جَدَلِيَّةُ “النَقاءِ الثَوْرِيِّ” والواقعية السِياسِيَّةِ” .. قِراءَةٌ مادِّيَّةٌ فِي مَقالِ الأُسْتاذِ عاطِف عَبْدِ اللّه

المُبْتَدَأُ: –
لَمْ تَعُدْ السِياسَةُ فِي عُرْفِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ صاحِبِ التَجْرِبَةِ السِياسِيَّةِ الثَرَّةِ وَالمُؤْلِمَةِ الَّتِي ناهَزَت الثَمانِينَ عاماً تَعْرِفُ “بِفَنِ المُمْكِنِ”، كَما يُقالُ، بَلْ غَدَتْ: “فَنُّ جَعْلَ المُسْتَحِيلِ مُمْكِناً”، عِنْدَما تَقْتَرِنُ الإِرادَةُ الثَوْرِيَّةُ بِالتَحْلِيلِ العِلْمِيِّ لِلواقِعِ.
وَالخَبَرُ: –
(1)
اِسْتَمْتَعَت بِقِراءَةِ مَقالِ الأُسْتاذِ عاطِف عَبْدِ اللّه بِعُنْوانِ “مُراجَعاتٌ ضَرُورِيَّةٌ لِمَسارِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ بَعْدَ دِيسَمْبِر” وَكُنْتُ مُنْذُ فَتْرَةٍ قَدْ اِعْتَزَلَت الرَدَّ عَلَى حَمْلَةِ مُنَظَّمَةٍ وَغَيْرِ مُبَرَّرَةٍ تَشُنُّها بَعْضُ الأَقْلامِ لِتَشْوِيهِ صُورَةِ وَمَواقِفِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ حِينَ عَقَلَت أَنَّ لِلحَمْلَةِ الشَعْواءِ أَهْدافاً غَيْرَ (بَنّاءَةٍ) وَبِتالِي قَنَعَتْ مِنْ خَيْرٍ فِيها وَاِقْتَنَعَتْ بِأَنَّ الرَدَّ عَلَى ما يَرُدُّ فِيها هُوَ مَضْيَعَةً لِلوَقْتِ وَإِهْداراً لِلحِبْرِ وَإِرْهاقٍ لِلحَرْفِ لِأَكْثَرَ؛ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَقالُ الأُسْتاذِ عاطِف عَبْدِ اللّه؛ مُثِيراً فِي شَغَفِ الاِشْتِباكِ؛ فَقَدْ اِحْتَوَى عَلَى ما يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَرُدُّ.

(2)
فِي خِضَمِّ العَواصِفِ الَّتِي تَجْتاحُ السُودانَ، بَرَزَت العَدِيدُ مِن الأَصْواتِ الَّتِي تُنادِي بِضَرُورَةِ إِجْراءِ “مُراجَعاتٍ لِمَسارِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ”، مُتَّهِمَةً إِيّاهُ بِالجُمُودِ وَالعُزْلَةِ وَالتَخَنْدُقِ خَلْفَ خِطابٍ أَخْلاقِيٍّ بَعِيدٍ عَن “الواقِعِيَّةِ السِياسِيَّةِ”. المَقالُ الأَخِيرُ لِلأُسْتاذِ عاطِف يُمَثِّلُ نَمُوذَجاً راقِياً لِهذا التَيّارِ النَقْدِيِّ البِنّاءِ، الَّذِي يُثِيرُ أَسْئِلَةً مَشْرُوعَةً حَوْلَ أَداءِ اليَسارِ السُودانِيِّ فِي مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ دِيسَمْبِرَ. وَلكِنْ، هَلْ تَحْمِلُ هذِهِ الدَعْوَةُ لِلبراغماتِيَّةِ (“الواقِعِيَّةُ”) فِي طَيّاتِها نَزْعَةً مِثالِيَّةً لا تَقِلُّ خُطُورَةً عَن “الاِنْغِلاقِ الأيديولوجِيِّ” الَّذِي تَنْتَقِدُهُ؟ دَعُونا نُمْعِنُ البَصَرَ وَالبَصِيرَةَ لِنَرَى.

