“صمود”.. وهتافات ثورة ديسمبر في قلب لندن !!

فضيلي جمّاع:
رأيت نبض الثورة في عروق الملايين!! كلما سمعت نباح دعاة الحرب، ومناداتهم باستمرارها ، خطرت ببالي أبيات شاعر المقاومة الفرنسية ضد الغزاة النازيين – الشاعر الثائر لويس أراغون.. يقول أراغون: العارُ للذين لا يتنههّدُون لمرأى السماءِ الصافيهْ! والعار للذين لا يقعُ سلاحُهم أمامَ الطفولهْ! والعارُ لمَنْ لا دموععَ لهُمْ!! ولأنّ ثورة الشعب الفرنسي، جعلت الوعي أهم مفاتيح المقاومة الشعبية ، فقد كانت أشعار أراغون – وضمنها تلك القصيدة – يتوزّعها الثوار من شارعٍ لشارع، ومن بيتٍ لبيت كما يتوزّعُ الجوْعَى قطعَ الخبز! لذا كان من الطبيعي – والوعي يعمّ الشوارع والبيوت – أن ينهزم الجنونُ العسكري لنازية هتلر وفاشية موسيليني. وتنتصر َشعوبُ العالم الحر! ونحن السودانيون – لسنا بمعزل عن تيار الدعوة للدولة المدنية، دولة العدل والمساواة في الحقوق والواجبات في هذا الكوكب. فكلما زادت جرعة الوعي ، صدحت حناجر الشعوب منادية بالحرية والسلام والمساواة. لذا فقد استعاد كلُّ من حضروا أمسية “صمود” عشية أمس الأول الأحد – إستعادوا نسمات ثورة ديسمبر ، وهتافات الشوارع التي لم ولن تخبو. فقد رأينا نبض الثورة في عروق الملايين!!
“مدنية” لم تعد خياراً .. بل قراراً !!
بدءاً .. أقول إنّ الهدف من هذا المقال مجرد إعطاء إنطباع عام حول هذه الزيارة الهامة ، والإستقبال الكبير الذي حظيت به منن لدن السودانيين. وكذلك من شخصيات هامة في دوائر صنع القرار الأوروبي والبريطاني. ما أقرب المسافات بين الدول والقارات في عصر الإنترنت. كنّا في القاعة الكبرى والمئات يهتفون. همس شاب من منظمي الحفل في أذني مبتسماً: (يا أستاذ قلنا نغيّرها لمدنية “قرار الشعب” كما فعلها شباب الثورة في كمبالا. أيه ررأيك)؟؟ ولم ينتظر إجابتي. إنصرف مسرعاً ليواصل مع الآخرين هتافهم الداوي : (حرية، سلام وعدالة .. مدنية قرار الشعب)!!! قلناها ونعيد القول: لم تتوقف ثورة شعوب السودان ضد الإستبداد ثانيةً واحدة منذ انفجارها في 19 ديسمبر 2018م حتى لحظة كتابة هذه السطور. ولأنّ حركةَ الثورة أشبه بحركةِ نهر التاريخ الذي لا يسير في خط مستقيم، فإنّ جميع الثورات الكبرى لم تصل محطتها الأخيرة لتنجز أهدافها ما بين يوم وليلة. فمثلما يتعرج نهر التاريخ كذلك يكون مجرى الثورة بين صعود وهبوط. فالثورة فعل إنساني. تعلو وتهبط وفقاً لمقتضيات المرحلة التاريخية التي تعيشها. هذا ما حدث لمسارات الثورات التي غيرت مجرى تاريخ العالم، وعلى رأسها أم الثورات في عصرنا : الثورة الفرنسية ، التي لم تنجز هدفها الكبير – قيام الدولة المدنية – إلا بعد مرور عشر سنوات على اندلاعها. ظلت خلالها في صعود وهبوط. بل سالت دماء واجتزت رؤوس. لكنّ الثورة بقيت في نفوس