مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع في أجندته قضايا (من الوزن الثقيل) مثل الحرب الأوكرانية-الروسية وقضايا الأمن الأوربي والمهددات العالمية..بالرغم من أنه ليس بمؤتمر حكومي بل منصة مستقلة للتداول حول شؤون الأمن العالمي والسياسات الأمنية.
ودائما ما يحظي بحضور قوي لصنّاع القرار والمسؤولين وقادة الدول والحكومات والمنظمات العالمية..خاصة في مجال السياسة الخارجية والدفاع والأمن وغالباً ما تتضمّن أجندته في كل دورة (النزاعات المسلّحة المُسببة لزعزعة الاستقرار والأمن الإقليمي والعالمي)..!
الدورة الحالية للمؤتمر “13-15 فبراير” شهدت تركيزاً كبيراً على الحرب في السودان..وخرجت منها معلومات غاية في الأهمية، خاصة ما أدلت به وزيرة الخارجية البريطانية “ايفيت كوبر” ومبعوث الإدارة الأمريكية “مسعد بولس” بما يُفهم منه الكثير من المُستجدات التي طرأت حول المبادرة الرباعية، والاتجاه الأمريكي لإشراك الأمم المتحدة و(أطراف أخرى) بجانب دول الرباعية ..خاصة الدول (ذات الصلة بطرفي الصراع)..والأولويات المتعلقة بترتيبات الهدنة وفصل القوات وتوفير (الآلية الخاصة للرصد) وتمركزها على الأرض.. والغطاء القانوني الأممي الذي يستوجب صدور (قرار بالهدنة وإيقاف الحرب من الأمم المتحدة)..!
وكان إقرار كل المتحدثين بأن الحل في نهاية الأمر يجب أن يكون (سودانياً خالصاً) بعد وقف الحرب فهم أدري بشؤون بلدهم..مع التأكيد على ضرورة التوصّل إلى حكومة مدنية..لا تشارك فيها أطراف الصراع..!
ما صدر من وزيرة الخارجية البريطانية ومسعد بولس يحتاج إلى قراءة وإعادة قراءة من ذوي الشأن السياسي المدني..ومن طرفي الصراع..!
أما موقف (أنصار الحرب) فقد عبّر عنه كامل إدريس (كأسوأ ما يكون التعبير)..وقد وضعه محاوروه قي اللقاء الصحفي في مكانه اللائق به..حيث كانوا يشيرون إليه بأنه (ممثل الجيش ومندوب البرهان)..!
وعندما نقلت محاورته حديثه الرافض للهدنة ووقف الحرب إلى منصة جمعت وزيرة الخارجية البريطانية والمبعوث الأمريكي وممثلة الحكومة الألمانية؛ كان ردهم التجاهل الكامل لكل ما طفح به كامل إدريس من خزعبلات..وأجمع الثلاثة على تسمية جيش البرهان والدعم السريع بـ(طرفي النزاع)..!
وعندما تساءلت مديرة الجلسة قائلة للوزيرة البريطانية ومسعد بولس: انتم تتحدثون عن التفاوض والحوار والهدنة..ومندوب البرهان كامل ادريس يقول انه لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع ..كانت ردود الوزيرة والمبعوث وممثلة ألمانيا تشير إلى ضرورة تجاهل تصريحات أطراف الحرب..وهذا كلام ردّده بولس كثيراً بقوله: نحن لا نهتم بما يُقال ولكن بما يجري على الأرض..!
في ذات الجلسة الرئيسية سمحوا لشاب سوداني (عشريني) جاء من داخل السودان بحضورها والجلوس بجوار الوزيرتين وبولس..ولم يسمحوا لكامل إدريس بالحضور حيث لم يكن من بين المدعوين الرسميين..!
المتحدثون في المؤتمر أجمعوا على أن ما يجري في السودان يجب أن يتوقف بـ(أقصى سرعة ممكنة)..باعتبار أنه بلغ درجة مروّعة من المخاطر والتهديد لحياة المدنيين..وسردوا بتكرار و(بأسى بالغ) الأعداد المُفزعة لضحايا الحرب من القتلى والمُصابين واللاجئين والنازحين والجوعى..والأوضاع الحرجة التي فاقت كل المعدلات لنقص وانعدام الدواء والإيواء والأمن؛ والحالة المتردّية وغير المسبوقة للأوضاع الغذائية والصحية وانهيار التعليم والمرافق واتساع حالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية على النساء والأطفال بمعدلات قياسية مرعبة وبصفة يومية ومنهجية..!!
وأشاروا أكثر من مرّة إلى خطورة استخدام الأسلحة الكيمائية..!!
كل المتحدثين ذكروا بالتفصيل هذه الأوضاع إلا مندوب البرهان كامل إدريس الذي كان يهيم (في وادٍ آخر)..!
لم يتحدث بجملة واحدة ذات معنى أو إحساس عن معاناة السودانيين (بل كان يضحك مزهوّاً بسجم رماد لا نعلمه) حتى قالت له مديرة الحوار الإعلامي أنت تثرثر كثيراً..فلا تطلب مني وقتاً إضافياً..!
كلما سألته عن ضرورة إيقاف الحرب يغمض عينيه عن المليشيا التي صنعها وسلحها الذين أرسلوه..ويقول: لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع..ثم يتمتم بكلمات غامضة عن (كولومبيا وأوكرانيا)..حتى قالت له ساخرة: وما هو إذاً الطرف الذي تقول انك ترفض الهدنة معه..؟!
(لا حول ولا قوة..العالم يرتعد رعباً من حرب السودان والبلابسة يتشاكسون ويكيدون لبعضهم حول عطاء صيانة جسر الحلفاية وفضيحة إيجارات منازل الوزراء بالدولار)..!!
شارك في هذا المؤتمر أكثر من 1000 شخص من 115 دولة و60 من قادة الدول ورؤساء الحكومات وممثليها ..وحضر فيه ثلثا قادة الحكومات الأوروبية و25% من أعضاء الكونغرس و50 من مديري المنظمات العالمية الكبرى مثل الناتو والآسيان والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ووكالات الأمم المتحدة الرئيسية ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي ..بجوار كل هذا الجمع قال كامل إدريس في لقاءه الصحفي إنه لم تصل إليهم أي (مبادرة ملموسة) لإيقاف الحرب وإنهم لم يتفقوا على أي هدنة..!
في كل مرّة تسأله محاورته يعود ويقول: لا يوجد دعم سريع ولكن يوجد مرتزقة كولومبيين وأوكرانيين..! حتى أوشكت هذه السيدة أن تقول له: طيب نريد عقد هدنة بين جيشكم وبين أوكرانيا وكولومبيا.. الله لا كسّبكم..!
murtadamore@yahoo.com
مرتضى الغالي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم