العودة الى بسطام

عثمان محمد صالح
osmanmsalih@hotmail.com

بعد غياب عن السودان دام طويلاً هبطت بي الطائرة في مطار الخرطوم في ساعات السحر في مايو 2009. وما أن غادرتُ جوف الطائرة ووقفتُُ على درجها حتى غمرتني أنوار المطار الجاثم في العتمة، وتناهت إلي بوضوح أصوات عمال الشحن والتفريغ في الأسفل وهم يتجادلون في شأن ما يعنيهم بلغة عامة أهل السودان فاقرورقت عيناي بالدموع وتملكتني رغبة شديدة في الصلاة على أرض هذا المطار.

بعد اكمال إجرا ء ات الدخول وختم الجواز لمحت نفراً عزيزاٗ من أهلي المقيمين في الخرطوم بانتظاري وهم يلوحون لي بحرارة من مكان عال وأنا في صالة الأمتعة تائهاٗ محتاراً أدفع أمامي حقيبة السفر. هبط أهلي من مكانهم العالي وتحلَّقوا حولي واحتفوا بمقدمي واصطحبوني معهم إلى خارج المطار وانطلقت بي عربتهم في شوارع الخرطوم الساكنة ضعيفة الإنارة. كانت الخرطوم تتهيأ لصلاة الفجر بعد أن نفضت عنها غطاء الظلام حين وصلنا إلى عمارة سكنية في حي أبو آدم
حيث امضيت في ضيافة أهلي ثلاثة أيام صرفتها في زيارات متصلة شملت بقية أقاربي المنتشرين في الخرطوم، ثم ركبت البص من الميناء البري الى مسقط رأسي في حلفا الجدبدة. تَعَرَّج مسار البص المسرع في بحثه عن مخرج من متاهة الخرطوم. سلك البص عدّة شوارع قبل أن يستقيم مساره على شارع مدني الذي اندفع فيه ينهب الأرض بلاتوقف حتى بلغ بنا نقطة التفتيش في سوبا جنوب شرق الخرطوم. وبعد وقفة في التفتيش دامت نحو نصف الساعة استانف البص سيره وتجاوز الباقير ثم بتري وقد أطلق له السائق العنان فأخذ يرمح وعلى جانبي الطريق المسفلت ترآت لافتات تشير إلى عبورنا للعديد من قرى الجزيرة وبلداتها. تتوالى أسماء المناطق على اللافتات: جياد، المسعودية، النوبة، المسيد، حيث توقف البص لبعض الوقت، التي، أبوعشر، التكينة، الكاملين، الحصاحيصا، حيث افترقت العربات المسافرة إلى سنار، بينما استأنفت بصنا طريقه إلى مدني حيث نقطة التفتيش ومفترق الطرق. فمن العربات ما اتجه يميناً إلى النيل الأبيض، بينما اتجه بصنا الى اليسار صوب القضارف عبوراً بالشبارقة ثم الفاو. ومن بين مساكن قرى الجزيرة أطلَّت مساجد يغلب عليها اللون الاخضر وقِباب لشيوخ من المتصوفة المبجلين في تلك النواحي، قِباب مهيبة كأنها بيوض عملاقة وضعتها في العراء طيور منقرضة واضرحة يحيطها السكان المحلِّيون بآيات التعظيم، وجوامع حسنة المنظر مرتفعة المآذن مزيَّنة بطلائين أبيض وأخضر تدور حولها، أعني الجوامع والقباب والاضرحة، حياة الناس في هذا البلد المسلم.

تقدَّم الزمن فأخذت الشمس تصعد في قبة السماء كأنها نذير. وشيئاً فشيئاً بدأنا نشعر بالحرارة ترتفع داخل البص برغم جهاز التبريد الذي أداره السائق. للتخفيف من وطأة الحر مرَّ مساعد السائق وهو يوزع على المسافرين مشروباً مثلجاً وبسكويتاً. كلما أوغل البص في سيره مباعدا الشقة بيني وبين الخرطوم تنفست الصعداء. كنت كمن ينزاح عن كاهله حمل ثقيل.

في المسافة بين الفاو، حيث توقفنا لبعض الوقت لتناول الطعام وأخذ قسط من الراحة، والقضارف تغلغلت في البص نسمة لطيفة تائهة في ذلك اللفح العظيم من السَمُوم ، لفح تتفطر له الأرض، يكتم الأنفاس وتئن منه ماكينة البص الذي يقلنا. انعشتني النسمة وسرى في بدني بفعلها خدر لذيذ فاستغرقت في نومة عميقة طوَّحت بي ارجوحتها بعيداً في الماضي. وفي اثناء نومي عبر البص بالقضارف والشوك والشجراب وتوقف قليلا في خشم القربة. حلمتُ بحلفا الجدبدة في أواخر الثمانينات حينما كانت بلدة صغيرة وادعة تنام كالأطفال في أول المساء، هادئة تدور فيها عجلة الحياة بتثاقل واتئاد. ففي نحو الساعة الثالثة ظهراً ينفضُّ سامر السوق في البلدة فيلملم الباعة معروضاتهم، ويعود الموظفون والعمال وطلاب المدارس أدراجهم إلى البيوت، وتغلق معظم المتاجر والمحلات ابوابها، ينسحب أهل القرى نحو قراهم بالتدريج ويخلون المشهد الطبيعي لساكني المدينة وحدهم. تتوقف حركة النقل بين القرى المنتشرة في أنحاء المشروع الزراعي والمدينة التي تمثل القلب النابض بالحياة حيث المجلس البلدي، مؤسسة حلفا الجديدة الزراعية، مكتب البوستة، مكتب الضرائب ومكتب الشرطة، المدارس الثانوية : الأكاديمية والتجارية والصناعية والزراعية، الداخليات التابعة للمدارس الثانوية، مستشفى حلفا الحكومي، مطاحن الغلال، قشَّارة الفول السوداني، حظيرة الانعام، محلج القطن، محط القطار، الكنيسة، أحياء حلفا المدينة بأسمائها : حي السكة حديد، حي الثورة، حي الري، حي عثمان، وحي الجبل والكمبو الممتد وراءهما، وحي مِيَّة على اربعة، البنك الزراعي والتجاري، مواقف عربات قرى الحلفاويين، السينما الوطنية والشرقية، فندق التوفيقية، مسجد السوق، قهوة عبدو مترجم وقهوة الملتقى، محل الخيرات لبيع الفواكه، دكاكين قرناص، دكان سري جريس، سوق اللحمة والخضار، دكان عبد الحميد بيرم، محل الموبليا المجاور لسوق اللحمة والخضار، حلواني الملتقى، دكاكين الأدوات المنزلية، موقف البصات واللواري التي تسافر في شتى الإتجاهات: عطبرة وكسلا وأم شديدة والخرطوم، وقرى العرب وبلادهم كستة عرب وقفلة وشلكي والرتاجا وغيرها، استديوهات التصوير الشهيرة الثلاثة : البربري وشعبان قرناص والذكريات.

قادماً من القرية خمستاشر، بسطامي، ترجَّلت في عام 1988 من بِرينسة عمنا عبد الله صادق في موقف ملتقى القرى بسوق حلفا مرتدياً بنطالآً أبيض اللون وقميصا أسود اللون طويل الأكمام، كث الشعر فقد كانت التَفَّة المكوَّرة التي تحجب النصف العلوي من الأُذنين صرعة ذلك الزمان، نحاكي بها إخوة لنا أفارقة أمريكين يعيشون هناك فيما وراء المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات كما أسماه العرب قديماً.