وأنفاس الناس. وفي نبضهم حتى الإنتصار الكبير. أجزم أنني شهدت غليان بركان ثورة ديسمبر في شرايين أبناء وبنات شعبنا ، في أكثر من بلدٍ زرته مذ غادرت وطني مجبراً! وأؤكد أنني شهدته أول البارحة في أمسية قارسة البرد في قلب لندن – إحدى كبريات حواضر العالم في الإقتصاد والسياسة والثقافة والفن والصناعة، و إحدى كبريات مدن العالم في رعاية حق الشخص أن يقول ما يريد ما دام لا يضمر تجاه الآخر المختلف – فكرة (الكسح والمسح والبل) كما سمعنا بلابسة بريطانيا يجأرون بها بعد أن قدّموا لحق اللجوء السياسي بدعوى أنهم هربوا من بلادهم خوفاً من جحيم الحرب!!
يا للخزي والعار !
ندوة “صمود” .. قمّة الإنضباط والتنظيم !
في جولتهم الحالية بأوروبا، إنتهى المطاف بقادة التحالف المدني الديموقراطي لقوى الثورة (صمود) في العاصمة البريطانية لندن. قابلتهم مجموعة من السودانيين والسودانيات بمطار هيثرو. كما تقاطر لفندق “حياة ريجنسي” – محل إقامتهم – في ذات الوقت مجموعة أخرى من السودانيين والسودانيات، بعضهم جاءوا إلى لندن من مدن بعيدة رغم برد الشتاء القارس. لفت انتباهي في الندوة الحضور المبهر من حيث تباين العمر والجندر. كما لفت إنتباهي ليلة الإستقبال بالفندق وكذلك في أمسية الندوة الكبرى الحضور الكثيف للنساء وللشباب من الجانبين. كان عدد حضور أمسية الندوة كبيراً- اكتظت بهم صالة الإستقبال الضخمة. حدث هذا رغم برد الشتاء القاسي هذه الأيام في شمال العالم.. بدأت الندوة بتلاوة من آي الذكر الحكيم. ثم دعا مقدم الندوة الأستاذ عمار حمودة – الدكتور عبدالله حمدوك رئيس تحالف قوى الثورة -“صمود” إلى المنصة. لم يسهب الدكتور حمدوك في تلخيص طوافهم ببعض العواصم الأوربية: فرنسا، هولندا، الدنمارك ، ألمانيا ثم بريطانيا. كان شرحاً موجزاً ، عرفنا منه – دون أن نسهب في التفاؤل – أنّ جولة “صمود” الحالية في العواصم الأوربية تعدّ إنجازاً سياسياً لتحالف قوى الثورة ولدعاة وقف الحرب المدمرة في بلادنا. ختم الدكتور عبد الله حمدوك بأنهم جاءوا ليستمعوا لأسئلة وتعليقات الحضور، بل لرؤية البعض حول سلبيات أداء “صمود” وما يرونه من تقييم. نجح منظموا الندوة – ومعظمهم من الشباب والشابات – في توزيع الفرص بين الحاضرين. يطرح السؤال على أعضاء الوفد بالمنصة. قد يتم تسمية من يتوجه إليه بالسؤال، وقد يكون السؤال للوفد كله. الخلاصة أنّ التنظيمم الدقيق لفعالية الأمسية وإعطاء الفرصة لأكبر قدر من الجمهور ، ثم الرد على مختلف الأسئلة بدقة ودون إسهاب من لدن عضوية الوفد الزائر أعطى الأمسية نجاحاً أشاد به كل من حضر الندوة التي استمرت لفوق الثلاث ساعات ، مع توقف لربع الساعة تقريباً لأداء فريضة المغرب. أكثر من ثلاث ساعات دون أن يشعر الحضور بالملل. ذاك في حد ذاته يعطي الدليل على نجاح الأمسية.

