النظام السياسي الاسلامي (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة النظم الاسلامية
النظام السياسي الاسلامي (2)
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmiail.com
مقدمة: في المقال الأول من هذه السلسلة ،تناولنا مفهوم النظام السياسي في الاسلام، والسلطات المكونة له: السطة التنفيذية ،والتشريعية ،والقضائية، وطبيعة النظام السياسي والادلة التي توجب القيام به ،واهم القواعد العامة المتعلقة بهذا النظام، الى غير ذلك من التفاصيل المتعلقة بتلك القواعد.
وفي المقال الثاني الذي بين يدي القاريء ،نستعرض العلاقة بين الحاكم والرعية،والاساس الشرعي لها.وتتبعنا هذه القضية في القرآن والسنة النبوية،وتطبيق الخلفاء الراشدون لها،ثم عرضنا لتلك العلاقة في العهد الاموي والعباسي، وما تلاها من عصور سلطانية ،وحدود طاعة الحاكم عند العلماء أنذاك، وعلاقة الطاعة بالاستبداد في التاريخ الإسلامي، ثم تناولنا النظم الاسلامية في الدولة السلجوقية ،والدولة العثمانية ومدى تمثيله للنظام الاسلامي، ومواطن اختلافه عن قيم الاسلام.وانتهينا بسقوط الخلافة العثمانية، وما اعقبه من نشأة الدول العربية الحديثة،ومدى التزامها او بعدها عن القيم السياسة الاسلامية.ثم تناول المقال لظاهرتي الصحوة الإسلامية،والمدارس السلفية، ونظرتهما الى العلاقة بين الحكام والرعية.مع التركيز على طائفة الجامية او المدخلية.
العلاقة بين الحاكم والرعية (2)
في مقابل تحمل الحاكم لمسؤلياته وأدائه لواجباته،تقابله الأمة بالطاعة في غير معصية الله تعالى.والخضوع للأوامر والتوجيهات الصادرة من الحاكم ،باعتباره وكيلا للأمة في تدبير أمورها ورعاية مصالحها في الدنيا، ،وهي مشروطة بأن يكون ولي الأمر ملتزماً بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية،عاملاً على انفاذها،وأن يحكم بالعدل بين الناس، من غير تمييز بين الرعية ،او تقديم فيئة على أخرى،او تفضيل طبقة على ما عداها.وأن لا يأمر ولي الأمر بمعصية،أو ما يخالف الشرع الإلهي.وهكذا فإن طاعة الأمة للحاكم ليست طاعة عمياء،وإنما طاعة عن وعي واختيار حر.
وقد كانت ولازالت علاقة الحاكم بالرعية موضع خلاف بين المسلمين ،.فحدود طاعة الحاكم في الإسلام قضية مركزية في الفقه السياسي الإسلامي، وقد تناولها العلماء عبر نصوص القرآن والسنة وتجارب التاريخ. ويمكن تلخيصها في مبدأين رئسيين:1-وجوب الطاعة في المعروف .2-تحريم الطاعة في المعصية والظلم.
أولاً: الأساس الشرعي لطاعة الحاكم..
1- القرآن الكريم: قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾،النساء: 59. ففي هذه الآية ،يلاحظ أن الأمر بطاعة أولي الأمر، لم يُصِغْه القرآن بلفظ مستقل، بل جعله تبعاً لطاعة الله وطاعة الرسول، مما يعني أن طاعة الحاكم ليست مستقلة عن الشرع بل مقيدة به.كما أن الآية تنص على المخرج اذاحدث نزاع بين الحاكم والرعية، وذلك بأن يرد النزاع الى اتباع ما امر الله به ،وما امر به الرسول عليه الصلاة والسلام ، أي أن الحاكم لا يُطاع إذا خالف نص القرآن، وما ورد في السنة النبوية.
2- السنة النبوية: تؤكد السنة النبوية ما ورد في القرآن الكريم من وجوب الطاعة وضوابط ممارستها، كما في قوله ﷺ: إنما الطاعة في المعروف». وقوله ﷺ:لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»وقوله ﷺ: من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر… إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان”. ويفهم من نصوص القرآن والسنة- ـأن الطاعة مشروطة بالمعروف.ولا تُطاع السلطة في المعصية أو الظلم الصريح. وأن الخروج المسلح له شروط مشددة، لكن هذه الشروط لا تلغي حق الرعية في الإنكار والمقاومة السلمية.
ثانياً: ماذا يعني “المعروف”؟ توافق العلماء على أن المعروف يشمل:
1-كل ما يحقق المصلحة العامة من إقامة العدل، وحفظ الأمن، وتنظيم شؤون المجتمع، وجمع الضرائب العادلة، الى غير ذلك من المسائل التي يقوم عليها صلاح المجتمع.
2-كل ما لا يخالف نصاً شرعياً: فإن أمر الحاكم بما يُخالف الشرع لا يطاع، بل يحرم تنفيذ أمره.
3-كل ما لا يتضمن مظلمة مباشرة، كالاستيلاء على الأموال، والقتل بغير حق، والاعتقال التعسفي، أو أي أمر يستند إلى طغيان أو يترتب عليه فساد.
تطور مفهوم الطاعة من الخلافة الراشدة إلى العصور السلطانية.:
مر مفهوم الطاعة والالتزام بما يأمر به الحاكم في الإسلام بعدة مراحل، منذ عهد الخلافة الراشدة، وحتى العصور السلطانية التي تلت تلك الفترة. وهناك عدة عوامل سياسية وفقهية ادت الى تطور هذا المفهوم واعادة تشكيله ،ومن بين هذه العوامل:
أولاً: الطاعة في عهد الخلافة الراشدة (11–40هـ): كانت مشروطة ومقيدة، وليست مطلقة.
1-مرجعيتها العقدية والسياسية: كانت الطاعة للحاكم قائمة على البيعة الاختيارية ورضا الأمة. وقد جاء الخطاب القرآني-كما سبق ان اشرنا- شديد الوضوح في تأكيد طاعة ـأولي الامر:«أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» — والفقهاء الراشدون فهموا “أولي الأمر” بوصفهم ممثلين للعدل والشورى، لا مستبدين.
2-حدود الطاعة في عهد الراشدين: الطاعة كانت أقرب إلى “التعاقد السياسي ليست مفروضة بالغلبة، بل قائمة على المشاركة والمسؤولية،ومن ثم ” لا طاعة في المعصية ،كما ورد في حديث النبي ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وقد طبق الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم ،مضمون هذا الحديث عملياً،كما نبين فيما يلي:
أولاً: موقف الخليفة أبو بكر الصديق من طاعة الرعية، يتمثل في مبدأ الطاعة المشروطة بالحق، وأهم نصّ يُروى عنه في ذلك،خطبته إبان توليه الخلافة، والتي ورد فيها:”أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”. فبقوله هذا يؤسس الخليفة ابوبكر لمبدأ أن الطاعة ليست مطلقة، بل مشروطة بالالتزام بشرع الله والعدل.وفي نص آخر رفض أبو بكر الاستبداد والانفراد بالقرار،كما حاول نفي شرعية الاستبداد أو طلب الحكم للدنيا، ما يجعل الطاعة له نابعة من الرضا لا القهر.””والله ما كنتُ حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة، ولا سألتُها في سرٍّ ولا علانية.”،ومن أشهر أقواله للناس،موجهاً الرعية الى دور رقابي فعّال، يفتح باب معارضة الحاكم إن تجاوز.”إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوّموني.”وفي نص آخر يربط الطاعة بالعدل وحق الرعية في مواجهة تغوُّل السلطة أو الأقوياء، وعدم أخذ الأموال بالباطل”: القويُّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجع إليه حقَّه.”
ثانياً: ـأما الخليفة عمر بن الخطاب فقد ورد من اقواله ما يفيد شرعنة المعارضة السياسية، بل والمعارضة القوية إن انحرف الحاكم.وحث على قبول المحاسبة وحق المعارضة، كما ورد في خطبته قائلاً :أيها الناس، من رأى منّي اعوجاجاً فليقوّمه.”فرد عليه احد الصحابة قائلاً: “والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا، فلم يغضب عمر، بل رد عليه مستحسناً قوله”:الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر.” واتحذ موقفاً سلبياً من الطاعة العمياء ،واكد على حق الأمة وواجبها في النقد،فقال قوله المشهور:”لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها.” ومن أقوال عمر المشهورة:”لو عثرت بغلة في العراق لخشيتُ أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر؟”.
وهكذا فإن مبدأ الطاعة عند أبي بكر وعمر يقوم على 4 ركائز:1-الطاعة مشروطة بالالتزام بالعدل والحق.2-من حق الرعية محاسبة الحاكم وتقويمه.3-لا طاعة في المعصية أو الظلم.4-مشروعية المعارضة السلمية بل والقوية إذا انحرف الحاكم.
فهذا النموذج يُعدّ من أهم الشواهد في الفكر السياسي الإسلامي على أن الطاعة ليست مطلقة، وأن الحاكم محكوم بالقانون الشرعي ومحاسب أمام الأمة .وفي نص آخر يقول عمر :”. والله ما أخذتُ على المسلمين إلا بالحق، وما وليتُ أحداً لمولى إلا ظننت أنه خير له، وما أخذتُ منهم مالا إلا من فيئهم إلا ما كان من نصيبي من الفيء”، وقد وردت العبارة في سياق دفاعه عن نفسه في مواقف يُتهم فيها بالترف أو جباية الأموال، مؤكداً أنه لا يأخذ إلا حقاً، ولا يولي إلا من يظن فيه الخير للمسلمين، كما يتضح من مواقف عمر بن الخطاب التاريخية، وحكمه بالعدل والشورى. : وهذه العبارة هي تذكير بأهمية النزاهة والعدل في الحكم والقيادة، وأن القائد المسلم يجب أن يكون هدفه مصلحة الأمة، لا أهدافه الشخصية، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، ومن بينهم الفاروق عمر.
ثالثا ً: اما الخليفة عثمان ” فقد شكّلت مواقفه استمراراً للنهج الذي أسّسه القرآن وسنّه الرسول ﷺ ،وسار على نهجه أبو بكر وعمر في جعل الحاكم مسؤولاً أمام الأمة وفق ضوابط الشريعة. فقد أكّد عند بيعته، التزامه بنهج النبي ﷺ وصاحبيه، وهو ما عدّه المسلمون عقداً يحدد مسؤوليات الحاكم ويرسم حدود طاعته.وقد اعترف بمسؤوليته أمام الأمة، وأن الحاكم مُحاسَب أمام الناس وأن تولية الولاة تخضع لضوابط الشرع والمصلحة العامة.وأن النية وحدها لا تعفي الحاكم من المسؤولية إن ظهرت منه أخطاء أو تجاوزات.و لم يَعتبر عثمان طاعة الحاكم طاعةً مطلقة، بل أكّد – في عدة خطب – أن الطاعة تجب ما دام الحاكم قائماً بالعدل. وحين احتجّ عليه بعض الصحابة في شؤون الولاة، لم يستنكر اعتراضهم، بل فتح باب المراجعة والنقد، مما يدل على إيمانه بأن الطاعة ليست إلغاءً للرأي،وأن النصيحة واجبة للحاكم، وقد تُقدّم بصيغة نقد حاد حين تتطلب الظروف.
وقد واجه عثمان أكبر أزمة سياسية في تاريخ الخلافة الراشدة، لكنه رفض استعمال القوة المفرطة لردّ المعارضين، وقال كلمته الشهيرة:“لا أكون أول من يفتح باب الفتنة بسفك الدماء”،وهنا يظهر بجلاء إدراكه لحدود قوّة الحاكم، فالقوة قد تكون متاحة لكن ليس كل متاحٍ مشروعاً شرعياً أو سياسياً .
رابعاً: الخليفة علي رضي الله عنه: قد أكد الخليفة علي، على مرجعية الأمة،والمشورة، والرضا في تولية الحكام . فعند توليه الخلافة، قال في خطبته الأولى:“إنّ بيعتكم إياي لم تكن فلتة، بل كانت عن مشورة منكم، وإني لستُ بخيركم ولكنكم اخترتموني.” ،وبهذا يرسّخ علي رضي الله عنه، مبدأ: أن شرعية الحاكم مبنية على رضا الأمة.وأن الإمام ليس فوق الأمة، وإنما هو خادمٌ لها.وان الحاكم مسؤول أمام الشريعة و أبرز ما يُظهر هذه الرؤية ، قوله في نهجه المعروف: “إنما أنا وأنتم عبدٌ مملوك لربّي، لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا”. وقال أيضاً مخاطباً أحد الولاة: “إن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة في عنقك ..” وبهذا يضع علي معادلة واضحة: الحكم تكليف لا تشريف،والسلطة أمانة لا امتياز،والطاعة لديه مشروطة بالعدل. وفي أحدى خطبه قدم علي رضي الله عنه ،صياغة مبكرة لمبدأ “الطاعة بالمعروف” ، حيث قال: “لا خير في طاعةٍ في معصية الله”، وبذلك قيّد الطاعة بضوابط الشريعة،وأسقط الطاعة إن أدّى الأمر إلى الظلم أو الفساد،ومنح الأمة حق نقد الإمام ومراجعته.
وقد نجح علي رضي الله عنه في إدارة المعارضة والمخالفين، فمع اتساع المعارضة في عهده — من أصحاب الجمل وصفين والخوارج — رفض سياسة القمع الشامل، وفضّل الحوار، قائلاً: “لهم علينا ثلاث: ألا نمنعهم مساجد الله، ولا نمنع عنهم فيئًا ما دامت أيديهم معنا، ولا نبدؤهم بقتال.” فهذا المبدأ يبيّن،أن حرية التعبير السياسي كانت قائمة في رؤية علي،وأن الحاكم لا يملك مصادرة حقوق المعارضين دون موجب شرعي.
ومثل علي نموذج الامام الضامن للعدل ،كما ورد في موقفه مع احد اليهود في قضية الدرع الشهيرة، حيث جلس ،الحاكم (علي) واليهودي، أمام القاضي شريح، فحكم شريح لليهودي بان الدرع له لعدم كفاية البيّنة،فلم يكن من علي (الحاكم)، الا قبول الحكم ، ولم يستعمل سلطته لنقضه، مجسّداً مبدأ:خضوع الحاكم للقضاء.وتساوي الجميع أمام القانون.
من خلال تلك النماذج للخلفاء الراشدين الاربعة ، يمكن رسم الخطوط الكبرى لمفهوم مسؤولية الإمام في التجربة الراشدة: والمتمثلة : في أن السلطة عقدٌ بين الأمة والحاكم، لا امتيازاً شخصياً، وـأن الطاعة مرتبطة بالعدل، وليست مشروطة بوجود القوة لدى الحاكم.وان مبدأ النصيحة والمحاسبة كان قاعدة، وليس خروجاً على الحاكم، وأن تشريع الاختلاف وإدارة المعارضة بالحوار كان سلوكاً أصيلاً، وأن التزام الحاكم بالقضاء والشريعة علناً ،يعكس فكرة “الحاكم المقيَّد لا المطلق”.
طاعة ولي الامر في العصر الأموي (40–132هـ): يمثل العهد الأموي بداية الانزياح عن فترة الخلفاء الراشدين: فبعد انتقال السلطة إلى نظام الملك الوراثي في العهد الأموي ،تغيّر مفهوم الطاعة جذرياً.فشرعنت الغلبة، وتحوّلت البيعة إلى إجراء شكلي،وأصبح استقرار الدولة مقدَّماً على حق الأمة في الاعتراض.واستُحضرت أحاديث مثل: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»— مع أن أغلب المحدثين اداروا حول هذه الاحاديث جدلا قوياً، لكن السلاطين استخدموها لتكريس الطاعة المطلقة، وتحوّل العلماء إلى “وعّاظ السلاطين” أو “معارضة صامتة”: وظهر اتجاه يفضّل ،الصمت درءاً للفتنة. وقد قاوم بعض أعلام تلك الفترة:(مثل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير) التوجه الى الصمت،وجهروا بمواقفهم الجرئية امام الخلفاء،ولكن خطاب السلطة تغلّب، وأصبحت “الفتنة” ذريعة لتجريم المعارضة السياسية.
الطاعة في العصر العباسي وما تلاه من عصور سلطانية (132هـ فصاعداً):في هذه الفترة الممتدة، بلغ مفهوم الطاعة ذروته،وتحول من قيمة أخلاقية،الى أداة سياسية.كما يتبين فيما يلي:
1-. التنظير الفقهي لـ”طاعة السلطان”: ظهر فقه سياسي جديد (الماوردي: 364 – 450هـ / 974 – 1058م ،و الجويني : (419-478هـ / 1028-1085م ، والغزالي 450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م .)، يقوم على شرعية المتغلب ،وان من غلب بالسيف صار إماماً ، وتقديم درء الفتنة على العدل، وتحريم الخروج مهما بلغ الظلم. وهذا التحول أنتج “فقه طاعة”، يخدم النظام السلطاني أكثر من كونه انعكاساً للخلافة الراشدة.
2-موقف المؤسسة الدينية الرسمية: أصبح العلماء تابعين للدولة (القضاء، الأوقاف، المناصب الدينية)،فنشأ تلازم بين “الدين” و“السلطة”، عزز الطاعة السياسية.
3-كما ظهر التصوف كبديل روحي،فأدى الى انسحاب كثير من العلماء والزهاد من المجال السياسي، وهذا أضعف تقليد المحاسبة العامة للمسؤولين.
ونتج من هذا التحول التاريخي،تحول الطاعة من طاعة مشروطة إلى مطلقة،وأصبحت قرينة للإيمان، لا للعقد السياسي.مما ادى الى اختفاء مفهوم “مراقبة الأمة للحاكم”:وحلّت مكانه فتاوى الطاعة والخضوع،وتغوّل السلطة على الدين. وبينما الخلفاء الراشدون خضعوا للنقد،نجد ان السلاطين في الدولة الاموية والعباسية وما اعقبها من سلطنات ،فرضوا الطاعة باسم الدين، فنتج عن هذا وعي جمعي يقبل الاستبداد،خاصة مع تكرار خطاب “الفتنة”، و“حرمة الخروج”، ووجوب السمع والطاعة”.فالطاعة في الخلافة الراشدة عقد سياسي أخلاقي يقوم على الشورى والمحاسبة.بينما شهد العصر الأموي والعباسي وما بعدهما، بداية تسخير الدين لصالح السلطة وتقديس الطاعة.
ثالثاً: حدود طاعة الحاكم لدى علماء تلك الفترة:
أ – الإمام أبو حنيفة: يرى أن للحاكم شرعية قائمة على العدل.وايد رأيه، بدعمه للثورات ضد الحكام الظلمة (كحركة زيد بن علي)، مما يدل على أن الطاعة عنده ليست مطلقة. وحركة زيد بن علي بن الحسين كانت ثورة سياسية-فكرية قامت في الكوفة سنة 122هـ، وكانت موجهة ضد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (حكم في الفترة :105–125هـ). والسبب المباشر للثورة:رفض زيد لسياسات هشام، خاصة الظلم السياسي ،والتمييز ضد آل البيت، وإضعاف العدالة في الدولة. وبعد خروجه بالكوفة، تخلّى عنه كثير من أنصاره (الكوفيين) في اللحظة الحاسمة، حيث قاتل مع قلة منهم، حتى قتل.وأمر والي هشام بصلبه على باب مدينة الكوفة، وتولّد لاحقاً عن حركة زيد،ما يعرف بالشيعة الزيدية في اليمن.وتبدو اهمية ثورة زيد انها طرحت مبكراً نموذجاً مختلفاً للإمامة يقوم على أحقية آل البيت في الخروج على الظالم،بشرط ان يتوفر فيهم العلم والعدل لا العصمة، وهو ما ميز الزيدية عن بقية الفرق الشيعية.”” «ولكنهم اضافوا شرط للامام “أن يخرج على الناس، شاهراً سيفه»، وهو الأمر الذي يعني أن المشروعية لا تأتي للحاكم أو الإمام إلا من خلال التغلب بالسيف، أي رفض الوصول للمنصب بالشورى ورضى الناس.
ب – الإمام مالك:اما الامام مالك فقد أفتى بأن من بايع مُكرهاً فبيعتُه غير ملزمة،كما رفض طاعة الحُكّام الظلمة الذين يغتصبون الأموال.وتعد فتوى الامام مالك من أخطر الفتاوى في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي؛ إذ ترتبت عليها آثار سياسية واجتماعية كبيرة في عصره وما بعده. فقد وظفت الفتوى في حركة محمد النفس الزكية (145هـ)،عندما ثار ضد الخليفة العباسي المنصور،واعتبر أن بيعة العباسيين انتُزعت بالإكراه والقوة ،وانتشرت الفتوى بين أنصار الامام مالك في المدينة باعتبارها سنداً شرعياً للتمرد على سلطة “غير شرعية”، مما ادى إلى توتّر شديد بين الإمام مالك والسلطة العباسية، الامر الذي عرضه للعقوبة بحسب المصادر التاريخية، فقد قام والي المدينة جعفر بن سليمان بجلد الإمام مالك بسبب هذه الفتوى.بهدف منع انتشار الرأي الذي يُسقط شرعية البيعة للخلفاء العباسيين.وقد أصبحت فتوى مالك من أهم النصوص الفقهية التي تؤكد أن الشرعية السياسية تقوم على الاختيار الحر لا على القهر.واعتمد عليها لاحقاً عدد من العلماء مثل:ابن حزم، وأبو بكر الباقلاني، وابن خلدون (الذي أكد أن البيعة عقد مراضاة لا يصح بالإكراه)، وأصبحت مرجعاً لمن يرفضون طاعة الحاكم الظالم أو المغتصب للأموال.كما ولّدت الفتوى توازناً جديداً في الفكر السياسي، حيث:عززت موقف من يرون مقاومة الظلم جائزة، وأضعفت خطاب الفقهاء الموالين للسلطة حول الصبر على ظلم الحكام.
وترتب على فتوى الامام مالك، مجموعة مبادئ أصبحت لاحقاً قواعد أساسية في الفكر السياسي الإسلامي. من بينها: ان الشرعية لا تُبنى على القهر،وأن الطاعة مشروطة بالعدل وعدم الظلم،وأن أخذ الأموال بالغصب يسقط العدالة والشرعية،وأن الفقيه مستقلّ عن السلطة وعليه مقاومتها ،حتى لو أدى ذلك إلى تعرضه للأذى.
وهكذا فإن فتوى الإمام مالك لم تكن مجرد رأي فقهي، بل كانت محطة فارقة أثّرت في:علاقة العلماء بالسلطة.ومفهوم البيعة الشرعية، وحركات المعارضة والثورات. وبناء الفكر السياسي الإسلامي القائم على الرضا والعدل.
ج: الامام الشافعي:وقد تبع الإمامين ابوحنيفة ومالك عدد من الائمة،كالإمام الشافعي (ت 204هـ) الذي يتسم موقفه من طاعة الأئمة بالاعتدال والدقة الفقهية، ويقع في منزلة وسطى بين التشديد على الطاعة المطلقة وبين إجازة الخروج السياسي، وهو موقف يتأسس على ضبط الشرع للسلطة لا تقديسها، ويؤكد الشافعي القاعدة النبوية:«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ويصرّح في كتابيه “الرسالة” و “الأم”، بأن:الإمام لا يُطاع إذا أمر بمعصية ،ولا تلزم طاعته إلا فيما وافق الشرع.وهذا يعني أن الشرعية عنده ليست سياسية محضة، بل شرعية أخلاقية.
والإمام الشافعي لا يقرّ الخروج المسلح على الأئمة الجائرين، لكنه:لا يشرعن الظلم ،ولا يمنح الحاكم حصانة دينية،وموقفه هنا قريب من جمهور فقهاء أهل السنة:فدرء الفتنة وسفك الدماء مقدّم على الخروج المسلح،مع الإبقاء على واجب الإنكار والنصح ,فهو اذن يميّز بين:تحريم الخروج،وعدم الرضا بالجور.
د) الامام احمد بن حنبل :اما الإمام احمد بن حنبل (ت 241هـ) ، فقد كان موقفه من طاعة الإمام وعدم الخروج عليه من أكثر المواقف التي أسيء فهمها أو استُعملت انتقائيًا. فقد جمع بين تحريم الخروج المسلح على الحاكم لما يترتب عليه من مفاسد، وبين رفض الظلم والبدعة وعدم إضفاء شرعية على الجور. فيرى الإمام أحمد أن وجود إمام – ولو كان جائرًا – خير من الفوضى والاقتتال، ولذلك كان يميل إلى منع الخروج المسلح لما يترتب عليه من سفك للدماء وفساد أعظم . ومن اقوله المشهورة:الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل،وكان يقول في باب السياسة الشرعية:”الصبر على جور الأئمة خير من الخروج عليهم”، وهذا مندرج عنده تحت فقه المآلات لا تحت تزكية الظلم والخروج المسلح تحديدًا: فقد حرّم الإمام أحمد ،الخروج بالسيف على الأئمة، لا لأنهم محقون، بل لأن الخروج يؤدي غالبًا إلى قتل الأبرياء،وضياع الدين،وتمكين شر أعظم. وقد اثبتت التجربة التاريخية عنده ،فشل أغلب الثورات المسلحة. وقد ورد عنه:الخروج بالسيف قد جرّ على الأمة من الشر والفساد ما لا يعلمه إلا الله”، لكن هذا التحريم ليس مطلقًا من حيث المبدأ العقدي، بل سياسي فقهي مرتبط بالمفسدة.
ه)ابن تيمية:اما ابن تيمية فلم يكن “منظّرًا للاستبداد” بقدر ما كان أحد أكثر العلماء الذين جرى توظيفهم انتقائيًا لخدمته،ولم يستخدم غالباً مجمل مشروعه،بل أجزاء مبتورة من فتاواه وعباراته أُخرجت من سياقها التاريخي والسياسي كما يتبين فيما يلي:
:أولًا: انتزاع فتاوى “الطاعة” من سياقها الاستثنائي، فابن تيمية كتب معظم فتاواه السياسية في زمن انهيار شامل: غزو مغولي،وحروب داخلية، وتشرذم السلطة،وخطر الإبادة، لا مجرد الظلم.في هذا السياق قال عبارته الشهيرة: “ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة بلا إمام”،وقال:” من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم؛ كما هو من أصول أهل السنة والجماعة؛ وكما أمر به النبي ﷺ في الأحاديث المشهورة عنه حيث قال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) وقال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه)، إلى أمثال ذلك”.
كما قال قاعدته المشهورة:الولاية إنما مقصودها إقامة الدين وسياسة الدنيا به»، فإذا انقلبت إلى عكس مقصدها فسدت شرعيتها.
ثانيًا: قيّد ابن تيمية مسألة الخروج بقيود دقيقة،منها القدرة على الخروج ،والمآلات التي قد تؤدي اليها ،وعدم وقوع فتنة أعظم،,ووجود شوكة منظمة .ولكن النظم السلطوية حولت تحريم الخروج المسلح ،عند ابن تيمية إلى:تحريم أي معارضة،او احتجاج،وتحريم أي مساءلة ،وتسويق الطاعة كواجب شرعي مطلق،مع أن ابن تيمية:أقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وأجاز نقد السلطان،ومارس ذلك عمليًا، حتى سُجن وضُرب.
ثالثًا: إخفاء موقفه العملي من السلطة، فابن تيمية -في الواقع-رفض فتاوى تُرضي السلاطين،وسُجن مرات عديدة،وعارض الضرائب الجائرة،ووقف ضد تحالف الفقهاء مع السلطة ،وقال:”العلماء إذا فسدوا فسد العالم”،لكن الخطاب السلطوي:استدعى ابن تيمية “المنظّر”،وأقصى ابن تيمية “المقاوم”,واحتفى بالنصوص،وأخفى السيرة،أي: استخدام اسمه لا منهجه.
رابعًا: في العصر الحديث تحالفت السلفية السلطوية مع القراءة الانتقائية لابن تيمية ، فجرى تبسيط فكره،وعزله عن مقاصده،ودمجه في خطاب “السلفية الطاعنة في السياسة”،فأصبح:رمزًا للطاعة،لا رمزًا لمساءلة الحاكم الظالم ،ومرجعًا لإخماد أي حراك اجتماعي.وهنا التقت:السلطة السياسية ،والتيار الجامي أوالمدخلي المعاصر،وبعض المؤسسات الدينية الرسمية ـفي إنتاج “ابن تيمية المُروَّض”..فابن تيمية لم يُنتج فقه الاستبداد،بل أنتج فقه المآلات في زمن الإنهيار،لكن:الاستبداد استعار لغته،وانتزع أحكامه من سياقها.
حدود طاعة ولي الأمر عملياً: يمكن تلخيص الطاعة في أربع مستويات:
1–الطاعة الواجبة: فيجب طاعة الحاكم في أي أمر تنظيمي لا يخالف الشرع، وفي أحكام القضاء الشرعي أو المدني العادل، وفي سياسات الدولة العامة لحفظ الأمن والمصلحة، الى غير ذلك من القضايا التي تنظم امور المجتمع وحياة الناس ومصالح العباد.
.2-. -الطاعة الممنوعة (الحرام): إذا أمر الحاكم بمعصية صريحة،فلا يجوز طاعته فيما يأمر به، كأن يامر بقتل شخص من غير حق، أو ظلم الناس او التجسس عليهم،و انتهاك حرماتهم. فلا ينبغي الانصياع لأمر الحاكم في مثل هذه الأمور ،كما لا ينبغي اتباع امره او تنفيذ ما امر به من مصادرة حقوق الناس دون مسوغ.
3–الطاعة المكروهة أو المختلف فيها: إذا ما كانت الأوامر ظالمة، لكن لا تتضمن معصية محضة ،ففيها نظر: هناك من طلب تنفيذ أمر الحاكم، لاسيما اذا تبين ان فيها مصلحة عامة، وهناك من لم يوجب ذلك في مثل: الضرائب الثقيلة غير المبررة.
4-عدم الطاعة مع عدم الخروج المسلح: يجوز للمسلم الإمتناع عن تنفيذ أمر الحاكم الظالم،كما يجوز توجيه النقد لما يأمر به ، فضلاً عن المعارضة السلمية والمحاسبة. وذلك دون الدخول في فتنة مسلحة إلا بشروط محددة(كالكفر البواح).
وهكذا فيمكن القول بأن حدود الطاعة في الإسلام تتحدد بالآتي:إن الطاعة في المعروف فقط وأنه لاطاعة في المعصية،وأن الحاكم وكيل، وليس صاحب حق مطلق.وأـن المعارضة السلمية مباحة إذا حصل ظلم.بينما الخروج المسلح له شروط مشددة وضوابط، وأخيرا فإن الشرعية قائمة على العدل وحفظ المقاصد، لا على القهر.
علاقة طاعة ولي الأمر بالإستبداد في التاريخ الإسلامي:
أولاً: الطاعة في أصلها الشرعي: مبدأ للعدل لا للاستبداد، ففي الإسلام المبكر( عهد الخلافة الراشدة)، كان مبدأ الطاعة:1-مشروطاً بالالتزام بالحق والعدل.2-ومقيداً بقاعدة «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». 3- كما كان جزءاً من عقد سياسي يقوم على الشورى والمحاسبة والبيعة الحرة.بمعنى أن الطاعة لم تكن أداة لإسكات الأمة، بل وسيلة لتنظيم السلطة وضبطها.
ثانياً:في لحظة الانكسار والضعف، حدث تحول من الطاعة المشروطة إلى الطاعة المطلقة،وبدأ التحول مع التحوّل من الخلافة الراشدة إلى الملك الوراثي في العصر الأموي والعباسي وما اتى بعدهما من سلطات ،وما رافق ذلك من صعود الدولة المركزية القوية ذات الجيوش النظامية.وتبع ذلك استخدام خطاب “الفتنة” لتجريم أي شكل من أشكال المعارضة.وهنا ظهرت فكرة وجوب الطاعة للحاكم ،حتى لو جار وظلم،وهذا هو الأساس النظري للاستبداد.
كيف وظّفت السلطات مفهوم الطاعة لصناعة الاستبداد؟
1.- لصناعة الاستبداد، تم انتقاء أحاديث معيّنة—وكثير منها محل خلاف في السند والمتن—لتبرير الطاعة المطلقة ،مثل الحديث: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، كما صيغت فتاوى تحرّم الخروج والتحريض، حتى لو كان الحاكم فاسقاً أو ظالماً. وهذه الاختيارات لم تكن بريئة، بل خدمت مصالح السلطة.
2- إعادة تشكيل الفقه السياسي:فقد ظهر فقهاء مثل: الماوردي، والغزالي ،اضطروا للعمل داخل واقع سلطاني قائم على القوة، فظهر:فقه الضرورة السياسية ،وساد القول بأن الاستقرار أهم من العدل،كما انتشر فقه تبرير شرعية المتغلب، وأن من سيطر بالسيف أصبح إماماً،وفشا فقه درء الفتنة ، وأن الطاعة تمنع الانقسام، حتى لو ضاعت الحقوق. فهذه المبادئ ليست من تراث الخلافة الراشدة، بل من واقع السلطنة المتحكمة,
3-. بناء مؤسسات دينية تخدم الحاكم: حيث تم ضم العلماء إلى القضاء، والإفتاء، وخطب الجمعة. وأصبحت تلك المؤسسات سلطة تتحكم في “من يتكلم باسم الدين”. كما ازدهر نمط “وعّاظ السلاطين” ،وهكذا تحوّلت الطاعة من قيمة دينية إلى أيديولوجيا رسمية للدولة.
الطاعة كمولّد للاستبداد: نتيجة للطاعة المطلقة،انتشرت بعض المظاهر التي تشجع الحاكم على الاستبداد ،وتضعف حق الامة في محاسبة الطغاة ،وتحول بموجبها المواطنون الى رعية، ،ومن تلك المظاهر:
1-تقديس الحاكم: أصبح الحاكم يُرى كـ: ظل الله في الأرض”.وحامي الدين والدنيا”. وتُعد معصيته خروجاً على الدين، فهذه صورة سلطانية لا علاقة لها بالنموذج الإسلامي الأول للخلافة الراشدة.
.2.- إبطال حق الأمة في المحاسبة، حيث اختفت مفاهيم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه الحكام،وغابت ثقافة عزل الحاكم أو مساءلته. كما غابت الشورى بمعناها السياسي،وتحوّل كل اعتراض على الحاكم إلى الخوف من ال “فتنة”.
3 -بسبب هذه الطاعة المطلقة ، تحول المجتمع إلى رعايا لا مواطنين، فصارت العلاقة بين الناس والحاكم علاقة سمع وطاعة عمياءلا شراكة سياسية. وقُمعت المعارضة الفكرية والسياسية، وأصبح الاستبداد جزءاً من “البنية الثقافية” عبر قرون.
نجاح الاستبداد في التغلغل عبر مفهوم الطاعة:هناك بعض العوامل التي ادت الى تغلغل الإستبداد في المجتمعات المسلمة،ومنها:
1-غلبة العصبية القبلية :رغم أن القرأن نهى عن العصبية القبلية ،وجعل قيمة الإنسان، ليس في نسبه او انتمائه االعرقي، بل في التقوى، كما في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾الحجرات: 13، فقد غلبت العصبية القبلية ،وأصبحت قوة القبيلة وزعيمها مقابل القبيلة المطيعة تاريخياً،وانتقلت شرعية الحكم من مبدأ الكفاءة أو الشورى إلى الإنتماء القبلي أو العائلي،فصار الحاكم يُنظر إليه باعتباره شيخ القبيلة الكبرى، لا موظفًا عامًا خاضعًا للمساءلة، ولم تعد الطاعة عقدًا سياسيًا، بل واجب ولاء قبلي، وهذا ما عبّر عنه ابن خلدون بقوله:”الملك لا يقوم إلا بالعصبية”.فعندما تسود العصبية،تُختزل الدولة في الأسرة الحاكمة،وتُوزَّع المناصب والامتيازات على أساس القرب والنسب لا الكفاءة.ويتحول الجيش والأمن إلى أدوات حماية للعائلة لا للأمة.وهكذا: تُعدّ المعارضة خيانة للقبيلة/الأسرة لا اختلافًا سياسيًا،والنقد يُفسَّر كـشق لعصا الطاعة، وإضعاف للجماعة.وهذا يخلق بيئة مثالية للإستبداد، لأن الحاكم:لا يرى نفسه ممثلًا للمجتمع، بل مالكًا له.فالرؤية الإسلامية الأصلية قامت على:الأمة لا القبيلة،والمساءلة لا العصبية،والعدل لا النسب.وقد جاء الإسلام ليكسر منطق العصبية” ليس منا من دعا إلى عصبية “،…»إن أكرمكم عند الله أتقاكم”،لكن حين عادت العصبية بثوب الدولة،أُفرغت مفاهيم الشورى والطاعة من مضمونها الأخلاقي، وجرى تديين الولاء القبلي وتحويله إلى “طاعة شرعية”.
2- توظيف النصوص الدينية في سياق سياسي: فقد تم تأويل النصوص واخراجها من سياقها الأصلي لصالح السلطة،مما قاد الى استبداد الحكام، فالنصوص الدينية نزلت في سياق أخلاقي وتشريعي محدد، غايته: تحقيق العدل، وحفظ الكرامة الإنسانية، وتقييد السلطة لا إطلاقها، وعندما تُنتزع النصوص من سياقها: يُفصل النص عن مقاصده الكلية “العدل، الشورى، رفع الظلم، ويُختزل في دلالة جزئية تخدم مصلحة الحاكم ،مثال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم،يتم تأويلها باعتبارها طاعة مطلقة، رغم أن:السياق القرآني والنبوي يربط الطاعة بالمعروف ويجعلها مشروطة بعدم الظلم والانحراف. فالاستبداد في التجربة الإسلامية لم ينشأ من النص ذاته، بل من تأويله خارج سياقه، وفصله عن مقاصده، وتوظيفه سياسيًا، وتحويل الدين من قوة تحرر إلى أداة ضبط اجتماعي، وبذلك لا يُقمع الإنسان بالسيف فقط، بل بـتديين القمع وجعله واجبًا شرعيًا.
3-عسكرة الدولة: فالدولة الأموية ثم العباسية ومن اتى بعدهما،كان الطابع العام فيها يميل الى العسكرة،وعسكرة الدولة تعني تحوّل الجيش والأجهزة الأمنية إلى الفاعل المركزي في الحكم،واعتبار القوة مصدر الشرعية بدل الشورى أو الرضا أو العقد الاجتماعي،وإخضاع السياسة والاقتصاد والقضاء والتعليم لمنطق الأمن،وهنا لا تكون الدولة “حامية للمجتمع”، بل المجتمع خاضع للدولة المسلحة. وحين تحتكر الدولة السلاح:تُلغى السياسة بوصفها تفاوضًا. ويُستبدل الحوار بالأوامر،ويُجرّم الخلاف باعتباره تهديدًا أمنيًا.وهذا ما وصفه ابن خلدون حين ربط الملك بالقهر لا بالاختيار.فالعسكرة تؤدي إلى:إضعاف القضاء،وتدجين العلماء،وتفريغ الشورى من مضمونها،وقتل المجتمع الأهلي (الأوقاف، النقابات، الروابط).وبغياب هذه المؤسسات:يصبح الحاكم فوق المجتمع لا جزءًا منه.
4-غياب مؤسسات المحاسبة: لا شك أن غياب مؤسسات مستقلة قادرة على المحاسبة :كالقضاء المستقل، ومجالس تمثيلية حقيقية، وهيئات رقابة، ومجتمع مدني حر، يفتح الطريق أمام تركّز السلطة في يد الحاكم أو النخبة الحاكمة، وتحويل الحكم إلى روئ شخصية، لا إلى نظام، وتعطيل مبدأ المساءلة لصالح منطق الطاعة والخوف في هذا السياق، ولا يعود الاستبداد مجرد ممارسة سياسية، بل يتحول إلى بنية دائمة، ومع الزمن:يصبح الاستبداد طبيعيًا في المخيال العام، لا استثناءً يحتاج إلى تبرير، ويستوطن الاستبداد داخل الوعي الجمعي.
فاالعلاقة بين الطاعة والاستبداد في التاريخ الإسلامي ليست علاقة أصلية، بل علاقة مصنوعة:الأصل: طاعة مشروطة تحفظ العدل وتمنع الظلم.والواقع التاريخي: طاعة مطلقة صُنعت لخدمة السلطة،مما نتج عن ذلك تشكّل نظام سياسي سلطاني استمر قروناً، وأنتج وعيًا جمعياً يخاف من الحرية ويتعوّد على الخضوع.
النظم الاسلامية في الدولة السلجوقية ومدى التزامها بالاسلام
أولاً: الخلفية العامة للدولة السلجوقية:
نشأت الدولة السلجوقية في القرن 11م (القرن الخامس الهجري)، على يد طغرل بك(385 – 455 هـ/995 – 1063 م،(الذي حكم من عام 1037 إلى 1063 م). ثم خلفه ألب أرسلان( 420 – 465 هـ / 1029 / 1072م) صاحب الانتصار الخالد على الروم في معركة ملاذكرد.وهي معركة دارت بين الإمبراطورية البيزنطية والسلاجقة المسلمين في 26/ أغسطس/ 1071م ،بالقرب من ملاذكرد)، وملكشاه ( 485/1092م)،ابن ألب أرسلان . ورغم أن الدولة السلجوقية تركية الأصل، فإنها تبنّت الشريعة الإسلامية السنية ،ورفعت شعار نصرة الخلافة العباسية، مما منحها مكانةً خاصة في العالم الإسلامي.
ثانياً: النظم الإسلامية في الدولة السلجوقية:كان السلاجقة يقرّون بالخليفة العباسي باعتباره رمز الشرعية الدينية والسياسية ،بينما السلطان لديهم يمارس السلطة الفعلية، ويستمد شرعيته من تقليد الخلافة بالسيف واللواء.
1- مفهوم الإمامة والسلطنة: لم يكن السلاجقة يعتبرون أنفسهم خلفاء، بل سدنة للشرعية السنية في مواجهة الباطنية والفاطميين.وقد تبنّوا رؤية الفقهاء السنة التي تركز على إقامة الشرع،وحماية الثغور،وإقامة الحدود،ونشر العدل،والمستمدة حقيقة من القرآن الكريم زالسنة المطهرة.
2-النظام الإداري:اعتمد السلاجقة على نماذج إدارية مستمدة من:الدواوين الإسلامية العباسية ،والخبرة الإدارية الفارسية. واوجدوا نظاماً هجيناً لكنه ملتزم بالمرجعيات الإسلامية في القضاء والأوقاف والمعاملات.وكان من أبرز النظم التي تبنوها : ديوان الإنشاء،ويقوم بصياغة المراسيم وفق الصياغة الشرعية.وديوان الجيش،ومهمته الإشراف على الجند والغنائم وفق أحكام الشريعة ،ونظام البريد،ويستخدم لمراقبة الولاة وتنفيذ العدل، وهو مرتبط في الفقه بمبدأ “احتساب السلطان”.
3- النظام القضائي:”كان القضاء في عهد السلاجقة سُنياً خالصاً، يرتكز على المذاهب الأربعة،وينقسم الى قسمين:القضاء الشرعي: ويضم قضاة تعينهم الدولة بناءً على شروط الفقه الإسلامي (العدالة، العلم، القدرة)،والفصل في الأحوال الشخصية،والمعاملات،والحدود والقصاص. وقضاء المظالم:وهو مجلس للمظالم يرأسه السلطان أو وزيره (كما فعل نظام الملك)،ووظيفته رفع الظلم الواقع من الولاة أو أصحاب النفوذ، وهو تطبيق لمبدأ “رفع الظلامات” في الفقه السلطاني.
4- نظام الجند والعسكرية: يقوم الجيش على نظام الإقطاع العسكري (الإقطاعيات أو الإقطاعات)، المستمد من فكرة العطاء في الإسلام،ويتم ربط الإقطاع بالجندية، لا ملكية الأرض، للحفاظ على منع الظلم.والالتزام الإسلامي. فكثير من الحملات العسكرية كانت ذات طبيعة دينية مثل حماية الحرمين، والتصدي للفاطميين، ومواجهة الصليبيين.
5- نظام الأوقاف والعلم: من أهم ما اشتهرت به الدولة السلجوقية هو النهضة العلمية الممثلة في المدارس النظامية،التي أنشأها الوزير نظام الملك الطوسي(عام 1018م- 1092م)، وكانت نموذجاً إسلامياً رائداً لنشر العلم الشرعي على المذاهب الأربعة، خصوصاً المذهب الشافعي ،ويدرس في تلك المدارس :الفقه، والحديث ،والتفسير،وعلوم اللغة،والمنطق (بقدر ما يخدم الفقه) .كما اهتمت الدولة السلجوقية بدور الأوقاف،وتمويل المدارس، والمساجد والخانات، الذي كان يتم عبر أوقاف شرعية موثقة، والتزام كامل بالفقه الإسلامي.
6-النظام الاقتصادي والمال: اعتمد السلاجقة على: الزكاة،والخراج،والجزية (في المناطق غير المسلمة)،والأعشار، مع اجتهادات إدارية مأخوذة من النظم الفارسية.والالتزام بالشرع كان واضحاً في: تحريم المكوس (الضرائب غير الشرعية)، مع أن بعض السلاطين خالف ذلك أحياناً تحت ضغط التوسع العسكري، اضافة الى نظيم الأسواق عبر المحتسب.
7-النظام الاجتماعي،دعم السلاجقة الطرق الصوفية، خاصة الملامتية والقادرية.وشجعوا الرباطات ( او الأربطة)، التي كانت مكانا للعبادة،ومركزا لتنظيم الجهاد واعداد المجاهدين.
ثالثاً: مدى التزام الدولة السلجوقية بالإسلام:
إيجابيات الإلتزام:،تبنى السلاجقة الشرعية السنية للخلافة بشكل واضح،كما أقاموا القضاء الشرعي وفعّلوه في كل الولايات ،ونشروا العلم الشرعي عبر المدارس النظامية،وحاربوا الفرق المخالفة (الباطنية، الفاطمية) حماية للعقيدة الاسلامية ودفاعاً عنها،كما شجعوا الجهاد ضد الروم والصليبيين.
نقاط القصور والإنحراف:مثل كل الدول الإسلامية الكبرى،فإن الصراع على السلطة داخل البيت السلجوقي أدى إلى سفك الدماء،لا سيما إبان انتقال السلطة بوفاة سلطان وتنصيب آخر .كما فرض بعض السلاطين مكوساً (ضرائب غير شرعية) رغم اعتراض الفقهاء، كما ان نظام الإقطاع العسكري أدى أحياناً إلى ظلم الفلاحين،.وان توسع نفوذ الوزراء والبيروقراطية على حساب قيم الشورى،ادى الى ضعف شديد في أواخر الدولة، وانحرافات في نظم الحكم.
وهكذا يمكن القول إن الدولة السلجوقية كانت من أكثر الدول الإسلامية التزاماً بالشريعة على مستوى:القضاء،والتعليم،ورعاية الخلافة،والجهاد،والأوقاف،مع وجود انحرافات سياسية وإدارية مرتبطة بطبيعة السلطنة العسكرية التوسعية.
النظام السياسي في الدولة العثمانية ومدى التزامها بالإسلام :
طبيعة الدولة العثمانية وتطورها التاريخي:
أولاً: نشأة الدولة العثمانية :تعود جذور الدولة العثمانية إلى قبائل الغزّ التركمانية التي هاجرت من أواسط آسيا إلى الأناضول بعد الضغط المغولي في القرن الثالث عشر. وقد برز من بين هذه القبائل زعيم يتمتع بالشجاعة والحنكة هو عثمان بن أرطغرل (1281–1326م)، الذي وضع اللبنة الأولى للدولة ،وأسّس إمارة صغيرة على تخوم الدولة البيزنطية.وبفضل موقع الإمارة بين عالمين—العالم الإسلامي في الشرق، والعالم البيزنطي المسيحي في الغرب—كانت الظروف مهيّأة للتوسع العسكري والسياسي، واتسمت سنوات التأسيس بالمرونة في الإدارة، والاعتماد على القوة العسكرية المتمثلة في الغزاة (الغازيّة)، وعلى التحالفات القبلية.
ثانياً: مراحل تطور الدولة العثمانية عبر العصور:
1-. مرحلة الإمارة (1299–1453م): اتسعت أراضي العثمانيين تدريجياً على حساب البيزنطيين والدويلات التركمانية. وظهر في هذه المرحلة قادة مميزون مثل: أورخان( 687هـ/1281م – 761هـ/1360م) ، ومراد الأول( 726هـ/1326م- 791هـ/1389م ) ،وبايزيد الأول( 762هـ/1361م -805هـ/1403م، ) ،وركّزت الدولة على بناء جيش نظامي (الانكشارية=الجيش الجديد)، و مؤسسات إدارية مبسطة.
2-. مرحلة السلطنة والإمبراطورية (1453–1606م) – عصر القوة والازدهار: تُعَد هذه المرحلة الفترة الذهبية بعد فتح القسطنطينية عام 1453م، على يد السلطان محمد الفاتح( 1432–1481م)، وتوسع النفوذ العثماني ليشمل البلقان والأناضول والشرق العربي، وبلغت الدولة ذروتها في عهد سليمان القانوني( (1520–1566م ، وتطورت مؤسسات القضاء والجيش والمالية، وأصبحت الدولة قوة عالمية.وبلغت الإمبراطورية العثمانية أقصى امتداد لها في القرنين السادس عشر والسابع عشر (حوالي 1683م)، لتصبح قوة عظمى تمتد عبر قارات آسيا، أوروبا، وإفريقيا. وشملت أراضيها البلقان، وأجزاء واسعة من أوروبا الشرقية، الأناضول، المشرق العربي، الحجاز، ومصر، وشمال إفريقيا، مسيطرة بذلك على البحر الابيض المتوسط والبحر الأحمر.
3-. مرحلة الجمود النسبي (1606–1839م): بدأت الدولة تفقد تفوقها العسكري أمام أوروبا، واتشر فيها الفساد وسادت البيروقراطية، وتكررت الثورات والانقلابات العسكرية، وحاول بعض السلاطين القيام بإصلاحات محدودة لكنها لم تكن كافية.
4- مرحلة الإصلاحات والتنظيمات (1839–1876م): حاولت الدولة مواجهة الضغط الأوروبي من خلال إصلاحات شاملة في التعليم والجيش والإدارة. وصدرت التنظيمات الخيرية مثل مرسوم كلخانة (اوفرمان التنظيمات) الذي أصدره السلطان عبد المجيد الأول عام 1839م، بهدف تحديث الدولة، متأثراً بالدساتير الأوروبية. ويُعد نقطة تحول، وبداية حركة الإصلاحات الشاملة (التنظيمات) في الدولة العثمانية. وقد أكد المرسوم على مبادئ المساواة بين الرعايا، وحماية الأرواح والممتلكات، وتطبيق القانون على الجميع، بغض النظر عن الدين،. ومرسوم همايون(1856).، وهو مرسوم إمبراطوري آخر للسلطان عبد المجيد الأول ، ويُعرف أيضاً باسم “فرمان الإصلاحات” ، وهو امتداد وتفصيل لمبادئ كلخانة. وركز بشكل خاص على حقوق غير المسلمين (الملل)، متناولاً تنظيم ،وبناء وترميم دور العبادة، وإلغاء الفوارق القانونية، وتحسين أوضاع المواطنين داخل الدولة، وبهذه المراسيم بدأت الدولة تقترب تدريجياً من النظم الأوروبية.
5-. مرحلة الدستورية الثانية والانهيار (1876–1924م): تم إعلان الدستور العثماني الأول سنة 1876م، وتعزز لاحقاً في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. (1842-1918) وهو السلطان الـ34 من سلاطين الدولة العثمانية، وحكم بين عامي 1876 و1909. وخلال فترة حكمه واجهت الدولة حروباً كبرى مثل الحرب الروسية 1877م، وحروب البلقان الاولى (1912-1913) ،والثانية( 1913) حيث هزمت فيهما الإمبراطورية العثمانية، وفقدت معظم أراضيها الأوروبية لصالح دول البلقان المتحدة (بلغاريا، صربيا، اليونان، الجبل الأسود)، مما أدى إلى كارثة كبرى وخسارة فادحة للممتلكات ،وتدفق كبير للمسلمين إلى داخل تركيا الحالية. وقد كانت هذه الحروب نذيرًا لسقوط الدولة العثمانية، اذ مهدت الطريق لاندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م) ، التي كانت نتائجها صدمة قوية للنخبة العثمانية، وكانت سبباً مباشراً في نهاية الدولة العثمانية رسمياً سنة 1924م بإلغاء الخلافة.