طويتُ كشكول سوق حلفا الصغير طيَّاً ومسكتُ الرَدْمِيَّة الممتدة في آخره متجاوزاً دكانا لعماري الكيف وعدد من المحلات التي تتوقف في ظهرها اللواري التي تحملك إلى قرى العرب وحَلاَّلهم و فيما وراء كل ذلك تتوقف البصات المسافرة للخرطوم أشرينكيل واخوانه، و غير بعيد من هذه البقعة ترى البَكاسي التي تقلُّك إلى مستشفى حلفا. مشيت على طرف الردمية وهي الطريق المعلَّى بالتراب المختلط بالحجارة الصغيرة الملساء التي يدعونها في السودان بالزلط. تخطيت محطة الوقود على يساري، ومبنى البنك الزراعي على يميني حتى بلغت نهاية الرَدْمِيَّة تاركاً المدرستين الثانويتين الأكاديمية والتجارية على يساري، وحي عثمان على يميني. مررت بجوار داخلية المدرسة الأكاديمية الجاثمة في عبوس ببناياتها القديمة المتقشرة الطلاء، ثم دخلت حي الجبل حيث يسكن جدي صبري حسن محمد واسرته. بلغتهم في ساعة القيلولة فوجدت الأسرة مجتمعة بعد تناول الغداء تحت شجرة النيم الظليلة القائمة في أول الحوش. تلقَّوني بحرارة وافسحوا لي في مجلسهم وأحضروا لي طعاماً. ثم سألني جدي: رجعت بدري من الخرتوم، الجامعة قفلت ولا في اضراب؟
فاجبته :لا دا، لا داك،. خلَّيت الجامعة، زهجت منها وملَّيت من الخرطوم.
كيف الكلام دا؟ سألني جدي.
بحكي ليكم بعدين، خلوني آكل لي لقمة. مُهَوِّي شديد. فتركوني أتناول غدائي دون أن يحاصروني بمزيد من الاسئلة. فرغت من طعامي واتبعته بكوب من الشاي الأحمر الصاموتي الذي يعدل المزاج.

كنت بالفعل قد تركت الجامعة ومعها الخرطوم لما عانيته فيها من انعدام الاستقرار، متنقلاً كالبدوي حاملاً حقيبة ثيابي، فبرمت من كل شيء، وسألت نفسي: هل في مقدوري إكمال الدراسة مع مثل هذا الترحال من دار إلى دار؟.. تاركاً الجمل بماحمل عدتُ إلى مسقط رأسي، إلى المكان القادر على قضَّ مضجعي كلما بعدت عنه. أحِنُّ إلى حوش بيتنا القديم تغمره امطار الخريف المتوحش في البطانة وانا مرابط في البرندة ارقب مشهد البلل العظيم. أحنُّ إلى ظلام البطانة البهيم، الى جولاتي في البراري هرباً من سموم القيظ الدابغ وبحثاً عن ساعة من السكينة والصفاء. أحِنُّ إلى ذلك الطريق الذي يقودني لزيارة الموتى في مقابر قريتي. أتمنى عندما تأتي ساعة الحقيقة، ويحين الأجل، ويسترد الخالق وديعته أن يُكتبَ على شاهد قبري: هنا يرقد عثمان ود محمد صالحين وسعيدة أحمد طه الذي أحبَّ وطنه حباً حجب عنه جمال ما رآه في المهاجر.

استانفت عملي مع جدي صبري في أستديو الذكريات. مضت الشهور تتابع في رتابة حتى جاء يوم أبلغني فيه الشيوعيون بأن عليَّ الاسراع في الوصول إلى الخرطوم ومنها إلى بلغاريا لاتمام دراستي الجامعية هناك. كان ذلك في سبتمبر 1988 والخريف المدمرعلى أشدِّه بحكم بامطاره المتدفقة الحصار على حلفا الجديدة فخرجت من بسطام بشق الانفاس. كانت الطرق موحلة وقد انقطعت في القرية خمستاشر عن العالم لأيام ثلاثة، لكنني تمكنت من الوصول إلى سوق حلفا بعربة لاندروفر تتبع لمصلحة الري. أمضيت ليلتي الماطرة تلك في بيت جدي في حي عثمان. وفي الصباح الباكر حملني الباص نحو خشم القربة التي وصلناها في منتصف النهار خائضين في الأوحال ننزل من البص تارة ونصعد اليه تارة أخرى وهو يزحف ببطء في طريق لزج وخطر معتلياً قيف الترعة الكبيرة حتى التحمنا بالطريق القومي المسفلت في خشم القربة.

عند انعطافة البص في خشم القربة حيث يتقاطع طريق القضارف كسلا مع طريق خشم القربة حلفا الجديدة أيقظتني من النوم هزة قوية مصدرها حفرة في الأسفلت لم يتنبه لها السائق وهو ساهٍ فتعثر فيها البص وهو على مرمى حجر من بسطام.

عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا،

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

طيف من البطانة

osmanmsalih@hotmail.comطيف من سهل البطانة بين الفينة والأخرى يلوح لي طيف محمد كُوكُو مجلجل القهقهات كأنها …