صراع الخطاب بين “الناجيان” والحكومة.. إلى أين يتجه السودان؟

دكتور محمد عبدالله
حين تتكلم السياسة بصوتين، لا يكون السؤال عمّن رفع صوته أولاً، بل عمّن سيُحاسَب في النهاية.

في الأيام الماضية، خرجت بعض كوادر الحركة الإسلامية — أو ما بات يُعرف في التداول الشعبي بـ”الناجيان” — بتصريحات حادة تؤكد استعدادهم للوقوف مع إيران في صراعاتها الإقليمية، بلغة توحي بانحياز مبدئي لا لبس فيه. في المقابل، بدت حكومة بورتسودان حريصة على تبني خطاب دبلوماسي محسوب، يتجنب الاصطفاف، ويتفادى إعلان الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، مكتفية بلغة عامة عن احترام سيادة الدول وضرورة تجنب التصعيد.

هذا التباين ليس تفصيلاً عابراً. إنه يعيد إلى السطح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام توزيع أدوار مقصود؟ أم أمام انقسام حقيقي بين تيار متشدد لا يزال أسير سرديات المواجهة، وآخر براغماتي يدرك أن السودان المنهك لم يعد يحتمل مغامرات أيديولوجية .
من يتأمل لغة التصريحات الصادرة عن بعض الإسلاميين، يلحظ نبرة تستعيد قاموساً قديماً: معركة محاور، صراع هوية، مواجهة مع “الاستكبار”. وهي لغة لم تعد تجد الصدى نفسه لا في الإقليم ولا في الداخل. فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي كان يرفع شعارات الاصطفاف الحاد؛ بل بلد خرج مثخناً من ثلاثين عاماً من تجربة حكم أيديولوجي اختُبرت على الأرض لا في المنابر، ثم من حرب داخلية مدمرة، ومن عزلة دولية طويلة لا تزال آثارها ماثلة في الاقتصاد والسياسة معاً.

لقد كانت الحركة الإسلامية، طوال عقود، تقدم مشروعها باعتباره بديلاً تاريخياً للدولة الوطنية التقليدية. غير أن تجربة الحكم نفسها تحولت إلى اختبار قاسٍ لذلك المشروع؛ اختبار لم يترك خلفه نموذجاً قابلاً للاستعادة بقدر ما ترك إرثاً ثقيلاً من الأزمات والانقسامات. ولهذا تبدو محاولات استعادة الخطاب القديم أقرب إلى حنين سياسي منها إلى برنامج واقعي قابل للحياة.

في المقابل، يبدو خطاب الحكومة أقرب إلى الواقعية الباردة. ليس فيه حماس عقائدي، بل حسابات دقيقة: كيف نمنع مزيداً من العزلة؟ كيف نعيد فتح قنوات مع الإقليم والعالم؟ وكيف لا نُدرج أنفسنا في صراع لا طاقة لنا به؟

ثمة من يرى أن الأمر لا يتجاوز كونه اختلافاً في الأصوات لا في الموقف النهائي. أن تترك الحكومة مساحة لخطاب أكثر تشدداً قد يمنحها هامش مناورة: فهي ليست من أعلنت الاصطفاف، بل “أصوات حزبية”. لكن هذه القراءة تفترض قدرة عالية على ضبط الإيقاع، وعلى التحكم في الرسائل المرسلة إلى الخارج.

غير أن التجربة السودانية مع ازدواجية الخطاب لا تبعث على الاطمئنان. العالم لا يميّز كثيراً بين “كوادر” و”دولة” حين يتعلق الأمر بالتحالفات الكبرى. وما يصدر من قوى فاعلة داخل المشهد السياسي يُحسب في النهاية على صورة البلد، لا على نوايا أصحابه.

والاحتمال الآخر، وهو الأرجح لدى كثير من المراقبين، أن ما يجري يعكس صراعاً داخل التيار الإسلامي نفسه: بين جيل أو تيار لم يتصالح بعد مع نهاية تجربته في الحكم، وآخر بدأ يدرك أن السياسة بعد التجربة ليست كما كانت قبلها، وأن استعادة “الملك الضائع” لم تعد مسألة شعارات أو تعبئة خطابية، بل سؤال قدرة واقعية في مجتمع تغيّر وفي عالم لم يعد يتسامح مع المغامرات الأيديولوجية.

السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى وضوح الرسالة. الاقتصاد منهك، المؤسسات متصدعة، والشرعية السياسية محل جدل. في مثل هذا السياق، أي غموض في التوجه الخارجي يضاعف كلفة التعافي.

الانحياز العلني إلى محور بعينه، خصوصاً في بيئة إقليمية مشتعلة، قد يعيد البلاد إلى مربع العزلة والعقوبات. أما التباين بين خطاب حزبي متشدد وخطاب رسمي حذر، فيبعث برسالة ارتباك: هل هناك مركز قرار واحد؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة؟

المستثمر لا يغامر في بيئة ضبابية، والدول لا تبني شراكات استراتيجية مع طرف لا تعرف إن كان سيثبت على موقفه أم سينقلب عليه تحت ضغط تيار داخلي. حتى الحلفاء المحتملون يتوجسون من بلد تتنازع داخله الرؤى حول أولويات سياسته الخارجية.

في العواصم المؤثرة، تُقرأ الإشارات الصغيرة بعناية. عندما تصدر تصريحات داعمة لطرف إقليمي مثير للجدل، فإنها تُوضع في سياق أوسع: تاريخ السودان السياسي، علاقاته السابقة، وتركيبته الداخلية. ولا شك أن أي تقارب معلن مع إيران يُفهم ضمن شبكة حساسيات إقليمية معقدة.

التباين في التصريحات قد يُفسَّر بطريقتين: إما كدليل على وجود تعددية داخلية — وهو أمر إيجابي في ذاته — أو كعلامة على هشاشة القرار السياسي. والفارق بين التفسيرين يتوقف على ما سيحدث لاحقاً: هل تُحسم الرسالة الرسمية بوضوح؟ أم يستمر تعدد الأصوات حتى يتحول إلى ضجيج يطغى على صورة الدولة؟

ليس السؤال اليوم: هل يحق لتيار سياسي أن يعبر عن موقفه من صراع إقليمي؟ فذلك من صميم العمل السياسي. السؤال الأهم: هل يملك السودان ترف الاصطفاف الأيديولوجي في هذه اللحظة؟ وهل تتحمل دولته — بما فيها من هشاشة — تبعات هذا الاصطفاف؟

التجربة علمتنا أن الشعارات الكبيرة كثيراً ما تُدفع كلفتها من جيوب الناس البسطاء، لا من منصات الخطابة. وأن الدول التي تخرج من أزمات عميقة تحتاج إلى سياسة خارجية منخفضة السقف، عالية الحساب، تُغلب مصلحة التعافي الداخلي على نشوة الاصطفاف.

قد يكون ما نراه مجرد اختلاف في النبرة. وقد يكون بداية فرز حقيقي داخل التيار الإسلامي بين من لا يزال يخاطب ذاكرة الماضي، ومن يحاول التكيّف مع واقع جديد فرضته تجربة ثلاثة عقود كاملة من الحكم والاختبار. لكن المؤكد أن السودان لا يحتمل ازدواجية طويلة في الصوت والاتجاه.

فالدولة، في النهاية، لا تستطيع أن تتكلم بلسانين طويلاً دون أن تفقد القدرة على الإقناع بكليهما.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للترهيب والتشهير

د. محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.uk في أقل من عقدين، انتقل العالم الافتراضي من إتاحة رسائل قصيرة متبادلة …