وفد “صمود” .. الدقة والإنضباط:
ما يقوله العامة عن الشخص الذي يقدم عرضاً جيداً لمادة يلقيها على الجمهور أن (فلان دا ذاكر مذاكرة صاح))!!
من الطبيعي أنّ الذين خاطبوا الندوة وردوا على أسئلة الجمهور وهم : الدكتور عبد الله حمدوك ، الأستاذ بابكر فيصل ، المهندس خالد عمر (سلك) والدكتور بكري الجاك، من الواضح أنّ كلاً من هؤلاء المتحدثين يعي تماماً الواقع السياسي الذي تمر به البلاد ، وأنّ “صمود” تملك خارطة واضحةضحة المعالم لمستقبل السودان بقيام دولة مدنية. وأنّ جولة “صمود” الحالية لم تأت خبط عشواء. يقيني أنّ أي لقاء في عاصمة من العواصم التي زاروها فتح الوفد فيه ملفاً يبدأ بوقف الحرب التي نتج عنها أكبر معاناة على وجه الأرض اليوم. كارثة بشرية وصفها الدكتور حمدوك بأنها أكبر من المعاناة التي شهدتها الحرب في أكرانيا وغزة مجتمعتين!! هذا وأشياء أخرى يعاني منها شعبنا على مدار ساعات اليوم قد أبلغت لعواصم كبريات الدول الأوروبية.. أختم بأنّ الجولة الحالية لوفد القوى المدنية الديموقراطية “صمود” في أهم العواصم الأوروبية قد فتح نافذة على المجتمع الدولي ليرى الكارثة التي يعيش نيرها الإنسان السوداني. على الذين يراهنون على البندقية أن يقرأوا التاريخ جيداً. فالحروب يشعلها الأغنياء ويموت فيها الفقراء. وأكثر الحروب نجاحاً يتصافح في ختامها الجنرالات الذين أشعلوها ، ويتبادلون الأنخاب فوق جثث ملايين الضحايايا. بينما يدعي كلا الطرفين إنجازاً أملاه على ذاكرته الخربة كتاب الوهم وصحيفة الخيال المريض بامتلاك القوة ومصائر عباد الله! وأخيراً .. تحية خاصة للذين أشرفوا على ترتيب زيارة الوفد والندوة الكبرى بلندن. الزيارة التي ما تزال بعض فعالياتها مستمرة مع مراكز صانعي القرار في العاصمة البريطانية لندن. الشكر لشباب الثورة من الجيل الراكب راس: الصديق الضو، حاجة كرنديس، عمار حمودة ، المعتز حيدر عباس، زكي عبد الحي، زينب بابكر مخيّر ، خالد حسن ، متوكل خيري، محمد مخير، فخري عجبنا ، خالد التاج ، شمس الدين خليل والدكتور علاء الطيب. لفت انتباهي أنّ كلمة فرع “صمود” بلندن ألقاها أحد شباب الثورة –شمس الدين عباس خليل. نراهن على الشباب لأنهم نصف الحاضر وكل المستقبل.
فضيلي جمّاع
لندن
03/02/2026

عن فضيلي جماع

فضيلي جماع

شاهد أيضاً

ﺗﺬﻛّﺮت

ﻓﻀﻴﻠﻲ ﺟﻤّﺎﻉﻣﻘﻄﻊ ﺷﻌﺮﻱﺗﺬﻛّﺮت ..ﺃﺫﻛﺮ ﺃﻧِّﻲ ﺗﺬﻛّﺮت ﺃﻣﺴﻲ! ﻓﺄﻋﻄﻴت ﻧﻔسي ﻭﻋﺪا:ﺳﺄﺳﻜُن ﺩﺍﺭﺍً ﺟﺪﻳﺪﻫْ ﻭﺃﺭﻛب ﻇﻬﺮَ ﺍﻟﺮّياح …