عبد الرحمن النصري حمزة (1928-2010):

عبد الرحمن النصري حمزة (1928-2010):
أمين مكتبة جامعة الخرطوم ومؤسس علم المكتبات في السودان

أحمد إبراهيم أبوشوك

من الشخصيات التي استرعت انتباهي، حين كنتُ طالبًا بكلية الآداب في جامعة الخرطوم (1983–1987)، البروفيسور عبد الرحمن النصري حمزة، أمين مكتبة الجامعة آنذاك. كان مكتبه يقع في الطابق الأرضي من مبنى المكتبة الرئيسة، ويطل مدخله تجاه مكتبتي التجاني الماحي والشنقيطي. ولم تتح ليَّ فرصة الجلوس إليه أو التحاور معه عن قرب؛ غير أن الانطباع الذي ترسّخ في ذهني عنه أنه رجل وقور، قليل الكلام، واسع المعرفة بشؤون المكتبة ودورها الوظيفي في الحياة الجامعية. وبقيه الصورة يكملها تلميذه الطيب السلاوي، الذي درس على يديه في مدرسة حنتوب الثانوية، ووصفه بقوله إنه “كان أقرب إلى طول القامة، في بنية جسمانية متماسكة بادية للعيان. وكانت في عوارضه تجول بقايا مياه الشباب، فتظهر بجلاء في سرعة مشيته الواثقة، من غير كبرياء أو تعالٍ بين الناس. وعلى وجهه مسحة من حزم، تتوارى خلفها خفة روح وابتسامة موروثتان، كانتا تلوحان في ساعات تجلّيه أو انتقاله خارج حدود العمل الرسمي. ورغم أنها كانت ابتسامة مقتضبة، سرعان ما تختفي؛ ليعود الحزم من جديد حالما يجدّ الجد. وكان طِيب النفس ونقاء السريرة هما الباقيين على الدوام في أعماق الأستاذ الكريم. كان أستاذنا الجليل حسن الهندام في غير مغالاة، أو كثير اهتمام به. قمصانه الناصعة البياض ذات الأكمام الطويلة على الدوام، و”بناطيله” ذات الخامات الرفيعة حسنة الاختيار، تفصح عن ذوق رفيع في اختيار هندامه الأنيق المتناسق.” هذه هي صورة النصري الكاملة التي ظلت عالقة بذهني إلى تخرجت من جامعة الخرطوم.

المولد والنشأة
ولد عبد الرحمن النصري في مدينة الكوة عام 1928 في كنف أسرة متعلمة. إذ تخرج والده النصري حمزة من كلية غردون التذكارية عام 1921، وبعدها تخصص في العلوم بالجامعة الأمريكية ببيروت، (1929)، ثم واصل دراسته بكلية كتنشر في العلوم البحثية (1930). بدأ حياته العملية معلمًا بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، ثم نائبًا لناظر مدرسة حنتوب الثانوية، ثم ناظراً مؤسسًا لمدرسة خورطت الثانوية، ونائبًا لمدير المعارف إلى تاريخ تقاعده عام 1956. أما الابن عبد الرحمن فقد تقفى أثر والده في مساق معرفي آخر، إذا تخرج من مدرسة الآداب بكلية الخرطوم الجامعية عام 1948، ثم حصل على بكالوريوس الآداب في جامعة كمبردج عام 1957، ثم دبلوم علوم المكتبات في جامعة لندن عام 1960.

الحياة المهنية
بدأ عبد الرحمن النصري حياته المهنية معلمًا بمدرسة شندي الوسطى عام 1949، ثم أستاذًا للجغرافيا بمدرسة حنتوب الثانوية (1949-1952)، قبل أن يعمل محاضرًا بقسم الجغرافيا بكلية الآداب بجامعة الخرطوم (1955-1957). وفي مدرسة حنتوب يصفه تلميذه الطيب السلاوي بقوله: “كان الأستاذ قليل الحديث، إلا ما كان ذا صلة بما يصب في فائدة ومصلحة الطلاب. وكان في حديثه تمهّل ومنطق وتسلسل، يجعل المستمع إليه يتابعه دون مشقة أو عناء. وقد سعدنا بالجلوس إلى حلقات درسه في حنتوب، ولا سيما في الساعات المخصصة لدراسة الجغرافيا التطبيقية.” ويعزز السلاوي ذلك بقوله: “كان يفيض حماسة، ويجزل العطاء في تدريسه كلما أحس بازدياد حرص طلابه على حضور حلقات درسه، واستعدادهم الكامل وهم يحملون معهم ما يلزم من أدوات تلقَّي دروس الجغرافيا، وفي مقدمتها الأطلس والخرائط الكنتورية التي كان يقوم بإعدادها بنفسه، ويرسمها على صفحات “شمعات الرونيو”، ويشرف على طباعتها بين الحين والآخر.”
وبعد فترة التدريس في مدرسة حنتوب الثانوية (1949-1952) وقسم الجغرافيا بكلية الآداب بجامعة الخرطوم (1955-1957)، انتقل الأستاذ النصري للعمل بمكتب جامعة الخرطوم نائباً لأمينها البريطاني مايكل جولفى (Michael Jolliffe)، 1948-1960، وفي العام نفسه ابتعث إلى جامعة لندن، حيث نال دبلوم علوم المكتبات. وبعد عودته من البعثة، أصدر مجلس جامعة الخرطوم قرارًا بسودنة منصب أمين المكتبة، وبموجب ذلك عُين النصري أمينًا لها، وظل في هذا المنصب منذ عام 1962 إلى تاريخ تقاعده عام 1986. وبعد تعيينه أميناً للمكتبة اختيار سبعة خريجين من حملة بكالوريوس مرتبة الشرف الأول أو الثانية، وبعثهم إلى بريطانيا للتدريب في مجال المكتبات، وعين عدداً الكوادر غير الجامعية، التي حظيت بتدريب وتأهيل محلي، نظمته إدارة المكتبة.
وإلى جانب بناء القدرات المحلية وتأهيل الكوادر الفنية بالمكتبة، سعى الأستاذ النصري إلى الإفادة من الكتب والمنشورات الخاصة بالسودان ضمن مجموعة السير دوغلاس نيوبولد، السكرتير الإداري للسودان (1939–1945)، التي أهدتها أسرته إلى كلية الخرطوم الجامعية بعد وفاته. وقد شكّلت الإصدارات المختارة من هذه المجموعة نواة “مكتبة السودان”، التي أعانه في تأسيسها الأستاذ قاسم عثمان نور والأستاذ عباس الزين وآخرون. ويقول النصري في هذا المقام: “تمَّ بالفعل إنشاء هذه المكتب، وبدأت المكتبة في اقتناء ما نشر عن السودان، وقد لجأت إلى وسائل التصوير المتعددة لتكملة النقص، وقد شملت هذه الجهود تصوير المقالات التي نشرت في المجلات العالمية، وجمعت في مجلدات فهرست وصنفت، وتعد الآن من أهم المجموعات المتوفرة في هذه المكتبة.” وبعد إصدار قانون إيداع المصنفات لعام 1966 وتعديله لعام 1971م، أصبحت مكتبة السودان الحاضنة الأولى للمطبوعات التي تصدر في السودان، بما في ذلك الكتب، والرسائل الجامعية، والصور الفتوغرافية، والخرائط، والتقارير الحكومية، والاتفاقيات السياسية، وأوراق المؤتمرات، والصحف والمجلات، فضلاً عن الكتب التي تصدر خارج السودان. ولذلك وصفها قاسم عثمان نور بذاكرة الوطن، بحكم أنها أكبر وأغنى مكتبة للأدبيات السودانية في داخل القطر وخارجه. وكان استخدام مكتبة السودان قاصراً على أساتذة الجامعة والباحثين وطلبة الدراسات العليا، للإفادة من نظام الرفوف المفتوحة للحصول على المادة التي يبتغيها كل باحث، وكانت الرسائل الجامعية توضع في خزائن أو رفوف مغلقة؛ أما طلبة البكالوريوس فكانوا يحصلون على مقتنيات المكتبة عن طريق الإعارة الداخلية في المكتبة الرئيسة. وظلت مكتبة السودان منذ تاريخ تأسيسها في العام 1961 كائنة في الطابق الأول، والركن الجنوبي الغربي لمباني كلية غردون (مكتبة جامعة الخرطوم الرئيسة لاحقاً). وفي العام 1994 رُحلِّت مقتنياتها إلى أحد مباني جامعة الخرطوم المطلة على شارع الجمهورية (مبنى داخلية بحر الغزال سابقاً).
وإلى جانب تأسيس مكتبة السودان وتطويرها، أشرف البروفيسور عبد الرحمن النصري على استقبال عدد من المجموعات الخاصة التي أُهديت إلى مكتبة جامعة الخرطوم، وأسهمت إسهامًا كبيرًا في إثراء محتواها العلمي والثقافي. ومن أبرز هذه المجموعات مكتبة مكاوي سليمان أكرت (1909-1986)، أول مدير سوداني لمديرية كردفان (1955-1956)، ومجموعة البروفيسور سعد الدين فوزي (1921-1959)، أول عميد لكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية (1958-1959) بجامعة الخرطوم. كما ضمت المكتبة مجموعة القاضي محمد صالح الشنقيطي (1896-1968)، رئيس مجلس النواب لسنة 1958، التي أُهديت إلى المكتبة عام 1964، وكانت تحتوي على نحو خمسة آلاف كتاب من نفائس مراجع التراث العربي والقانون الشريعة وتاريخ السودان. وكذلك مجموعة البروفيسور التجاني الماحي (1911-1970)، عضو مجلس السيادة ورئيسًا دوريًا له (1964-1965)، التي أُهديت إلى المكتبة عام 1972، واشتملت على نحو 3000 مخطوطة، و700 خريطة، وأكثر من 1000 كتاب عن السودان، إلى جانب ما يقارب 12 ألف كتاب في مجالات علمية متنوعة. وقد خصصت المكتبة غرفتين منفصلتين لهاتين المجموعتين، أُطلق على إحداهما مكتبة الشنقيطي، وعلى الأخرى مكتبة التجاني الماحي. وتكشف هذه المجموعات الخاصة، إلى جانب غيرها مما احتضنته المكتبة، عن وجود شريحة من المتعلمين في السودان كانت شديدة العناية بالكتاب اقتناءً وقراءةً، الأمر الذي يصدق عليه القول الشائع آنذاك بأن “الخرطوم تقرأ.”

النصري وسنوات التقاعد
في عام 1986 تقاعد البروفيسور عبد الرحمن النصري من منصبه أمينًا لمكتبة جامعة الخرطوم، وخلفه في المنصب ذاته البروفيسور أبوبكر الصديق عثمان. وبعد تقاعده تفرغ النصري للعمل الأكاديمي وتأسيس مركز علوم المعلومات، الذي أصبح يمنح درجة الدبلوم العالي في المكتبات والمعلومات ودراسات الأرشيف. وفي عام 1993 عُدّل اسم المركز إلى قسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وأصبح القسم يمنح درجة البكالوريوس العام في أربع سنوات، ومرتبة الشرف في خمس سنوات، إلى جانب الدبلوم العالي ودرجتي الماجستير ودكتوراه الفلسفة في المكتبات والمعلومات والأرشيف وتقنيات المعلومات.
وبعد انتقال النصري لتأسيس شعبة المكتبات بجامعة أم درمان الأهلية، تولت إدارة المركز البروفيسور الرضية آدم محمد، ثم البروفيسور أبوبكر الصديق عثمان. وقد شغل النصري لاحقًا عمادة كلية التوثيق والمكتبات، ثم منصب نائب مدير الجامعة. وبعد هذه الرحلة الحافلة بالعطاء المهني الممتد توفي البروفيسور عبد الرحمن النصري حمزة عام 2010؛ إلا أنه قد ترك أثرًا مكتوبًا سيظل شاهدًا على عصره وعطائه المهني والأكاديمي أبد الدهر.

المؤلفات (كتب، مقالات، دراسات):
أولاً: كتب ومقالات ودراسات باللغة العربية

  1. “مكتبة جامعة الخرطوم”، الندوة الأولى لأمناء ومديري المكتبات في الجامعات العربية.
    بغداد: اتحاد الجامعات العربية، مارس 1972، ص 513–531.
  2. “تدريب أمناء المكتبات الجامعية”، الندوة الأولى لأمناء ومديري المكتبات في الجامعات العربية.
    بغداد: اتحاد الجامعات العربية، مارس 1972، ص 119-125.
  3. “الفهرس المصنف لمجموعة السودان بمكتبة جامعة الخرطوم”. مجلة آداب، كلية الآداب – جامعة الخرطوم، العدد 1، 1972، ص 163–167.
  4. فن المكتبات، الخرطوم: وزارة الاستخدامات والعمل، 1959.
  5. الفهرس المصنف لمجموعة السودان بمكتبة السودان بجامعة الخرطوم (بالاشتراك)، الخرطوم: جامعة الخرطوم، المكتبة، 1975.
  6. البريد عبر العصور (بالاشتراك مع علي النصري): الخرطوم: إدارة التخطيط والتدريب والميزانية، 1983.

ثانياً: كتب ومقالات ودراسات باللغة الإنجليزية.

  1. A Bibliography of the Sudan, 1938-1958 (Compiled with Richard Hill, Richard), Oxford University Press; 1962.
  2. A Bibliography of the Sudan, 1964-1966 (Compiled with Asma Ibrahim), Sudan Notes and Records, Vol. 49 (1968), pp. 162-191
  3. Education in the Sudan (ed.), Khartoum: Philosophical Society, 1960.
  4. Sudan Research Unity (ed.), Khartoum: Philosophical Society, 1962.
  5. Guide to Sudan Notes and Records, Vols. 1-55, 1918-1974, Khartoum: University of Khartoum Library, 1980.

ahmedabushouk62@hotmail.com

عن أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شاهد أيضاً

الدكتور أبو القاسم سعد العوض .. في سيرة رجل كانت حياته رسالة

الدكتور أبو القاسم سعد العوض (1933-2025)في سيرة رجل كانت حياته رسالة أحمد إبراهيم أبوشوك رنَّ …