“دولي” والذكاء الاصطناعي: هل تنقذ التشريعات “الياقات البيضاء”؟

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
لم يعد الحديث عن هيمنة الذكاء الاصطناعي ترفاً فكرياً أو خيالاً مستورداً من أفلام هوليوود؛ بل أصبح بنداً ثابتاً على طاولات صناع القرار ومنصات الاقتصاد العالمي. ومع التسارع المذهل في قدرات النماذج الذكية، بدأ القلق يتسلل إلى مكاتب أصحاب “الياقات البيضاء”؛ أولئك الذين طالما اعتقدوا أن مهاراتهم التحليلية وشهاداتهم الأكاديمية تمثل درعاً حصيناً ضد الأتمتة. المحاسبون، القانونيون، المحللون الماليون، الإداريون، وحتى المبرمجون أنفسهم، يراقبون اليوم خوارزميات قادرة على صياغة عقود قانونية معقدة في ثوانٍ، وتحليل آلاف الصفحات من البيانات المالية لاكتشاف فرص استثمارية كانت لتأخذ من فريق محللين أياماً، وكتابة تقارير متكاملة بكفاءة تحير العقل.
فهل نحن أمام موجة بطالة تقنية واسعة؟ أم أن التاريخ يكرر نفسه بطريقة تدفع الدول إلى إعادة رسم حدود اللعبة؟
يعيدنا المشهد إلى منتصف التسعينيات، حين أحدثت ولادة النعجة “دولي” عبر الاستنساخ صدمة أخلاقية عالمية. لم يكن الخوف آنذاك اقتصادياً، بل وجودياً: هل يمكن أن ينفلت العلم من عقاله ويمسّ جوهر الإنسان ذاته؟ غير أن ما تلا تلك الصدمة لم يكن انفلاتاً، بل تدخلاً تشريعياً واسعاً (على غرار البروتوكولات الإضافية للمجلس الأوروبي لحقوق الإنسان) أعاد ضبط المسار البحثي وأرسى حدوداً أخلاقية واضحة، دون أن يعني ذلك إيقاف العلم، بل وضعه في مسار محدد.
صحيح أن الاستنساخ لم يهدد سوق العمل كما يفعل الذكاء الاصطناعي اليوم، لكن القاسم المشترك بين الحالتين هو سؤال السيطرة: من يملك سلطة وضع الحدود؟ ومن يقرر أين ينتهي الابتكار وتبدأ المسؤولية؟
حجم الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي يعكس حجم الرهانات الكبرى الموضوعة على هذه التقنية. ففي ميزانيات عام 2026، كشفت شركات التكنولوجيا الكبرى عن خطط إنفاق رأسمالي غير مسبوقة تلامس حاجز 650 مليار دولار سنوياً. يذهب الجزء الأكبر من هذا الإنفاق الضخم لتمويل مراكز البيانات العملاقة، والشرائح المتقدمة، وأنظمة الحوسبة الفائقة.
هذا التدفق المالي، الذي يتجاوز ميزانيات دول بأكملها، لا يعبر فقط عن حماسة تقنية، بل عن تصور اقتصادي يرى في الأتمتة أداة لرفع الإنتاجية وخفض التكاليف البشرية بشكل جذري. غير أن المشهد لا يخلو من تعقيد جيوسياسي؛ فحين تشتد المنافسة على الريادة التقنية، قد تتردد بعض الدول في فرض قيود صارمة خشية فقدان موقعها في السباق العالمي، مما يجعل التنظيم ذاته جزءاً من لعبة التوازن بين الابتكار والسيادة الاقتصادية.
يثير هذا الاندفاع تساؤلين متوازيين. الأول يتعلق بإمكانية تشكل “فقاعة” استثمارية إذا لم تتطابق التوقعات مع العوائد الفعلية، أو إذا ظلت تحديات الدقة والموثوقية —أو ما يُعرف بالهلوسة التقنية— عائقاً أمام الاعتماد الكلي على الأنظمة الذكية.
أما السؤال الثاني، وهو الأعمق أثراً، فيتعلق بمعضلة الاستهلاك. تقوم الرأسمالية الحديثة على حلقة دقيقة: الأجور تولّد طلباً، والطلب يولّد أرباحاً، والأرباح تعيد الاستثمار. فإذا حل الذكاء الاصطناعي محل ملايين الموظفين ذوي الدخل الجيد، فمن أين سيأتي المستهلكون ليشتروا المنتجات والخدمات التي تنتجها هذه الشركات؟ هنا يكمن التناقض الجوهري في الأتمتة الشاملة. وإذا اختل هذا التوازن دون إيجاد بدائل مكافئة، فقد تربح الشركات في كفاءة الإنتاج لكنها تخسر في اتساع السوق. عندها لا يعود التدخل الحكومي خياراً اجتماعياً فحسب، بل يصبح ضرورة اقتصادية لحماية دورة النشاط ذاتها.
ومع ذلك، يجادل بعض الاقتصاديين بأن الثورات التقنية الكبرى تاريخياً لم تُلغِ العمل بقدر ما أعادت تعريفه؛ إذ اختفت مهام وظهرت أخرى. غير أن هذا التحول لا يحدث دون كلفة انتقالية، وغالباً ما تكون تلك الكلفة موزعة بشكل غير عادل بين الفئات الاجتماعية.
القضية في جوهرها ليست صراعاً بين إنسان وآلة، بل بين من يملك رأس المال ومن يملك سلطة سنّ القواعد. فالذكاء الاصطناعي ليس قدراً محتوماً يقذف بالبشر إلى هامش الاقتصاد، بل أداة يمكن توجيهها عبر السياسات العامة والتشريعات الذكية. وقد تشمل هذه السياسات إعادة تأهيل القوى العاملة على غرار البرامج الطموحة في دول اسكندنافية وسنغافورة، وتطوير أنظمة حماية اجتماعية أكثر مرونة، وربما إعادة التفكير في آليات توزيع مكاسب الإنتاجية أو فرض ضريبة على الأتمتة كما طرح بعض المفكرين.
إن القوة الشرائية والاستقرار المجتمعي يشكلان خطين أحمرين في أي نظام اقتصادي حديث. وإذا جرى تجاوزهما، فلن يكون المتضرر الموظف وحده، بل المنظومة بأكملها، بما فيها الشركات التي راهنت على الأتمتة الشاملة.
التكنولوجيا تسرّع إيقاع التاريخ، لكن السياسة هي التي تحدد اتجاهه. والسؤال الحقيقي ليس: هل يمكن إيقاف الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نملك الإرادة لصياغة قواعد تضمن أن تبقى إنسانية الاقتصاد متقدمة على سرعة الخوارزميات؟
السؤال الحقيقي إذن، ليس عن قدرة الخوارزميات على محاكاة العقل البشري، بل عن قدرة الإنسان على وضع العقل في خدمة الإنسانية.

salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

السودان ومصر: من سيكولوجيا “وادي النيل” إلى وعي “السيادة الوطنية”

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة تفكيك خطاب الانعتاق والسيادة:لم يعد الحديث عن “الانعتاق” من …