(3)
مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ مادِّيَّةٍ مارْكِسِيَّةٍ، لا يُمْكِنُ الرَدُّ عَلَى هذِهِ الأَسْئِلَةِ بِمَنْطِقٍ أَخْلاقِيٍّ ثُنائِيٍّ (خائِنٍ/ثائِرٍ)، بَلْ بِتَحْلِيلٍ جَدَلِيٍّ يَكْشِفُ التَناقُضاتِ الطَبَقِيَّةَ الْكامِنَةَ وَراءَ الخِطابِ السِياسِيِّ. فَالدَعْوَةُ إِلَى “المَوْضُوعِيَّةِ” وَ”الْمِسْطَرَةُ الْمُشْتَرَكَةُ” لِقِياسِ مِيزانِ القُوَى، تَبْدُو بَرِيئَةً، لكِنَّها تُغْفِلُ الحَقِيقَةَ الْمادِّيَّةَ الجَوْهَرِيَّةَ: لا تُوجَدُ “مَوْضُوعِيَّةٌ” خارِجَ نِطاقِ الصِراعِ الطَّبَقِيِّ، وَلا تُوجَدُ “مِسْطَرَةٌ” مُحايِدَةٌ فِي مُجْتَمَعٍ تُمَزِّقُهُ التَناقُضاتُ؛ وَتَجْرِبَةُ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ الأَخِيرَةِ فِي تَحالُفِ قُوَى الحُرِّيَّةِ وَالتَغْيِيرِ؛ وَتَنْصِلُ غالِبِيَّةُ قُوَى ذلِكَ التَحالُفِ مِنْ بَرْنامَجِ الحَدِّ الأَدْنَى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَجْرُ سُقُوطِ النِظامِ وَتُنْكِرُها لِشِعاراتِ الثَوْرَةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ سَعْيُها لِلشَراكَةِ مَعَ العَسْكَرِ؛ هُوَ خَيْرُ شاهِدٍ وَأَبْلَغُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لا مَوْضُوعِيَّةَ خارِجَ الصِراعِ الطَبَقِيِّ.

(4)
يَزْعُمُ الأُسْتاذُ عاطِفٌ فِي مَقالِهِ أَنَّ الخِلافَ حَوْلَ الشَراكَةِ مَعَ العَسْكَرِ كانَ يُمْكِنُ تَجاوُزُهُ لَوْ اِتَّفَقَت القُوَى السِياسِيَّةُ عَلَى “مِسْطَرَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ” لِقِياسِ عَوامِلَ مِثْلِ تَماسُكِ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّةِ، وَالدَعْمِ الدَوْلِيِّ، وَقُدْرَةِ الشارِعِ عَلَى الضَغْطِ. هذا الاِفْتِراضُ يَخْتَزِلُ السِياسَةَ فِي مُعادَلَةٍ رِياضِيَّةٍ، وَيَتَجاهَلُ أَنَّ أَدَواتِ القِياسِ نَفْسِها هِيَ نِتاجُ الصِراعِ. المُؤَسَّسَةُ العَسْكَرِيَّةُ، فِي تَحْلِيلٍ مادِّيٍّ، لَيْسَتْ كَياناً مُحايِداً يُمْكِنُ قِياسُ “تَماسُكِهِ” كَظاهِرَةٍ فِيزْيائِيَّةٍ. إِنَّها تَجْسِيدٌ لِدَوْرِ الطَبَقَةِ المُسَيْطِرَةِ، وَحارِسٌ أَمِينٍ لِمَصالِحِ الرَأْسُمالِيَّةِ التابِعَةِ، وَشَبَكَةُ مَصالِحَ مُتَشابِكَةٍ مَعَ بَقايا النِظامِ القَدِيمِ وَالإِقْلِيمِيِّ. كَما أَنَّ “الدَعْمَ الدَوْلِيَّ” لِلتَحَوُّلِ المَدَنِيِّ لَمْ يَكُنْ يَوْماً دَعْماً لِلتَحَرُّرِ الوَطَنِيِّ أَوْ العَدالَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ، بَلْ كانَ عَلَى نَحْوٍ دائِمٍ رِهاناً عَلَى إِنْتاجِ نِظامٍ لِيبْرالِيٍّ تابِعٍ يُحافِظُ عَلَى هَيْمَنَةِ رَأْسِ المالِ العالَمِيِّ. إِنَّ قَبُولَ “المَسْطَرَةِ” الَّتِي يَقْتَرِحُها الكاتِبُ يَعْنِي قَبُولَ اللُعْبَةِ السِياسِيَّةِ بِقَواعِدَ مَفْرُوضَةٍ مِنْ الإِمْبِرْيالِيَّةِ وَوُكَلائِها المَحَلِّيِّينَ، ثُمَّ مُحاوَلَةِ قِياسِ مَوازِينِ القُوَى داخِلَها. المارْكِسِيَّةِ، بِالمُقابِلِ، تَبْحَثُ فِي كَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ هذِهِ القَواعِدِ نَفْسِها، لا كَيْفَ يُمْكِنُ التَكَيُّفُ مَعَها. (5)
يَحْمِلُ الكاتِبُ خِطابَ “إِسْقاطِ الشَراكَةِ” جُزْءاً مِن مَسْؤُولِيَّةِ إِضْعافِ الاِنْتِقالِ وَتَهْيِئَةِ المَسْرَحِ لِلاِنْقِلابِ. هذا التَحْلِيلُ يُقَلِّبُ الأَسْبابَ وَالنَتائِجَ. إِنَّ اِنْهِيارَ الاِنْتِقالِ لَمْ يَكُنْ نِتاجَ “الاِنْقِسامِ المَدَنِيِّ”، بَلْ نِتاجُ المُحْتَوَى الطَبَقِيِّ لِلاِنْتِقالِ نَفْسِهِ. كانَت الفَتْرَةُ الاِنْتِقالِيَّةُ تَقُومُ عَلَى هَشاشَةٍ اِقْتِصادِيَّةٍ نَتَجَت عَنْ عُقُودٍ مِنْ سِياساتِ اللِيبْرالِيَّةِ الجَدِيدَةِ وَالنَهْبِ الطُفَيْلِيِّ، وَكانَت تُدارُ مِن قِبَلِ حُكُومَةٍ اِلْتَزَمَتْ (طَوْعاً أَوْ قَسْراً) بِبَرْنامَجِ صُنْدُوقِ النَقْدِ الدَوْلِيِّ: تَحْرِيرِ سِعْرِ الصَرْفِ، خَفْضِ الدَعْمِ، وَتَكْرِيسِ سِياساتِ الخَرابِ الاِجْتِماعِيِّ. هذِهِ السِياساتُ هِيَ مِنْ أَضْعَفَت القاعِدَةُ الجَماهِيرِيَّةُ لِلثَوْرَةِ، وَجَعَلَتْ الشارِعَ يَعِيشُ تَناقُضاً: ثُوّارٌ بِالأَمْسِ يُرِيدُونَ الخُبْزَ اليَوْمَ، فَإِذا بِهِمْ يَجِدُونَ حُكُومَةَ الثَوْرَةِ تَرْفَعُ الأَسْعارَ!!!
(6)
شِعارُ “إِسْقاطِ الشَراكَةِ” لَمْ يَنْشَأْ مِنْ فَراغٍ، بَلْ كانَ تَعْبِيراً مَوْضُوعِيّاً عَنْ إِدْراكٍ جَماهِيرِيٍّ أَنَّ هذِهِ الشَراكَةَ لا تَسْتَطِيعُ تَحْقِيقَ أَهْدافِ الثَوْرَةِ، بَلْ تُكَرِّسُ الفَقْرَ وَالتَبَعِيَّةَ. القَوْلُ بِأَنَّ هذا الشِعارَ “أَضْعَفُ القُدْرَةِ عَلَى المُقاوَمَةِ” يَقْتَرِبُ مِنْ مَنْطِقِ الاِنْهِزامِيَّةِ. المُقاوَمَةُ الحَقِيقِيَّةُ تُبْنَى عَلَى وُضُوحِ البَرْنامَجِ، وَلَيْسَ عَلَى التَمَسُّكِ بِـ “أَوْسَعِ جَبْهَةٍ” تَضُمُّ بِالضَرُورَةِ مُتَناقِضاتٍ طَبَقِيَّةً تَلْتَهِمُ بَعْضُها بَعْضاً. الاِنْقِلابُ وَقَعَ لِأَنَّ المُعَسْكَرَ المُضادَّ لِلثَوْرَةِ (العَسْكَرِ، الإِسْلامِيِّينَ، رَأْسُ المالِ الطُفَيْلِيَّ، الإِقْلِيمَ) كانَ أَكْثَرَ تَنْظِيماً وَيَمْتَلِكُ أَدَواتِ الدَوْلَةِ وَالعُنْفِ، بَيْنَما التَيّارُ الثَوْرِيُّ مَشْغُولاً بِإِدارَةِ أَزْمَةٍ رَأْسِمالِيَّةٍ داخِلَ مُؤَسَّساتِ السُلْطَةِ الَّتِي ظَلَّتْ بِيَدِ العَدُوِّ (النِظامِ القَدِيمِ).
(7)
تَناوَلَ الأُسْتاذُ عاطِفٌ فِي مَقالِهِ مَوْضُوعَ الاِنْقِساماتِ داخِلَ الحِزْبِ، مُشِيراً لِخُرُوجِ الدُكْتورِ الشَفِيعِ خُضْر؛ وَمَجْمُوعَةٍ مِن كَوادِرِ وَمَنْسُوبِي الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ بَعْدَ المُؤْتَمَرِ السادِسِ؛ وَدُعاءٍ إِلَى التَعامُلِ مَعَ الاِخْتِلافِ فِي “تَقْدِيرِ المَوْقِفِ” كَاِخْتِلافٍ بَرْنامَجِيٍّ مَشْرُوعٍ، مُحَذِّراً مِن تَحْوِيلِهِ إِلَى “مُحاكَمَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ”. هذا الكَلامُ يَحْمِلُ قَدْراً كَبِيراً مِنْ الصَوابِ مِنْ الناحِيَةِ التَنْظِيمِيَّةِ، لكِنَّهُ يَتَجاهَلُ أَنَّ “تَقْدِيرَ المَوْقِفِ” فِي اللَحْظاتِ التارِيخِيَّةِ الحاسِمَةِ هُوَ جَوْهَرُ البَرْنامَجِ وَلَيْسَ هامِشَهُ.
(8)
الخِلافُ حَوْلَ تَقْيِيمِ مِيزانِ القُوَى، وَجَدْوَى الشَراكَةِ، وَطَبِيعَةِ الدَوْلَةِ، لَيْسَ خِلافاً تَكْتِيكِيّاً عابِراً. إِنَّهُ خِلافٌ اِسْتراتِيجِيٌّ يَعْكِسُ، بِشَكْلٍ مَوْضُوعِيٍّ، رُؤىً مُخْتَلِفَةٍ لِمَسارِ التَحَوُّلِ الاِجْتِماعِيِّ. عِنْدَما يَتَحَوَّلُ الخِلافُ إِلَى اِنْقِسامٍ تَنْظِيمِيٍّ، فَإِنَّهُ يَعْكِسُ غالِباً صِراعاً بَيْنَ مَنْطِقَيْنِ: مَنْطِقِ “الثَوْرَةِ” الَّذِي يَرَى فِي الجَماهِيرِ وَقُدْرَتِها عَلَى الصِراعِ المَفْتُوحِ مُحَرِّكَ التَغْيِيرِ، وَمَنْطِقُ “الإِصْلاحِ” الَّذِي يُراهِنُ عَلَى إِمْكانِيَّةِ التَغْيِيرِ التَدْرِيجِيِّ داخِلَ هَياكِلِ الدَوْلَةِ القائِمَةِ. إِنَّ تَوْصِيفَ هذِهِ الخِلافاتِ بِمُجَرَّدِ “اِخْتِلافاتٍ بَرْنامَجِيَّةٍ قابِلَةٍ لِلنِقاشِ” هُوَ اِخْتِزالٌ براغماتِيٌّ يُفَرِغُ الصِراعَ مِنْ مَضْمُونِهِ الطَبَقِيِّ، وَكَأَنَّ البَرْنامَجَ السِياسِيَّ يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْ تَقْيِيمِ الواقِعِ المادِّيِّ.

(9)
يَتَحَدَّثُ الكاتِبُ عَن جِيلٍ جَدِيدٍ خارِجَ الأُطُرِ الأيديولوجِيَّةِ التَقْلِيدِيَّةِ، وَلِجانِ مُقاوَمَةٍ تَرْفُضُ الوِصايَةَ الحِزْبِيَّةَ، وَمِزاجٌ شَعْبِيّاً يَبْحَثُ عَنْ حُلُولٍ مَعِيشِيَّةٍ مَلْمُوسَةٍ. هذا التَحْلِيلُ صَحِيحٌ فِي رَصْدِهِ لِلظاهِرَةِ، لكِنَّهُ يُسْطِحُ تَفْسِيرَها. رَفَضَ “الأُطُرُ الأيديولوجِيَّةَ التَقْلِيدِيَّةَ” هُوَ نِتاجٌ مَوْضُوعِيٍّ لِفَشَلِ النُخَبِ السِياسِيَّةِ (بِما فِيها بَعْضُ قُوَى اليَسارِ) فِي تَقْدِيمِ حُلُولٍ مَلْمُوسَةٍ لِلأَزْمَةِ المَعِيشِيَّةِ. الجَماهِيرُ لا تَبْحَثُ عَنْ “حُلُولٍ مَعِيشِيَّةٍ” مُنْفَصِلَةٍ عَنْ السِياسَةِ؛ بَلْ تَبْحَثُ عَنْ بَرْنامَجٍ يَسْتَجِيبُ لِحاجاتِها. العُزْلَةُ الَّتِي يُعانِيها الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ لَيْسَت عُزْلَةً عَنْ الجَماهِيرِ فِي جَوْهَرِها، بَلْ هِيَ نَتِيجَةٌ تَراكُمِيَّةٌ لِسَنَواتٍ مِنْ تَراجُعِ النِضالِ العُمّالِيِّ المُنَظَّمِ، وَهَزائِمَ مُتَتالِيَةً لِلحَرَكَةِ التَقَدُّمِيَّةِ، وَتَغَلْغُلِ قِيَمِ الرَأْسُمالِيَّةِ الطُفَيْلِيَّةِ الَّتِي حَكَمَتْ ثَلاثَةَ عُقُودٍ عِجافٍ؛ حَوَّلَت الجُوعَ إِلَى كُفْرٍ وَأَضْعَفَتْ الرُوحَ التَضامُنِيَّةَ.
(10)
الجَماهِيرُ لا تَبْحَثُ عَنْ وِصايَةٍ، لكِنَّها تَبْحَثُ عَنْ قِيادَةٍ تَسْتَطِيعُ تَرْجَمَةَ هُمُومِها “المَعِيشِيَّةَ المَلْمُوسَةَ” إِلَى بَرْنامَجٍ نِضالِيٍّ مُوَحَّدٍ. الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ، رَغْمَ الضَرَباتِ اليَمِينِيَّةِ المُتَلاحِقَةِ؛ لا يَزالُ يَسْعَى حَثِيثاً لِاِسْتِعادَةِ جُذُورِهِ المُتَأَصِّلَةِ داخِلَ الحَرَكَةِ الجَماهِيرِيَّةِ، وَحِينَها سَيَكْتَشِفُ الجَمِيعُ؛ أَنَّ الأَجْيالَ الجَدِيدَةَ لَيْسَت بِالضَرُورَةِ مُعادِيَةً لِلأيديولوجيا، بَلْ هِيَ مُعادِيَةٌ لِلشِعاراتِ الجَوْفاءِ الَّتِي لا تَلْمَسُ واقِعَها. إِعادَةُ بِناءِ الثِقَةِ لا تَتِمُّ عَبْرَ “تَحْدِيثِ الخِطابِ” لِيَتَوافَقَ مَعَ مِزاجِ الشارِعِ، بَلْ عَبْرَ النِضالِ اليَوْمِيِّ إِلَى جانِبِ الجَماهِيرِ فِي مَعارِكِها الاِقْتِصادِيَّةِ وَالاِجْتِماعِيَّةِ. (11)
تَحْتَ وَطْأَةِ الحَرْبِ الراهِنَةِ، يَدْعُو الأُسْتاذُ عاطِفٌ إِلَى “بِناءِ أَوْسَعِ جَبْهَةٍ مَدَنِيَّةٍ مُمْكِنَةٍ لِوَقْفِ الحَرْبِ وَاِسْتِعادَةِ المَسارِ الدِيمُقْراطِيِّ”. هذا الشِعارُ، رَغْمَ إِنْسانِيَّتِهِ، وَأَهَمِّيَّتِهِ؛ يَظَلُّ مُجَرَّداً إِذا لَمْ يُحَدِّدْ: مَعَ مَنْ تُبْنَى هذِهِ الجَبْهَةَ؟ وَعَلَى أَيِّ بَرْنامَجٍ؟ لَيْسَتْ كُلُّ القُوَى المَدَنِيَّةِ سَواءٌ. هُناكَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ القُوَى الَّتِي تُمَثِّلُ مَصالِحَ رَأْسِ المالِ الطُفَيْلِيِّ وَالإِسْلامِ السِياسِيِّ (الَّتِي تُشارِكُ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ فِي الحَرْبِ أَوْ تَسْتَفِيدُ مِنْ خَرابِها)، وَالقُوَى الَّتِي تُمَثِّلُ مَصالِحَ الكادِحِينَ. الدَعْوَةُ إِلَى “أَوْسَعِ جَبْهَةٍ” دُونَ تَمْيِيزٍ طَبَقِيٍّ هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى تَكْرارِ تَجْرِبَةِ “قُوَى الحُرِّيَّةِ وَالتَغْيِيرِ” الَّتِي ضَمَّتْ مُتَناقِضاتٍ وَأَدَّتْ إِلَى الوُقُوعِ فِي بَراثِنِ المَأْزِقِ الحالِيِّ.
(12)
الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ السُودانِيُّ يَعْلَمُ أَكْثَرَ مِن غَيْرِهِ أَنَّ الأَوْلَوِيَّةَ اليَوْمَ لَيْسَت “تَصْفِيَةَ حِساباتٍ مَعَ مَرْحَلَةٍ اِنْتِقالِيَّةٍ فاشِلَةٍ”، بَلْ اِسْتِخْلاصُ الدُرُوسِ مِن فَشَلِها لِبِناءِ تَحالُفٍ أَكْثَرَ صَلابَةً وَنَقاءً. الأَوْلَوِيَّةُ هِيَ العَمَلُ عَلَى تَقْوِيَةِ التَنْظِيماتِ الجَماهِيرِيَّةِ، وَبِناءِ خِطابٍ سِياسِيٍّ مُوَحَّدٍ يَكْشِفُ دَوْرَ القُوَى الإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَوْلِيَّةِ فِي تَأْجِيجِ الحَرْبِ، وَالنِضالِ مِن أَجْلِ تَوْفِيرِ الاِحْتِياجاتِ الإِنْسانِيَّةِ بَعِيداً عَن شُرُوطِ المانِحِينَ. وَقْفُ الحَرْبِ لَنْ يَتَحَقَّقَ عَبْرَ صَفَقاتٍ تُعَقَدُ فِي الخارِجِ تُعِيدُ إِنْتاجَ الهَيْمَنَةِ نَفْسِها، بَلْ عَبْرَ بِناءِ قُوَّةٍ اِجْتِماعِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى فَرْضِ حَلٍّ وَطَنِيٍّ يَخْدِمُ مَصالِحَ الشَعْبِ السُودانِيِّ وَطَبَقاتِهِ الكادِحَةَ.
(13)
نَعَم، المُراجَعاتُ الفِكْرِيَّةُ وَالبَرامِجِيَّةُ ضَرُورَةٌ. وَالتارِيخُ لَيْسَ مَرْجِعِيَّةً مُقَدَّسَةً. لكِنَّ المُراجَعَةَ المَطْلُوبَةَ مِنْ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ لَيْسَت تِلْكَ الَّتِي تُخَفِّفُ مِنْ حِدَّتِهِ الطَبَقِيَّةِ، أَوْ تَدْفَعُهُ لِلقَبُولِ بِـ “واقِعِيَّةٍ” الصَفَقاتِ السِياسِيَّةِ الَّتِي أَثْبَتَت فَشَلَها. المُراجَعَةُ المَطْلُوبَةُ هِيَ أَكْثَرُ عُمْقاً: وَتَتَلَخَّصُ فِي كَيْفَ يُعِيدُ الحِزْبُ بِناءَ صِلَتِهِ بِالطَبَقَةِ العامِلَةِ وَالمُزارِعِينَ. وَكَيْفَ يُطَوِّرُ أَدَواتِهِ لِتَحْلِيلِ الواقِعِ السُودانِيِّ المُعَقَّدِ دُونَ تَبْسِيطِ مُؤامَراتِي، مَعَ عَدَمِ التَخَلِّي عَن مَبْدَأِ أَنَّ الإِمْبِرْيالِيَّةَ هِيَ الرَأْسُ المُدَبِّرُ وَالرَأْسُمالِيَّةُ الطُفَيْلِيَّةُ المَحَلِّيَّةُ هِيَ الذِراعُ المُنَفَّذُ لِلأَزْمَةِ الوَطَنِيَّةِ. وَأَخِيراً كَيْفَ يُوازِنُ الحِزْبُ بَيْنَ الصِراعِ لِوَقْفِ الحَرْبِ وَالنِضالِ الاِسْتراتِيجِيِّ مِن أَجْلِ التَغْيِيرِ الجَذْرِيِّ.
(14)
الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ لا يَكْمُنُ فِي “الجُمُودِ الفِكْرِيِّ” فَحَسْبُ، بَلْ فِي الاِنْزِلاقِ نَحْوَ براغماتِيَّةٍ تُذِيبُ خُصُوصِيَّةَ المَشْرُوعِ الشُيُوعِيِّ وَتُحَوِّلُهُ إِلَى مُجَرَّدِ جَناحٍ يَسارِيٍّ فِي مَشْرُوعٍ لِيبْرالِيٍّ فاشِلٍ. “اِنْسِدادُ الأُفُقِ مِنْ الداخِلِ” لَيْسَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ النَقْدِ، بَلْ بِسَبَبِ صُعُوبَةٍ مُهِمَّةِ بِناءِ البَدِيلِ الثَوْرِيِّ فِي عَصْرِ اِنْحِسارِ المَدِّ الثَوْرِيِّ عالَمِيّاً. مُهِمَّةُ الحِزْبِ لَيْسَت اِسْتِعادَةَ ثِقَةِ “الشارِعِ” كَكُتْلَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُتَمايِزَةٍ، بَلْ اِسْتِعادَةِ القُدْرَةِ عَلَى قِيادَةِ قِطاعاتِهِ المُسْتَهْدَفَةِ (الطَبَقَةِ العامِلَةِ، وَالشَرائِحِ الاِجْتِماعِيَّةِ الضَعِيفَةِ) فِي مَعْرَكَةِ الخَلاصِ الوَطَنِيِّ وَالاِجْتِماعِيِّ، مَهْما بَدا ذٰلِكَ “حَدِّيّاً” وَفَظّاً فِي عُيُونِ دُعاةِ التَسْوِيَةِ.
(15)
وَأَخِيراً، قَدْ كانَ لِزاماً عَلَى فِي نِهايَةِ هذا المَقالِ -وَالَّذِي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْهَمَ فِي إِرْساءِ أَساسٍ لِحِوارِ هادِي وَبِناءٍ بَيْنَ مُنْتَقِدِي الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ وَمَنْسُوبِيهِ- أَنْ أُحَيِّيَ الأُسْتاذَ عاطِف عَبْدِ اللّه عَلَى مَقالِهِ المُحْتَرَمِ؛ الَّذِي دَفَعَنِي بِكُلِّ شَغَفٍ لِلاِشْتِباكِ مَعَهُ وَالرَدِّ عَلَيْهِ؛ هامِساً فِي أُذُنِهِ بِأَنَّ السِياسَةَ فِي عُرْفِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ؛ بَعْدَ تَجْرِبَةٍ سِياسِيَّةٍ طَوِيلَةٍ ثُرَةٍ وَمُؤْلِمَةً؛ ناهَزَتْ الثَمانِينَ عاماً؛ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ بِأَنَّها “فَنُّ المُمْكِنِ”، كَما يُرَدَّدُ، بَلْ غَدَتْ: “فَنُّ جَعْلِ المُسْتَحِيلِ مُمْكِناً”، عِنْدَما تَقْتَرِنُ الإِرادَةُ الثَوْرِيَّةُ بِالتَحْلِيلِ العِلْمِيِّ لِلواقِعِ.
تَيْسِيرُ حَسَن إِدْرِيسَ 04/03/2026م

tai2008idris@gmail.com

عن تيسير حسن إدريس

شاهد أيضاً

النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَرَةِ 1/2

المُبْتَدَأُ: – لِلهارِبِينَ إِلَى لُجَّةِ الرِدْحِيِّ وَالثَرْثَرَةِ نَقُولُ لَيْسَ هذا هُوَ الحَلُّ بِكُلِّ أَسَفٍ وَالخَبَرُ: …