هل تعلمنا من الحرب… أم ما زلنا نكرر أخطاءنا القديمة؟

مختار العوض موسى

بعد كل حرب يطرح سؤال قاسٍ على الشعوب التي نجت من ويلاتها: هل تعلمتم شيئاً؟
هذا السؤال لا يتعلق بحجم الدمار ولا بعدد الضحايا؛ فهذه أرقام تتكفل الذاكرة برصدها وتوثيقها. لكن السؤال الأعمق هو: هل تغيّر وعي المجتمع بعد الحرب؟ أم أنها ستتحول إلى مجرد فصل جديد في كتاب الأزمات؟
في البداية، يجب أن ندرك أن المشكلة ليست في اندلاع الحرب في حد ذاته؛ فالتاريخ الإنساني لكثير من الدول وثّق صراعات عديدة مرت بها. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ بعد أن تنتهي هذه الحروب: ماذا تفعل الشعوب بذاكرة الألم التي خلّفتها؟
هل تتحول التجربة القاسية التي عاشتها إلى لحظة وعي تعيد فيها الأمم التفكير في مسارها كله، أم تصبح مجرد حادثة أخرى تُضاف إلى سجل الأزمات؟
في السودان، لا يبدو السؤال اليوم متعلقاً فقط بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل بإعادة التفكير في الطريقة التي أدار بها السودانيون خلافاتهم لعقود طويلة. فالحرب لم تكن مجرد انفجار مفاجئ، بل كانت – في جانب منها – نتيجة تراكمات من الصراع السياسي وسوء إدارة الاختلاف.
ولهذا فإن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم ليست مجرد نهاية حرب، بل ربما تكون بداية اختبار تاريخي جديد: هل نتعلم من التجربة… أم نكررها بصورة أخرى؟
بعد الحرب: هل تعلمنا شيئاً حقاً؟
في السودان تبدو الإجابة، حتى الآن، غامضة ومقلقة في الوقت نفسه. فقد كشفت الحرب كثيراً من الحقائق التي ظل المجتمع يتجنب مواجهتها لسنوات طويلة: هشاشة الدولة، وضعف المؤسسات، وعمق الانقسام السياسي. والأخطر من ذلك كله أنها كشفت سهولة انزلاق الخلافات السياسية إلى صراع يهدد وجود الوطن نفسه.
ومع ذلك، فإن المقلق ليس ما كشفته الحرب بقدر ما يكمن في السؤال الأهم: هل تغيّر شيء في طريقة التفكير بعد كل ذلك؟
لا يزال الخطاب العام، في كثير من الأحيان، يدور حول نفس اللغة القديمة: لغة التخوين والإقصاء والتشكيك المتبادل؛ وكأن التجربة القاسية لم تكن كافية لإقناع الجميع بأن الوطن أكبر من أي صراع سياسي أو حسابات ضيقة.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بوضوح هي أن الاختلاف في السودان لم يكن يوماً المشكلة الأساسية. فكل المجتمعات الحية تنهض بتعدد الآراء والرؤى؛ ما يعني أن الاختلاف ليس مرضاً سياسياً، بل قد يكون علامة صحة ووعي إذا أُدير بعقلانية.
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع صفري يرى فيه كل طرف أنه الأصلح وحده، وأن بقاءه في المشهد السياسي مشروط بإلغاء الآخر. عندها لا يعود الخلاف مجرد منافسة سياسية، بل يتحول إلى معركة وجود، تدفع البلاد دائماً إلى دائرة مفرغة من الصراع العقيم، لا نجني من ورائها إلا التشرذم والفشل.
وهنا تكمن واحدة من أعقد أزمات التجربة السودانية منذ الاستقلال. فبدلاً من أن يتحول تنوعنا السياسي والثقافي إلى مصدر ثراء، أصبح – في كثير من الأحيان – ساحة تنافس حاد على السلطة، وكأن الدولة غنيمة حرب يجب السيطرة عليها، لا إطاراً مشتركاً لإدارة البلاد.
لقد عاش السودان عقوداً طويلة من الصراع السياسي الذي لم يكن يدور حول اختلاف البرامج بقدر ما كان يدور حول من يملك الدولة ومن يُقصى منها. وفي مثل هذه البيئة يصبح التوافق الوطني مهمة شبه مستحيلة، لأن كل طرف يخشى أن يتحول تنازله إلى خسارة شخصية لا تضحية وطنية.
ومع مرور الزمن، تراكمت هذه الذهنية حتى أصبحت جزءاً من الثقافة السياسية نفسها. ولهذا لم يعد السؤال: لماذا نختلف؟ بل أصبح: لماذا لم نتعلم كيف نختلف دون أن نحطم الوطن؟
الغريب أن المجتمع السوداني نفسه لم يكن يوماً مجتمعاً مغلقاً أو عدائياً بطبيعته. فالتاريخ الاجتماعي للسودان مليء بصور التعايش والتداخل الثقافي بين مكوناته المختلفة. لكن السياسة – في كثير من الأحيان – نجحت في تحويل هذا التنوع الطبيعي إلى خطوط انقسام حادة، قادت البلاد إلى صراعات ونزاعات مسلحة وأزمات سياسية ممتدة.
وهذا يعني أن الأزمة ربما لم تكن في المجتمع نفسه بقدر ما كانت في الطريقة التي أُدير بها الصراع السياسي.
ومن البديهيات المعروفة أن الأمم لا تتوحد لأنها متشابهة، بل لأنها تدرك أن استمرار الخلاف دون ضوابط يمكن أن يقود إلى الانهيار. فالدول المستقرة لم تُلغِ اختلافاتها، بل بنت مؤسسات وقواعد واضحة لإدارة هذا الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع مدمر.
إن السودان اليوم يقف أمام لحظة اختبار تاريخية. فالحرب وضعت أبناءه أمام مرآة قاسية كشفت حجم الخلل في التجربة السياسية. لكن المرآة وحدها لا تغيّر الواقع؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما تتحول الصدمة إلى مراجعة عميقة للذات، وعندما يتحول الفشل إلى دافع لإعادة التفكير في مستقبل الدولة.
فالسؤال الذي يجب أن نواجهه جميعاً بصدق ليس فقط: من المسؤول عمّا حدث؟ بل الأهم: كيف نمنع تكراره؟
فإذا استطعنا أن نتعلم من هذه التجربة، وأعدنا التفكير في مفهوم الدولة والشراكة الوطنية، فقد تتحول هذه الحرب – رغم قسوتها – إلى لحظة تأسيس جديدة لوطن أكثر تماسكاً. أما إذا عادت أنماط الصراع القديمة، فإن الدرس القاسي للحرب قد يضيع كما ضاعت دروس كثيرة في تاريخ البلاد.
فالتاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها تختلف، بل لأنها تفشل في الاستفادة من اختلافها.
السؤال الأكبر الذي تركته الحرب في السودان ليس: من انتصر ومن خسر؟
بل: هل أصبحنا أكثر حكمة بعد كل هذا الألم؟
فالحروب لا تغيّر الجغرافيا فقط، بل تختبر أيضاً نضج الأمم وقدرتها على التعلم. وبعض الشعوب لا تنهض لأنها لم تتعرض للأزمات، بل لأنها عرفت كيف تحوّل الأزمات إلى لحظات وعي.
خاتمة
السودان اليوم أمام فرصة نادرة وقاسية في آنٍ واحد:
إما أن تتحول هذه التجربة إلى بداية وعي وطني جديد، أو أن تُضاف إلى سلسلة طويلة من الدروس التي لم نتعلم منها شيئاً.
فالتاريخ، في نهاية الأمر، لا يتذكر عدد الحروب التي خاضتها الأمم…
بل يتذكر ما إذا كانت قد تعلمت منها أم لا.
والله من وراء القصد.

mokhtaralawad@gmail.com

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

من الزناد إلى القانون: معركة إعادة تعريف القوة

مختار العوض موسى آمل ألا أكون مدفوعًا بميتافيزيقا الخوف في التحذير من مغبة انتشار السلاح …