وقد شهد النظام العثماني التزاما بالشكل العام للخلافة الاسلامية حيث اصبح السلطان يُلقّب بـ”خليفة المسلمين”، ويُعدّ الإمام الأعلى الذي تلتزم الأمة بطاعته. وأُخذت السلطنة بعض الشرعية من العلماء، خاصّة المفتي الكبير (شيخ الإسلام). اضافة الى ان القضاء الشرعي كان مستندًا إلى المذهب الحنفي بوصفه المذهب الرسمي للدولة. وشهدت الولايات كافة حضورا للمحاكم الشرعية ، حيث كانت تلك المحاكم تشرف على:الأحوال الشخصية،والمواريث،والعقود،ومؤسسة الوقف،فضلا عن وجود قضاة، ومفتين، ونظام “صدر أعظم”، له دور شبيه بوزارة التنفيذ. اضافة الى وجود منصب شيخ الإسلام الذي كان كان له سلطة إصدار فتاوى ملزمة سياسيًا ، وأخذت مكانة منصب الصدر الاعظم تعلو حتى غدا منصبًا ذا أهمية كبرى في عهد السلطان سليم الأول. وفي عهد السلطان سليمان القانوني، غدت مشيخة الإسلام مؤسسة إدارية وقانونية مهمتها إرساء القواعد التبريرية للسياسة السلطانية عبر فتاويها واجتهاداتها.
وعلى الرغم من تمسّك الدولة العثمانية ببعض مظاهر الشرعية الإسلامية، إلا أنها ليست نموذجًا مطابقًا للنظام السياسي الإسلامي كما قررته الشريعة الاسلامية. وتظهر ابرز مواطن التباين بين بعض نظمها والإسلام فيما يلي:
1-توارث الحكم:خلافا لما يقرره الإسلام من اختيار الحكم بالشورى او البيعة الحرة ،مارس الحكام العثمانيون توارث الحكم داخل أسرة آل عثمان لقرون، ويقال ان بعض السلاطين كانوا يمارسون نظام قتل الإخوة لمنع النزاع -كما قيل إن هذا القانون وضعه محمد الفاتح-.كما لا توجد بيعة شعبية بالمعنى الفقهي ينعقد بها الحكم، بل يتولى السلطان الحكم بإعلان أو فرمان سلطاني.
2-تغييب مؤسسة الشورى.إن انفراد السلطان بالسلطة وتغييب مؤسسة الشورى، يعتبر اكبر مخالفة للاسلام. فالشورى اصل واجب في تدبير الحكم الاسلامي-كما سبق ان رأينا-بينما السلطان يملك سلطة مطلقة تقريباً ، وما مجلس الديوان الا جهاز استشاري ، والصدر الأعظم، ينفذ أوامر السلطان. فغياب مؤسسة شورى حقيقية تمثل الأمة،من ابرز مظاهر التباين بين الدولة العثمانية ، وتعاليم الإسلام.
3- اقرار بعض القوانين بمعزل عن الشريعة::الأصل في الإسلام تحكيم الشريعة مع افساح مساحة للسياسة الشرعية ضمن الإطار الاسلامي العام. ورغم التزام العثمانيون بكثير من قواعد الشريعة ونظمها، فقد تبنوا قوانين غير شرعية لتنظيم الضرائب، والعقوبات، والاراضي ،فضلا عن نظام الاقطاع العسكري ( التيمار)، وهو نظام منح اراض للموظفين والمحاربين مقابل خدمتهم، وهذه الأراضي تُعطى لمن يدفع ضرائبها بدلًا من الأجر النقدي ،وقد كان( التيمار)، نظاما رئيسيا لتنظيم الدولة والجيش العثماني لفترة طويلة، قبل إلغائه في عام1831م. وفي التنظيمات(1839-1876 )،أصبحت القوانين مستوردة من أوروبا، خصوصًا القوانين الفرنسية،وبهذا تقلّص دور الشريعة واصبحت محصورة في الأحوال الشخصية، كما ضعفت الرقابة على الحاكم، الذي هو في الاصل محاسب أمام الأمة والقضاء.
4-عدم وجود آليات لعزل السلاطين: يتيح الفقه الإسلامي عزل الحاكم الظالم أو الفاسق (كما أشرنا من قبل)،اما العثمانيون فلم توجد لديهم آليات عملية لعزل السلطان ،عبر القضاء أو الأمة ، بل يعزل السلطان عبر الانكشارية أو انقلاب القصر.
5-. مؤسسة “الإنكشارية” وتغوّل الجيش: الجيش أصبح قوة سياسية تُغيّر السلاطين،وتنصب في الحكم ،من يختاره الانكشاريه ، وهذا نظام مخالف لمبدأ حوكمة السلطة ،وعدم عسكرة السياسة.
6-. نظام الملل (الأقليات الدينية): على الرغم من كون نظام الاقليات، تنظيمًا ناجحًا في الإدارة، إلا أنه خلق طوائف مستقلة شبه ذاتية الحكم,ومن ثم فإنه لا يتوافق تمامًا مع النظرة الفقهية التقليدية لدار الإسلام.
7-. تحول الخلافة إلى رمز أكثر من كونها سلطة دينية شرعية: بعد القرن 18، بقي لقب “الخليفة” اسميًا، بينما كانت السلطة الحقيقية بيد الوزراء والجيش أحيانًا.
وخلاصة الامر :يمكن القول إن الدولة العثمانية لم تكن دولة دينية خالصة ولا دولة مدنية علمانية، بل كانت دولة مسلمة ذات شرعية تقليدية ،تتوافق مع الإسلام في:تطبيق الشريعة في القضاء،وارتباط الحكم بالفقه، ووجود منصب المفتي وشيخ الإسلام، واعتبار نفسها حامية للدين (الخلافة).وتخالف الإسلام في:الوراثة المطلقة في الحكم ،والاستبداد السياسي، وغياب الشورى، وتبني بعض القوانين المخالفة للشريعة (خاصة بعد التنظيمات)،وعسكرة الدولة وتدخل الجيش في السياسة، وتحوّل العلماء إلى موظفين عند السلطة.
نشأة الدول العربية الحديثة: بعد سقوط الخلافة العثمانية ،رسميًا عام 1924م،ووفقاً لاتفاقية سايكس–بيكو 1916) م )، انشئت دول عربية لم تكن دولًا “طبيعية” بالمعنى التاريخي أو الاجتماعي، بل كانت في الغالب كيانات مُصنَّعة سياسيًا كونت نتيجة لتوازنات استعمارية ومصالح دولية. فقد رُسمت حدود تلك الدول على يد القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا)، دون اعتبار للبنى الاجتماعية، أو الامتدادات القبلية والمذهبية والتاريخية. كما لم تنشأ هذه الدول نتيجة لعقد اجتماعي داخلي، بل من قرارات فوقية فرضتها القوة، واستمدت سلطة شرعيتها أولًا من “الانتداب”، ثم من الاعتراف الدولي، لا من رضا المجتمع.وهذا ما يفسّر لاحقًا اعتمادها المكثف على القمع أو الأيديولوجيا لتعويض نقص الشرعية.
الامر الآخر انها دول وظيفية لا سيادة كاملة لها،وقد أُنشئت لتؤدي وظائف محددة:منها حفظ الاستقرار الاستعماري، وحماية المصالح الغربية (الممرات، النفط، أمن الكيان الصهيوني لاحقًا)،ومن ثم فإن سيادة تلك الدول كانت شكلية في معظم الحالات، خاصة في السياسة الخارجية والاقتصاد.
وهكذا فان اتفاق سايكس–بيكو لم يكن مجرد تقسيم جغرافي، بل كان تأسيسًا لنمط دولة قُطرية بحدود مصطنعة، لا تعبّر عن الامتدادات التاريخية أو الحضارية للأمة، .دولة وريثة للاستعمار في بنيتها القانونية والإدارية والعسكرية.،دولة تبحث عن شرعية بديلة عن الشرعية الدينية/الأخلاقية التقليدية. وبذلك نشأت تلك الدول:ضعيفة الجذور الاجتماعية،شديدة الارتهان للخارج في لحظة التأسيس،وتميل إلى الضبط الأمني بدل العقد الاجتماعي.
ظهور الاسلام السياسي :كرد فعل على سقوط الخلافة العثمانية ،وكنتاج مضاد لسايكس–بيكو (1924):وانهيار المرجعية السياسية الجامعة للمسلمين وفرض الدولة القطرية العلمانية أو شبه العلمانية ، ظهر ما يعرف بالإسلام السياسي الذي رفع -لمقابلة الدولة الوطنية التي فشلت في تحقيق الاستقلال الحقيقي والعدالة،واتسمت بالاستبداد و التبعية، والهزائم،-شعارات مثل:الإسلام دين ودولة”،و الحاكمية، و”إعادة الشريعة”،وهي في جوهرها محاولة لنزع الشرعية عن دولة سايكس–بيكو لا مجرد منافسة حزبية. ومن ثم نظرت معظم دول ما بعد سايكس–بيكو،إلى الإسلام السياسي بوصفه:تهديدًا للشرعية السياسية ،لأنه ينازعها حق تمثيل الأمة).تهديدًا لوظيفة الدولة القطرية (،ولأنه يتجاوز الحدود )تهديدًا للاستقرارالأمني) ، وبحكم امتداده الشعبي.ولهذا:احتوته بعض الدول الاسلامية حينًا،كما في بعض التجارب الملكية.واستخدمته أحيانًا ضد خصومها،ثم قمعته بشدة عندما تحول إلى قوة اجتماعية منظمة.ومن المفارقة الغريبة ان الدولة التي نشأت بقرار إستعماري، تتهم الإسلام السياسي بأنه “غير وطني”.
وقد شهدت الفترة التي اعقبت دويلات ما بعد سايكس- بيكو،بروز ظاهرتين: الصحوة الاسلامية، والمدارس السلفية ،الذين كان لهما ولا زال اثر كبير في مسار الحياة في الدول العربية والاسلامية:
الصحوة الإسلامية:
يُطلق مصطلح “الصحوة الإسلامية”، على موجة فكرية-اجتماعية-دعوية شهدها العالم العربي والإسلامي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وكان لها أثر عميق على الدين والسياسة والمجتمع. ويمكن تناولها في أربعة محاور: الظهور، الأهداف، طريقة التعامل الرسمي معها، ثم مآلاتها ونهاياتها.
أولًا: متى ظهرت الصحوة الإسلامية؟:يمكن تأريخ ظهور الصحوة الإسلامية الحديثة بين أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، وتبلورت بوضوح في السبعينيات والثمانينيات.
أبرز السياقات التي مهّدت لها:

  1. هزيمة 1967: شكّلت هزيمة1967،صدمة كبرى للمشروع القومي واليساري، وأحدثت فراغًا فكريًا وأخلاقيًا، دفع قطاعات واسعة للبحث عن بديل «هوياتي» فكان الإسلام.
  2. فشل الدولة الوطنية العربية:في تحقيق العدالة، والتنمية، والتحرر، وتكريس الاستبداد.
  3. انتشار التعليم والجامعات:وظهور أجيال شبابية متدينة داخل الحرم الجامعي.
  4. الطفرة النفطية :التي ساهمت في تمويل العمل الدعوي والمؤسسات الدينية.
  5. الثورة الإيرانية 1979 :رغم اختلافها المذهبي، إلا أنها عززت فكرة “الإسلام كقوة سياسية”.
    ثانيًا: اهداف الصحوة الإسلامية :لم تكن الصحوة تيارًا واحدًا متجانسًا، بل حالة عامة اشتركت فيها اتجاهات متعددة (سلفية، إخوانية، حركية، دعوية).ومن أبرز أهدافها:
  6. إعادة الإسلام إلى المجال العام بعد عقود من التهميش والتغريب.
  7. إحياء الالتزام الديني الفردي، كالصلاة، والحجاب، والأخلاق،و تحفيظ القرآن.
  8. بناء هوية إسلامية جامعة في مواجهة القومية، واليسار، والعلمانية.
  9. إصلاح المجتمع من القاعدة عبر الدعوة، والتربية، والعمل الخيري.
  10. يضاف الى ذلك ،عند بعض التيارات،التغيير السياسي وإقامة «الحكم الإسلامي» أو تقليص الاستبداد.
    ومن المهم التمييز هنا بين الصحوة الدعوية التي ركزت على الأخلاق والالتزام.وبين الصحوة الحركية التي ربطت الدين بالسياسة.
    ثالثًا: موقف الدول العربية والإسلامية من الصحوة الإسلامية:
    تعاملت الأنظمة العربية والاسلامية،مع الصحوة بطرق متفاوتة ومتقلبة ،فسعت بداية لاحتواء الظاهرة خلال،السبعينيات–الثمانينيات،والسماح بالعمل الدعوي، وفتح المجال للمساجد والجمعيات.وتوظيف الصحوة في مواجهة اليسار والقوميين، كما حدث في السعودية، ومصر ،في عهد السادات ،و الأردن، والسودان،ثم لجأت الى الصدام والقمع ،فترة التسعينيات، عندما تحولت بعض تيارات الصحوة إلى فاعل سياسي مستقل،فقامت بعض الانظمة باعتقال الناشطين في الصحوة، وإغلاق الجمعيات،و.تجفيف المنابع، وتشويه الخطاب الديني المعارض.:كما حدث في الجزائر ،خلال ما يعرف بالعشرية السوداء،وفي مصر بعد اغتيال السادات،وفي سوريا ،إبان مجزرة حماة،وفي تونس فترة حكم بن علي. وبعد الربيع العربي (2011م) ،وانتصار الثورة المضادة،تم إخضاع الخطاب الديني للدولة،وبدات الحرب على “الإسلام السياسي” وترسيخ نموذج “الدين المُطَوَّع”..
    والسؤال الذي يثار هو: لماذا حاربت التيارات العلمانية والليبرالية حركة الصحوة الإسلامية؟. للاجابة على ذلك يمكن القول: بان العداء يرجع الى اختلاف المرجعيات الفكرية بين الفئتين:فالصحوة الإسلامية انطلقت من مرجعية دينية ترى الإسلام إطارًا شاملًا: يتضمن العقيدة، والأخلاق، ونظامًا اجتماعيًا وسياسيًا،بينما اعتمدت التيارات العلمانية والليبرالية مرجعيات وضعية حديثة (الدولة القومية، الفردانية، فصل الدين عن السياسة). وهذا الاختلاف لم يكن اختلافا تقنيًا بل وجوديًا،يدور حول من يملك حق تصريف المجال العام والتعامل معه؟ الدين أم العقل الوضعي؟ .والسبب الثاني هو خوف كثير من النخب الليبرالية والعلمانية من “الهيمنة الدينية”،اذ رأت في الصحوة مشروعًا لإعادة إنتاج السلطة الرمزية لرجال الدين بما يحمله-حسب زعمهم- من تهديد للحريات الفردية (حرية التعبير، حرية المرأة، ووضع الأقليات)،وعودةً إلى “الماضي” على حساب “التحديث”. وهذا الخوف تضخم لعدة أسباب منها: تجارب الثورة الإيرانية،وبعض ممارسات الحركات الإسلامية المتشددة،والخطاب الوعظي الإقصائي عند بعض رموز الصحوة.واللافت للنظر ان التيارات العلمانية والليبرالية دخلت —عن قصد أو دون قصد—في تحالف موضوعي مع الدولة ضد الإسلاميين فاصبح الصراع:ليس بين “تقدمية” و”رجعية” فقط، بل بين السلطة ومن ينافسها على الشرعية، إذ أن الأنظمة الاستبدادية رأت في الصحوة الإسلامية الخطر الحقيقي على شرعيتها .
    الغرب ومحاربة الصحة الإسلامية: لا يمكن فهم دور الغرب في محاربة تيار الصحوة الإسلامية كـ«مؤامرة واحدة متجانسة»، بل كمسارٍ سياسي–فكري–أمني مركّب، تداخلت فيه المصالح الاستراتيجية، والخبرة الإستعمارية، والخوف من الإسلام السياسي كفاعل مستقل. ويمكن تلخيص هذا الدور في محورين مترابطين:
    اولهما: أن الغرب،رأى في الصحوة الإسلامية منذ السبعينيات مشروعًاً مهدداً للمصالح الغربية،اذ انه مشروع :يعيد تعريف الشرعية ،من الدولة القطرية إلى الأمة،فيرفض التبعية السياسية والاقتصادية،ويعارض الهيمنة الثقافية الغربية ،ويربك الأنظمة الحليفة للغرب في العالم العربي،
    خصوصًا بعد:الثورة الإيرانية (1979)، وصعود الحركات الإسلامية الشعبية كالإخوان المسلمين، والجبهة الإسلامية في الجزائر، وحماس في فلسطين، والنهضة في تونس، فأصبحت الصحوة تُصنَّف كـ«بديل حضاري منافس» لا مجرد حركة دينية.
    وثانيهما : الدعم غير المباشر للأنظمة في قمع الصحوة ،فقد كان أحد أهم أدوار الغرب تثبيت الأنظمة السلطوية مقابل:ضمان الاستقرار،و حماية المصالح النفطية والأمنية ،ومكافحة ما سُمّي لاحقًا «التطرف”، الذي تم عبر دعم أمني واستخباراتي مباشر من النظم الغربية،مع غضّ الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان.وشرعنة القمع تحت عناوين: الاعتدال – مكافحة الإرهاب – حماية الدولة الوطنية،ومن اوضح الامثلة لذلك دعم الانقلابات أو السكوت عنها عندما تصل الحركات الإسلامية الى الحكم عبر صناديق الاقتراع ،كما حدث في الجزائر،عام 1992م، وفي مصر عام 2013م. ظهور المدارس السلفية:
    المقصود بالسلفية: ،السلفية – من حيث الأصل – منهجٌ في الفهم لا مذهبٌ فقهي مستقل، يقوم على:فهم الإسلام وفق القرآن والسنة ،وفهم السلف الصالح الصحابة والتابعين .وتقديم النص على الرأي، والاتباع على الابتداع.،لكن السلفية التاريخية ليست كتلة واحدة، بل تطورت إلى مدارس متعددة اختلفت في:قراءة النصوص السياسية،وتقدير المصالح والمفاسد،والموقف من السلطة الحاكمة,
    المدارس السلفية الكبرى وموقفها من الحُكّام:
    السلفية الأثرية الكلاسيكية (سلف السلف)، القرون الثلاثة الأولى،:تمثلت السلفية الاثرية في أئمة مثل:أحمد بن حنبل،و إسحاق بن راهويه، والبخاري، وسفيان الثوري وغيرهم،وركزت على الصبر على جور الحكّام لا على شرعنة ظلمهم.اما موقفها من الحاكم،فهو تحريم الخروج المسلح على الحكام لما يترتب عليه من مفاسد أعظم،مع عدم تبرير الظلم أو اعتباره شرعيًا ،والتأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه . وقد سبق ان اشرنا الى موقف الإمام أحمد من طاعة الحكام ، ورفضه لفتنة الخروج عليهم، ولكنه اصر على رفضه القول بخلق القرآن رغم تعذيب الدولة له، ومن ثم فإن موقفه لا خروج على الحاكم ولا طاعة له في الباطل.ومن ثم فإن هذه المدرسة فصلت بين الصبر السياسي والتواطؤ العقدي.
    السلفية الفقهية النقدية (مالك – أبو حنيفة): هذه المدرسة وإن لم تُسمَّ “سلفية” اصطلاحًا، إلا أنها أقرب إلى السلف في الجوهر ،فالإمام مالك قال بوضوح إن بيعة المكره لا تلزمة،وأبو حنيفة:دعم الثورات ضد الظلم (ثورتي: زيد بن علي – والنفس الزكية). وموقف أعلام المدرسة السلفية الفقهية من الحاكم، مشروطة بالعدل والاختيار ،مع جواز مقاومة الحاكم الجائر وفقا لضوابط معينة. ومن ثم فإن الطاعة للحاكم ليست مطلقة،ولم تنتصر هذه المدرسة للاستقرار على حساب العدل.
    السلفية العقدية الدعوية (القرن 18–20)الوهابية – السلفية الدعوية: من أهم سمات هذه المدرسة،التركيز على التوحيد،ومحاربة البدع،وتصحيح العقيدة،مع تحالفها التاريخي مع السلطة السياسية. اما موقفها من طاعة الحاكم فان المدرسة تشدد على السمع والطاعة،وتحرم الخروج على الحكام ،وتشترط لنقد الحاكم ان يكون سرًا ،دون ان يؤدي الى تأليب الناس واثارتهم ، ومن هنا بدأ الخلط بين المنهج السلفي، والوظيفة السياسية .
    السلفية السلطوية او السلفية الجامية / المدخلية : ظهرت طائفة الجامية او المدخلية في العصور المتاخرة ،وذهبوا الى القول بطاعة ولي الامر وعدم الاعتراض عليه، وان وجد يرتكب الموبقات جهرة . وتُنسب طائفة الجامية (أو المدخلية) إلى الشيخ محمد أمان الجامي(ت 1416هـ)، وهو عالم سلفي إثيوبي الأصل، درّس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وربيع المدخلي:( 1351 – 1447هـ- 1933 – 2025 م) السعودي الاصل. وبرز التيار في أوائل التسعينيات، خاصة أثناء أزمة الخليج (1990م)، حيث نشط في الدفاع عن موقف السلطة السعودية، والردّ على التيارات الإسلامية المعارضة، وتبنّى موقفًا متشددا في تقديم طاعة وليّ الأمر، والتحذير من أيّ نقدٍ أو معارضة سياسية للحاكم، حتى لو كان ظالمًا أو فاسقًا,
    وقد ظهرت الجامية في وقت شهد ،صعود تيار الصحوة الإسلامية،وتنامي الحركات الجهادية والسياسية،وقلق الأنظمة من توظيف الدين في المعارضة السياسية، فكان التيار الجامي بمثابة ردٍّ دينيٍّ محافظ على هذه التحولات.ويلاحظ أن الشيخ محمد أمان الجامي نفسه لم يُؤسس تنظيمًا، لكن تلامذته وأنصاره طوّروا خطابًا صار يُعرف باسمه.
    أولًا: الفكرة الأساسية عند الجامية .يرى الجامية أن:طاعة وليّ الأمر واجبة على كل حال، سواء كان عادلاً أو فاسقًا.وتحريم الخروج على الحاكم مطلقًا، حتى لو ظلم أو أعلن بعض المعاصي.وتحريم الاعتراض على الحاكم علنًا، ويعدّون ذلك خروجًا وتثويرًا للناس.والنصيحة للحاكم لا تكون إلا سرًّا.وفوق ذلك تميز التيار الجهمي بمحاربته للجماعات الإسلامية (الإخوان، السرورية، الجهادية) ووصفها بانهم “خوارج العصر”.
    ثانيًا: ألادلة الشرعية التي يستدلّون بها: يستدل الجامية بنصوص عامة في طاعة السلطان، أبرزها: قول النبي ﷺ:” اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»،وهو حديث فيه خلاف، وقد ضعّف بعض طرق روايته محققون كالألباني.حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “تسمع وتطيع للأمير، وإن أُخذ مالك وجُلد ظهرك» ،وهو أيضًا يدور جدل حول صحته وسياقه.قول النبي ﷺ عن أئمة الجور: “يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم” أي: ما داموا يصلّون.قول ابن عباس: اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشي، كأن رأسه زبيبة»،وهو في طاعة الإمام الشرعي لا الطاغية المتغلّب.
    ثالثًا: توسّع الجامية في فهم النصوص التي توجب طاعة ولي الامر:. فالقضية ليست في نفس تك النصوص، بل في فهمهم المتوسّع لها بحيث يجعلون معاصي الحاكم الجسيمة ،كالفساد، ونهب المال العام، والظلم، والتحالف مع الأعداء ،غير مسوّغ لاعتراض الناس عليه. ويذمّون كل المعارضين السياسيين بوصفهم خوارج ،ويوجبون عليهم الصمت مهما بلغ الحاكم من الفساد، ويعدّون الإنكار العلني على الحاكم بمثابة “ثورة”.
    رابعًا: موقف العلماء من طائفة الجامية:قد تصدى كثير من العلماء السلفيين وغير السلفيين لهذا الفهم المتطرف من قبل الجامية ،ورفضوا تشددهم في الخصومة مع المخالفين .ومن هؤلاء العلماء:ابن باز، وابن عثيمين، وصالح الفوزان، وبعض علماء المغرب العربي، وعلماء الأزهر، وغيرهم. وكان نقدهم يركز على ما يلي: التفريق بين الخروج المسلح وبين الإنكار السلمي ،الخروج بالسلاح فقط هو المحرّم إجماعًا.أما النصيحة العلنية، أو النقد العلمي، أو رفض الظلم—فليس خروجًا.ويستندون الى قول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وليس كل من خالف الإمام بتأويل يكون باغيًا، بل البغيُ هو الخروج بالسيف”.اما موقف الإسلام من الظلم،فقد بينه حديث الرسول ﷺ :” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».وهذا يناقض تمامًا منهج الجامية ،فإذا أظهر الحاكم كفرًا بواحًا، أو أفسد البلاد، أو خان الأمة، فليس في الإسلام ما يُلزم بطاعته. وبهذه المواقف المتحيزة للحكام ومداهنتهم ، ألغت الجامية عملياً كل مفهوم للمحاسبة السياسية الموجودة في تاريخ الإسلام ،والتي بينها وطبقها ابوبكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم في العديد من اقوالهم التي سبق ايرادها ،كما تلغي كل ما ورد في فقه السياسة الشرعية ،وكتب الأحكام السلطانية،حول التعامل مع الحكام.
    خامسًا: الجدل مع الجامية سياسي أكثر منه فقهي: ،اذ يرى كثير من الباحثين أنّ الجامية نشأت لخدمة السلطة السياسية في السعودية اولاً، ثم امتد تأثيرها الى الإمارات ،ومصر ،والسودان ،وليبيا ،وموريتانيا ،والجزائر .وأن دورها كان محاصرة الحركات الإسلامية، ومساندة الأنظمة القائمة دون نقد او اعتراض.
    سادسًا:ان الجاميّة: بمواقفها المتطرفة،أعادت إنتاج فقه الطاعة السلطانية،ونزعت السياسة من الدين،وقدّمت “الأمن والاستقرار” على العدل والحرية.ونتج عن ذلك تديين الاستبداد، وتفريغ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مضمونها،وشيطنة أي حراك إصلاحي. وهي بذلك تقترب من فقه الإرجاء السياسي” لا من فقه السلف المتوازن.
    اثر الجامية المدخلية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة:
    الجامية او المدخلية تيار معاصر يدعي السلفية، ارتبط بدايةً بأفكار الشيخ محمد أمان الجامي ثم تبلور لاحقًا مع ربيع المدخلي كما بينا، ويتميّز بالتشديد على طاعة ولي الأمر،ومناهضة الحركات الإسلامية السياسية،وتوسيع مفهوم “البدعة” و”التحذير منها،واعتماد منهج الجرح والتبديع في الخلافات الفكرية ،وكان لها اثارسلبية في الدين والفكر،من اهمها:
    1- تضييق مفهوم السلفية: تحوّلت السلفية عند الجامية من منهج واسع في فهم النصوص إلى منظومة انضباط سياسي ،ومعيار ولاء وبراء تنظيمي، أدى إلى إقصاء مدارس سلفية أخرى ،وتشويه صورة السلفية بوصفها أداة قمع فكري.
    2- صناعة التدين الخائف: إن تركيز الجامية على،التحذير والتخويف من الفتن، واتهام المخالف بالهوى أوالابتداع ،أفرز تدينًا يهرب من الأسئلة الكبرى،ويقدّم السلامة الشخصية على الواجب الأخلاقي العام.
    3-: الأثر السياسي (وهو الأخطر): من الآثار التي ترتبت على مواقف الجامية،ما يلي:
    أ- شرعنة الاستبداد دينيًاً ،وتقديم طاعة الحاكم كقيمة مطلقة حتى مع الظلم والفساد، وتعطيل الشريعة، وتجاهل أو تهميش فقه الأمر بالمعروف، وتعطيل النصيحة العلنية التي هي مسؤولية الأمة الجماعية.
    ب- تفكيك الحركات الإصلاحية: كان التيار المدخلي، أداة فكرية لضرب حركات الصحوة، وعنصر تشكيك داخلي في المجتمعات الإسلامية، مما أدى إلى إضعاف أي مشروع إصلاحي مستقل ،وتحويل الصراع من “العدل والحرية” إلى “سلفي/مبتدع”
    4-: الأثر الاجتماعي.من الآثار التي ترتبت على مواقف الجامية ، تفتيت النسيج الدعوي: وتكريس ثقافة التبديع والتخوين والتحذير العلني،مما نتج عنها شلل العمل الجماعي ،وانعدام الثقة بين التيارات الإسلامية.،وإعادة تعريف “الفتنة”، التي لم تعد عندهم ظلم الحاكم وقهر الناس، بل أصبحت: الاعتراض، والمطالبة بالحقوق، والانخراط في الشأن العام.
    5-: الأثر النفسي والثقافي: من الآثار النفسية لمنهج الجامية:إنتاج شخصية منكسرة سياسيًا، ومنسحبة اجتماعيًا ،وحادة تجاه المخالف الضعيف، ومتسامحة مع الظالم القوي، وهذا يعمّق ما يمكن تسميته:العبودية الطوعية باسم السلفية.
    دعم بعض الدول للتيار المدخلي: لقي هذا التيار رواجًا اودعماً رسمياً مباشر أو غير مباشر من بعض الدول، لحاجة السلطة في تلك البلدان لخطاب ديني،يجرّم الاحتجاج ،ويقدّس الاستقرار. وخوف الناس من الفوضى بعد تجارب دامية ،وضعف الثقافة السياسية الشرعية لدى العامة .فالجامية/المدخلية: لم تكن مجرد تيار عقدي بل وظيفة سياسية بغطاء ديني أسهمت في:إعادة إنتاج الاستبداد وتجفيف روح المقاومة الأخلاقية، وتفريغ الدين من بعده التحرري. وتمثل هذه المدرسة التحول الأخطر من فقه الصبر إلى فقه التبرير،وهي ما يمكن وصفه كأداة لإنتاج العبودية الطوعية.
    وخلاصة الامر :إن العلاقة بين الحاكم والرعية في المنظور الإسلامي علاقة تعاقدٍ أخلاقي وشرعي، لا علاقة تفويضٍ مطلق ولا قداسة سياسية، وهي تقوم على جملة من المبادئ المؤسسة التي توازن بين السلطة والمسؤولية، والطاعة والرقابة، والحق والواجب. فالسيادة للشرع لا للأشخاص ، والحاكم وكيلٌ عن الأمة، وليس مالكًا لها،و.السلطة أمانة لا امتيازًا ،وهذا يتقاطع مع فكرة الحق الإلهي للحاكم، ويؤسس لفكرة المساءلة.فالحاكم مكلّف لا متسلّط، ومن أبرز واجباته:إقامة العدل ،وحفظ الحقوق والمصالح العامة :الدين، والنفس، والمال، والعقل، والكرامة.والعمل بالشورى ،وعدم الاستئثار أو الاستبداد ،وهو في النهاية محكوم بالشرع والأخلاق والمصلحة العامة.اما الرعية فليست مجرد تابع صامت، بل شريك أخلاقي،وواجباتها/:الطاعة في المعروف ، والنصيحة والمساءلة، وعدم إضفاء القداسة على الحاكم ،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن ضوابط الحكمة والمصلحة.
    الجمعة, – 25 شَعبان 1447 هـ
    أ .د. احمد محمد احمد الجلي
    الموافق 13/2/2026م
    ahmedm.algali@gmiail.com

عن أ.د. احمد محمد احمد الجلي

شاهد أيضاً

الحركة الصهيونية نشأتها، ودور بريطانيا في اقامة دولتها (1)

بسم الله الرحمن الرحيم أ.د. احمد محمد احمد الجلي (أ) الصهيونية المسيحية ،وتأثيرها في نشأة …