون لها الحبوب، يُشَرِّكون لها بضروب من الحيل ناصبين لها الشبكة الكبيرة يغرزون أوتادها، فتهبط الطيور المجهدة من طول التحليق في كَمَّاشة الارض الملغومة. وهناك وفرة في دجاج الوادي الذي يمكن اصطياده في الغاب المجاور للحصيرة.
إذا أردت لإقامتك في المحطات الخلوية في السودان أن تطول فعليك بصبر – كصبر الانبياء – على شظف العيش، وأن تكتفي بماهو موجود ومتاح وضروري ومنقذ للحياة. وعليك ألَّاتطلب الكثير حتى يسعدك القليل ويرضيك. وعليك أن تذكر الله وتحمده على كل كسرة خبز وكل جرعة ماء تيسرَّت لك في الخلاء المقطوع. ماذا انت فاعل في خلاء الوجود بغير إله؟!. الخلاصة: الإيمان بإله والصلابة والصبر من سمات عمال السودان، هذا البلد المعجون بالدين. إذا اخرجت الدين من قوام هذا البلد تحلل وتفكك وتفتت كما يتفتت الطين إذا جف. لقد اشتد ساعد عمال السكة حديد في السودان واكتسبوا الصلابة في سوح النضال النقابي والسياسي مما تعلموه وراكموه من التجارب في مواجهة الشدائد في المحطات الخلوية، وهم في هذا كالجيَّاشة حراس الحدود، والرعاة في البراري، وسائقي اللواري والشاحنات السفرية ومساعدييهم، وزمر الدهَّابة في الفلوات. حكى لي زميل دراسة صار من الدهَّابة، قال:( لما مشينا نفتش الدهب في العتامير في الإول كنا ملاوزين بنخاف من الضباع، هسي بقينا نحن البنخوِّف الضباع) والجنقو في مشاريع الزراعة المطرية، وعمال الزراعة الموسميين في المشاريع المروية.
أول ما اقمنا في الحصِيرة لم نكن نملك فيها إلَّا الدواجن. اما الخبز والخضروات والفاكهة وما إلى ذلك فكان أبي يدبره بالسفر مرة أو مرتين في الشهر للتسوق في الحواتة او الدندر وما اكثر ما كان يصطحبني معه في تلك الرحلات الممتعة التي كانت تبدا في الصباح الباكر بالقطر المحلي وتنتهي عند مغيب الشمس. وكان جميع من في جيرتنا تقريباً يملكون حظائر عامرة بالأبقار، بل وكان منهم من له مُراح كامل من الأبقار مثل ناس فطنطون وهم أسرة قديمة في الحصيرة ترجع أصولها إلى قبيلة الفلاتة. برزت الحاجة عندها ماسة لتربية الأبقار. فاستعان أبي برجل من أهل القرى المحيطة كان يكثر من غشيان المحطِّ ليستقل قطارات الشحن التي تمرُّ بها لترحيل مخزونه من الذرة الرفيعة إلى أقرب مدينة بها سوق للمحاصيل مثل سنار أو القضارف أو الدندر. اتفق أبي مع الرجل على شراء بقرة حلوب وعد الرجل بجلبها مشياً على الاقدام مقابل أن يدفع له أبي عشرين جنيها. وبعد أسبوع أو نحوه أوفى الرجل بوعده وأحضر إلى المحطِّ بقرة تسرُّ حمرتها الناظرين قطع بها البراري المعشبة. بحث الرجل عن أبي فقيل له أنَّ أبي قد ذهب إلى الدندر لجلب لوازم الشهر من سوقها، فقام الرجل بربط البقرة إلى شجرة النيم الوريفة القائمة في المحطِّ أمام مكتب الإدارة بعد أن أوصى بها المحولجية الثلاثة. اعتنى المحولجية ثلاثتهم بالبقرة وجلبوا لها حزمة من القش وسطلاً به ماء حتى وصل أبي في أول المساء وترجَّل من القطار وقاد البقرة من وثاقها وأدخلها الحظيرة التي أقامها من الشوك خلف البيت. وهكذا دخلت تلك البقرة حياتنا وحملت اسم حَضْرة. ملأت علينا دنيانا بفتوّتها وخوارها وصارت مدلَّلة الأسرة بلامنازع، تنفحنا باللبن الحليب. وأضحت محوراً أساسياً لأحاديثنا اليومية: حضرة سوَّت، حضرة تركتْ، حضرة رجعت من الخلا، حضرة أكلتْ الأُمباز؟ حضرة شِربت؟ حضرة مالها اليوم لاتبدو على مايرام؟ كسلانة ولاعيانة؟ فما العمل؟ ينزعج أبي غاية الإنزعاج، ولايهدأ له بال إلّا بعد أن يطلب النصح من ناس فَطَنْطون أسياد مُراح البقر الكثير فيفيدونه مما راكموه من التجارب بوصفة تجعل حضرة تتعافى وتنهض على قوائمها وتقبل على القشِّ المكوَّم. كل ذلك يقع أمامي وأنا شاهد عليه أرقب كل مايفعله أبي لمعالجة الموقف ريثما تستعيد حضرة عافيتها قريباً من الوعاء المعدني الكبير الذي يُخلَطُ فيه الأمباز، أرى وأتعلم أولى دروسي في الحياة من أبي شيَّال التقيلة، الأسمر العملاق. بشعرة الأجعد الفاحم السواد، يسد عين الشمس، ولايبعث في الناظر إلى وجهه الخوف بل المهابة .عندما وافته المنية في ليبيا كتب لي خالي عادل وهو يعزِّيني مايلي: مثلما عاش أبوك في هدوء، رحل في هدوء.
مقابل أجر شهري قام أبي بتسليم حضرة لراع يدعى عطيَّة وهو شاب طيب وهميم من قرية قريبة من الحَصِيرة. أضاف عطية حضرة لقطيع الأبقار التي يخرج بها إلى المراعي في كل صباح. وكان في بعض الأحيان يغشى الغاب في طريق عودته بالأبقار قبل المغيب ليجلب لي من فروع أشجارها المُسَتَّفة بأعشاش الطيور صرَّات من ثمار الغاب الحجرية من نبق ولالوب ومايجده من سِمِبَر ورهو وهدهد وطير خداري لأضيفها فخوراً إلى ما ملكته من تشكيلة من الطيور جمعتها في قفص كبير جلبه لي أبي. في تلك السنوات كنت مولعاً بجمع الطيور غريبة الألوان، ومما اذكره أن حوش بيتنا كان مهبطاً لصغار الطيور من شاكلة ود ألرق ترك فيه وتستقي وتستحم في ماء طست كبير. تنفض أرياشها الداكنة اللون من قطرات السعادة والارتواء وهي تزقزق ثم تطير. كنت كَلِفاً على وجه الخصوص بالطير الخداري والهدهد الرائع المعتد بنفسه وبالوانه البديعة المخططة ومنقاره الرفيع الأسود وتاجه الملكي.
استطابت حضرة حياتنا في الحصيرة. وصار لها حِبَّاناً في قطيع ناس فَطَنْطون. وتجلَّت خصوبتها فاسعدتنا بولادة العجول. وزاد إنتاج لبنها وفاض حتى غمر جيراننا الأقربين منهم الحيطة بالحيطة والأبعدين محدثا تغييراً ملحوظاً في مطبخنا. من بين ما ولدتهم حضرة أسرني عجل فريد يشبه أمه الخالق الناطق مَلَك علي أقطار نفسي فافتتنتُ به واصطفيته بلاتردد، وصار هوساً لي هو والطيور أرقب نموَّه معجباً باكتسابه القوَّة حتى كبر وصار يخرج للمرعى القريب مع أصحابه من عجول ناس فَطَنْطون التي كانت تاتي إليه ونتجمَّع أمام حظيرتنا وننادونه بخوار منغَّم يفهمه ويستجيب له. وظلّ هذا العجل أثيري بين العجول اخلصتُ في العناية به من طلوع الشممس إلى مغيبها حتى جاء يوم كافأني فيه، مثلما يفعل الغدَّارون من بني الانسان، برفسة قوية مفاجئة، أصابت جبهتي ودمِّمتها. صرعتني اللفخة وألقت بي على كومة القشِّ والأُمباز حتى تمَّ انقاذي وانتشالي من الحظيرة ونقلي إلى الشفخانة القريبة من المحطِّ حيث عالجني الحكيم أحمد بَقَّاري.
عند رحيلنا إلى كسلا عام 1975 في مقطورة يجرها قطر بضاعة كان الوقت ظهراً. بعد ودّاعنا للجيران والأحباب تحركنا تترجرج بنا المقطورة التي احتوتنا مع أثاث البيت وقفص طيوري. ضايرنا العفش على نحو وسع مساحة للمراقد وهيأنا المقطورة كبيت صغير متحرِّك شبيه بكَرَفان. أشرعنا النافذة العريضة لتدخل منها أنسام الخلاء بينما القطار البخاري يجري ويجري ويرزم بين المحطات الخلوية ومحطات المدن نافثاً دخانه القاتم. العطشان. الحواتة. قرين. قلع النحل. ود الحوري. المتنا. القضارف. الشوك. الشجراب. خشم القربة. الحاجز. ملوية. ثم كسلا بسواقيها الخضراء في ذلك الزمان وقاشها الغاضب وجبالها المبروكة. أنعشنا هبوب الأنسام . سرت في أبداننا أنسام السودان كالمخدر فغفونا تهدهدنا اسماء المحطات الخلوية، وتمرجحنا ذات اليمين وذات الشمال رجرجة القطار المسافر.
قبل رحيلنا من الحصيرة واجه أبي معضلة ترحيل أبقارنا إلى حلفا الجديدة حيث تسكن والدته وجدتي فاتة سادق. كانت الحصيرة وقتها معزولة وليس بها وسيلة ترحيل. كان أبي قاب قوسين من التخلص من الأبقار ببيعها في الحصيرة بأي ثمن عندما تصدَّى الراعي عطيَّة للأمر وأخبر أبي أنه سيقود أبقارنا مشياً على الأقدام حتى يسلمها لجدتي في حلفا الجديدة. تلك كانت هدية لاتقدَّر بثمن قدََمها عطية لأبي وقرَّر أن يخاطر بنفسه ويقطع تلك المسافة على درب لم يسلكه من قبل. آه، يا دروب الرعاة في بلدي الحبيب
زوَّد أبي عطية بلوازمه من الطعام والمصاريف وأوصى زملاءه في كل المحطات أن يحسنوا وفادته عندما يمر بهم للمبيت والتزود بالماء. انطلق عطية في يوم رحيلنا نفسه ولكن في الساعات الأولى من الفجر تتبعه الأبقار في مقدمتها حضرة. سار عطية محازياً للسكة حديد حتى بلغ محطّ المتنا عندها استشعرت الابقار أنه يقودها في درب مجهول فخافت وأبت أن تكمل المسير بل نكصت عائدة إلى الحصيرة يتبعها عطية الحائر في أمرها ليس يدري ماذا يفعل، فخطر له أن يبلِّغ أبي رسالة أودعها عند ناظر المحطَّ في المتنا. أخبره فيها أنه عائد الى الحصيرة مع الأبقار التي تمرّدت عليه. فنزل أبي من القطار في المَتْنت واستقلَّ قطر بضاعة متجه إلى الحصيرة. ولما وصلها كان الوقت ليلاً. كان في استقباله حسب الله ناظر المحطّ الجديد ومعه المحولجية الثلاث. تفقَّد أبي الأبقار فوجدها قد دخلت الحظيرة. فقضي ليلته في ضيافة المحولجية. وفي الصباح الباكر سار أبي مع عطيّة والأبقار حتى تجاوزوا بلدة المَتْنَا وفي المحطّ الذي يليها كانت الأبقار قد اطمأنت للدرب الجديد في رفقة أبي انسحب أبي دون أن تراه الأبقار، واستقلَّ قطاراً للشحن ولحق بنا في القضارف، تاركاً عطية يكمل السير وحده حتى وصل إلى قريتنا في البطانة بعد مسيرة إستغرقت منه عدَّة أيام عاني فيها الأمرين من عناد الأبقار ونام خلالها في العراء متوسِّداً ساعده، متسلحاً بعكَّاز وسكين في جفيرها مربوطة في الضراع. وصل إلى قريتنا متتبعاً مسار القطار لايزوغ عنها خشية التوهان. وعندما يلمُّ به العطش أو يكبس عليه ( أي يدهمه) الليل المظلم أبوكديس، كان يغشى أقرب محطِّ في طريقه ليروي ظماه ويتزوَّد من خيرات سلسلة التضامن بين عمال السكة حديد. يكرِمه ناظر المحطِّ الذي قرَّر أن يخيِّم فيه ويقضي ليلته الباردة مع الأبقار ملتحفاً بدثار ثقيل. يوقد عطية النار في الاحطاب التي جمعها، ويتناول عشاءه ويرقد محاذرا ألَّا يشيله (يستغرقه) النوم فتنتهز الأبقار السانحة وتشرد أو يصيبها مكروه من مخلوقات الليل الشريرة. نجح عطية في الاختبار بفضل شجاعته وقوة التضامن العمالي الذي وفر له سلسلة متينة لاتنقطع من الغوث خففت عنه وعثاء الطريق حتى بلغ قريتنا البعيدة المندسَّة في البطانة بين الترع والمزروعات سالماً معافى دون أن يمسسه ضرٌّ ووقف أمام بوابة بيت جدتي كثّ الشعر أغبره مرتدياً سروالاً وعراقي أبيض اللون ومركوباً أحمر من جلد البقر. وسلَّم جدَّتي الأبقار كاملة العدد وهو يقول لها: البقر دا أمانة من ولدك محمد ياحاجة. رحبَّت به جدتي. تناول ماقُدِم له من طعام وشراب ثم قفل في الحال عائداً إلى الحصيرة.
في حظيرة جدَّتي في البطانة عاشت حضرة أعواماً زاهية ولدت فيها المزيد من العجول، ولم ينقطع لبنها حتى رجعت ذات يوم من المرعى بضرع مثقوب يسيل منه الحليب بعد أن ثقبته الأشواك في الطريق. فلم تجد جدتي مناصاً من بيعها وحليبها المشلشِل يبلل التراب. كالصاعقة نزل علينا الخبر المحزن بأنَّ حضرة التي تسرُّ حمرة فروتها الناظرين، لن نراها من جديد. اختفت حضرة مخلفة سيرتها على لسان امي، تاركة في حظيرة جدتي نسلها الذي تخطفته أيادي الشارين. مضت بلا أثر تلك التي أسعدتنا أعواماً في الحصيرة بفتوَّتها وعجولها الكثر وحليبها الوفير مثلما مضى أبي الذي اشتراها وأحسن رعايتها. مضت حضرة مثلما مضت جدتي التي تسلمتها من عطية الشجاع الأمين واعتنت بها حتى ألمّت بضرعها المعطاء شوكة قاتلة.
عثمان محمد صالح
تلبرخ، هولندا
02.02.2026
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم