علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
في ١٦ فبراير ٢٠٢٦، نشرت منظمة العفو الدولية تقريرًا خطيرًا وثّق بالأسماء والتواريخ والأرقام قيام السلطات المصرية باعتقال لاجئين، بينهم سودانيون، واحتجازهم تعسفيًا، وترحيل بعضهم قسرًا، رغم أن عددًا منهم مسجل رسميًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. التقرير لم يكن عامًا، بل أشار إلى وقائع محددة، من بينها إعادة ٢٠٧ سودانيين قسرًا في ديسمبر ٢٠٢٥، و٣٧١ آخرين في يناير ٢٠٢٦، مع بقاء نحو ٤٠٠ سوداني محتجزين داخل مراكز الاحتجاز المصرية في نفس الفترة. هذه الأرقام لم تأتِ من مصادر معارضة، بل من تصريحات رسمية للسفير السوداني في القاهرة نفسه، وهو ما يعني أن الأمر لم يكن حادثًا فرديًا، بل سياسة قائمة.
لفهم خطورة هذه الوقائع، يجب العودة إلى أصل الأزمة. في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، اندلعت الحرب في السودان نتيجة مباشرة للصراع بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع. هذه الحرب أدت، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى نزوح أكثر من ٨,٨ مليون سوداني داخل البلاد وخارجها، وفرار مئات الآلاف إلى مصر وحدها. هؤلاء الأشخاص لم يغادروا بلادهم طوعًا، بل أُجبروا على ذلك نتيجة انهيار الأمن، وتدمير البنية التحتية، وتحول العاصمة الخرطوم نفسها إلى منطقة قتال مفتوحة.
القانون الدولي واضح في مثل هذه الحالات. المادة ٣٣ من اتفاقية اللاجئين لعام ١٩٥١، التي وقّعت عليها مصر وأصبحت ملزمة بها قانونيًا، تحظر بشكل صريح إعادة أي لاجئ إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر حقيقي على حياته أو حريته. هذا المبدأ، المعروف باسم “عدم الإعادة القسرية”، لا يسمح بأي استثناءات إدارية أو أمنية. ومع ذلك، فإن ما وثقته منظمة العفو الدولية يؤكد أن عمليات الترحيل حدثت بالفعل، رغم استمرار الحرب في السودان، ورغم أن السودان، بحكم الواقع، لا يزال منطقة نزاع مسلح نشط.
الجانب الأكثر خطورة في هذه القضية هو أن عمليات الترحيل هذه لم تحدث في فراغ سياسي، بل في سياق علاقة رسمية قائمة بين القاهرة والسلطة التي يقودها عبد الفتاح البرهان. هذه السلطة، التي كانت السبب المباشر في نزوح هؤلاء الأشخاص، لا تزال تتعامل رسميًا مع الدولة المصرية، وتصدر عبر سفارتها بيانات تتحدث عن إعادة مواطنيها، كما حدث في ديسمبر ٢٠٢٥ ويناير ٢٠٢٦. هذا يعني أن اللاجئ السوداني، الذي فرّ من الحرب التي نشبت تحت قيادة البرهان، يجد نفسه معرضًا لخطر الإعادة إلى نفس السلطة التي فشلَت في حمايته أصلًا.
المشكلة هنا ليست إدارية، بل قانونية وسياسية. لأن إعادة اللاجئ إلى منطقة حرب لا تعني مجرد نقله جغرافيًا، بل تعني تعريضه مجددًا لخطر الموت أو الاعتقال أو العنف. هذا ما يجعل مبدأ عدم الإعادة القسرية أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي، لأنه وُضع تحديدًا لمنع الدول من التخلص من اللاجئين عبر إعادتهم إلى نفس الظروف التي أجبرتهم على الفرار. الوقائع التي وثقتها منظمة العفو الدولية تُظهر أن بعض اللاجئين الذين اعتُقلوا كانوا يحملون بالفعل بطاقات تسجيل صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه البطاقات ليست رمزية، بل تمنح حاملها وضعًا قانونيًا معترفًا به دوليًا. اعتقال هؤلاء الأشخاص، واحتجازهم، ثم ترحيل بعضهم، رغم هذا الوضع القانوني، يمثل انتهاكًا واضحًا للالتزامات الدولية التي تعهدت بها مصر.
المسؤولية في هذه الحالة موزعة بوضوح. حكومة البرهان تتحمل المسؤولية الأساسية لأنها كانت السبب المباشر في خلق موجة النزوح عبر الحرب التي اندلعت تحت قيادتها. والسلطات المصرية تتحمل مسؤولية قانونية مستقلة لأنها، بصفتها دولة طرفًا في اتفاقية اللاجئين، ملزمة قانونًا بعدم إعادة أي شخص إلى منطقة خطر. النتيجة النهائية هي أن اللاجئ السوداني أصبح عالقًا بين دولتين؛ دولة فشلَت في حمايته، ودولة لم تلتزم بالكامل بحمايته بعد أن لجأ إليها.
هذه ليست قضية سياسية مجردة، بل قضية قانونية واضحة، قائمة على وقائع محددة، وأرقام محددة، وتواريخ محددة، والتزامات قانونية محددة. وهذا هو جوهر القضية.
وفي قلب هذه المأساة، يبرز عبد الفتاح البرهان ليس بوصفه حامي دولة، بل بوصفه سلطة تبحث عن شرعية فقدتها يوم فقدت السيطرة على الأرض والإنسان معًا. فالسلطة التي تسببت حربها في نزوح الملايين، لم تسعَ أولًا إلى إنهاء أسباب النزوح، ولا إلى تهيئة البلاد لعودة آمنة تحفظ حياة مواطنيها، بل اندفعت في اتجاه معاكس، تبحث عن استعادة “مظهر الدولة” عبر استعادة البشر أنفسهم، ولو كانوا مجرد أجساد تُعاد إلى أرض لم تعد قادرة على حمايتهم. إن إعادة ٢٠٧ سودانيين في ديسمبر ٢٠٢٥، و٣٧١ في يناير ٢٠٢٦، وفق ما أكدته التصريحات الرسمية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق؛ فهي ليست مجرد حركة عودة، بل محاولة لإعادة تكوين شعبٍ على الورق، بينما لا تزال الحرب قائمة في الواقع. وفي هذا المشهد، تتحول القاهرة من دولة مضيفة إلى طرفٍ منفذ، يعيد هؤلاء اللاجئين إلى نفس السلطة التي فشلت في حمايتهم أصلًا، وكأن حياة هؤلاء البشر أصبحت جزءًا من معادلة سياسية، لا قضية قانونية وإنسانية مستقلة. وهكذا، يجد اللاجئ السوداني نفسه ضحية مرتين؛ مرة حين أجبرته حرب البرهان على الفرار، ومرة حين يُعاد إليه قسرًا، لا لأن الحرب انتهت، بل لأن السلطة التي أشعلتها تحتاج الآن إلى شعبٍ يعيد إليها وهم الشرعية.
وما يجعل هذه الجريمة أكثر اكتمالًا ليس فقط الفعل ذاته، بل الصمت الذي يحيط به. صمتٌ ثقيل، بارد، ومريب، من عالمٍ يملك القدرة على التوثيق، لكنه يتردد في الفعل؛ يملك لغة القانون، لكنه يتراجع أمام حسابات السياسة. فالتقارير تُنشر، والانتهاكات تُوثق، والأرقام تُعلن، لكن الإرادة الدولية تبقى معلقة في منطقة رمادية، لا تدين بما يكفي لتغيير الواقع، ولا تتحرك بما يكفي لوقفه. هذا الصمت ليس حيادًا، بل موقفًا فعليًا، لأن الصمت في مواجهة الإعادة القسرية ليس فراغًا، بل مساحة تُترك مفتوحة لاستمرارها. وهكذا، يجد اللاجئ السوداني نفسه ليس فقط ضحية حربٍ وسلطةٍ وقرارٍ حدودي، بل ضحية نظام دولي يعرف، ويرى، ويسجل، ثم يختار أن يمضي قدمًا، تاركًا الإنسان وحده في مواجهة مصيره، وكأن القانون الذي وُجد لحمايته لا يعمل إلا حين لا يكون ثمن تطبيقه سياسيًا.
وفي نهاية هذا المشهد، لا يعود السؤال قانونيًا فقط، بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا وتاريخيًا في آنٍ واحد؛ من يتحمل مسؤولية هذا الإنسان الذي وجد نفسه مطرودًا من دولته، ثم مهددًا بالطرد من ملاذه؟ لأن اللاجئ السوداني الذي أُعيد قسرًا لم يكن يعبر الحدود بحثًا عن امتياز، بل كان يعبرها هربًا من حربٍ اندلعت تحت سلطة قائمة، وما زالت تلك السلطة نفسها تمارس وظائفها الدبلوماسية كاملة، وتستلم مواطنيها المُعادين، وكأن الأمر لا يتجاوز حركة عبور عادية، لا إعادة بشر إلى منطقة خطر نشط. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يكون اللاجئ مجرد ضحية حرب، بل يصبح ضحية نظام قانوني لم يُطبّق، وضحية قرار سياسي اتُّخذ رغم وضوح الالتزام، وضحية واقع دولي يسمح بحدوث ذلك ثم يكتفي بالتوثيق.
القضية هنا ليست في قدرة دولة على ضبط حدودها، فهذا حق سيادي لا جدال فيه، بل في كيفية استخدام هذه السيادة؛ هل تُستخدم كأداة تنظيم تحترم القانون الدولي، أم كأداة إقصاء تتجاوزه؟ لأن مبدأ عدم الإعادة القسرية ليس توصية أخلاقية، بل التزام قانوني مُلزم، صُمم تحديدًا للحظات كهذه، حين يقف إنسان على الحد الفاصل بين الحياة والخطر. تجاوزه لا يعني فقط انتهاك نص قانوني، بل يعني إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها؛ من كيان يوفر الحماية، إلى كيان يعيد توزيع الخطر.
وبموازاة ذلك، فإن المسؤولية الأصلية لا تسقط عن السلطة التي أنتجت هذا النزوح. لأن ملايين السودانيين الذين خرجوا من بلادهم لم يغادروها بسبب كارثة طبيعية، بل بسبب حرب اندلعت تحت قيادة سلطة قائمة، وما زالت تلك السلطة نفسها قائمة، تمارس علاقاتها الرسمية، وتستقبل مواطنيها المُعادين قسرًا، دون أن تكون قد وفّرت لهم أصلًا الحد الأدنى من الأمان الذي يسمح بعودتهم. وهنا تتكامل دائرة المسؤولية؛ سلطة دفعت شعبها إلى الخروج، وسلطة أخرى أعادت بعضهم إلى نفس نقطة الخطر. لكن التاريخ لا يختزل الأمور في لحظتها الإدارية. التاريخ، حين يعود إلى هذه الوقائع، لن ينظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد إحصاءات، بل باعتبارها قرارات. سيُسجّل أن وراء كل رقم إنسانًا، وأن وراء كل إنسان قرارًا، وأن وراء كل قرار مسؤولية. سيُسجّل أن الحرب دفعتهم، وأن الحدود أوقفتهم، وأن القانون الذي وُضع لحمايتهم لم يُطبّق بالكامل. لأن الدول، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض السيطرة، بل بقدرتها على ممارسة تلك السيطرة ضمن حدود القانون.
وهكذا، يبقى اللاجئ السوداني اليوم ليس مجرد شاهد على حربٍ أجبرته على الرحيل، بل شاهدًا على اختبارٍ أكبر؛ اختبار التزام الدول بما وقّعت عليه، واختبار معنى الحماية حين تتحول من نص قانوني إلى قرار سياسي. وفي هذا الاختبار، لا تكون القضية مجرد حركة عبور عبر الحدود، بل سؤالًا مفتوحًا سيبقى مطروحًا؛ حين يهرب الإنسان من الحرب، هل يجد حماية القانون، أم يجد حدود السياسة؟ لأن الإجابة على هذا السؤال لا تحدد فقط مصير اللاجئين، بل تحدد أيضًا المعنى الحقيقي للالتزام، حين يصبح موضع امتحان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم