الصادق حمدين
في سوق “مَلَجَةْ” السياسة السودانية الذي يغشاه “الضالع والمكسور”، كثيراً ما تختلط الأصوات حتى يصعب التمييز بين الصوت والصدى. وبين الأصلي والتقليد، وبين “ذبيحة الكيري وذبيحة البطري”، لكن أحياناً تأتي لحظة يتضح فيها المشهد فجأة، كأن أحدهم رفع الستار عن مسرح كان الجمهور يعرف ممثليه وأصل روايتهم مسبقاً، لكنه لم يكن يرى تفاصيلها بوضوح.
التسريب المنسوب لمحمد يوسف كبر رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني ونائب الرئيس المخلوع عمر البشير، ليس مفاجأة بالمعنى السياسي العميق للكلمة؛ فالعلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية الارهابية ظلت لعقود أشبه بزواج كاثوليكي لا طلاق فيه. الجديد فقط أن أحد أركان ذلك البيت قرر أن يتحدث بصوت عال، كاشفاً ما كان يُدار في الغرف المغلقة.
ما قاله محمد يوسف كبر، لم يأتِ بحقائق مجهولة بقدر ما أعاد ترتيب الكلمات التي ظل السودانيون يرددونها همساً. ففكرة أن قيادة الجيش ليست مستقلة تماماً عن شبكة الإسلاميين ليست اكتشافاً جديداً. لكن اللافت في حديثه هو نبرة الوصاية التي تحدث بها عن الفريق عبد الفتاح البرهان، وكأن الرجل ليس قائداً لجيش دولة بل موظف مؤقت في شركة سياسية يملكها آخرون. خمس سنوات فقط، كما قيل في التسريب، ثم تنتهي المهمة: حارس بوابة يفتح الطريق لعودة أصحاب الدار.
في تلك اللحظة يتحول البرهان من قائد إلى جسر زمني، ومن جسر إلى ممر عبور. وظيفة محددة بزمن: تمهيد الطريق، ترتيب المسرح، ثم الانسحاب بهدوء بعد أن يعود اللاعبون الحقيقيون إلى مقاعدهم. هكذا على الأقل يبدو المشهد في رواية كبر، حيث تتحول المؤسسة العسكرية من مؤسسة سيادية يفترض أن تحمي الدولة إلى أداة طيّعة ضمن مشروع سياسي أكبر.
الأكثر سخرية في القصة هي الحكاية التي وردت عن اعتذار البرهان لكوادر الحركة الإسلامية الارهابية بعد تصريح علني مسيء لهم. هنا تتجلى المفارقة السودانية في أجمل أو أقبح صورها سخرية: “كلام النهار يمحوه الليل”. في النهار خطاب للاستهلاك الخارجي، وفي الليل اعتذار داخلي يطمئن أصحاب المشروع بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة. إنها دبلوماسية “لعبة الملوص”: – لعبة قمار يستحل بها اللصوص أموال ذوي الغفلة من البسطاء- خطاب للعالم ساخراً ومسيئاً لقادة الحركة الارهابية، وخطاب آخر لغرفة التنظيم يقدم فيه اعتذاراته وانكساراته في ذلة يترفع عنها “كلب السُرّة”.
هذه الازدواجية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي أسلوب حكم كامل بُني على فكرة الرسائل المتعددة الاتجاهات. الخارج يسمع شيئاً، والداخل يسمع شيئاً آخر، بينما الحقيقة تجلس في المنتصف تضحك بخبث وغلّ على الجميع.
لكن السؤال الأهم ليس ما قاله مهندس سوق المواسير بمدينة الفاشر، عثمان يوسف كبر، بل لماذا قيل الآن؟ فالتسريبات في عالم السياسة نادراً ما تكون صدفة ودون غرض؛ إنها رسائل مغلفة بصوت منخفض. الرسالة هنا تبدو واضحة: تذكير جنرال “الطلس” البرهان بمكانه الحقيقي في المعادلة. كأن من سرب التسجيل يقول له بلغة أقرب إلى التهديد المغلف بالسخرية: “لا تلعب بضنبك” نحن الذين صنعناك، ونحن القادرون على تفكيك الأسطورة متى شئنا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: دولة كاملة معلقة بين صدى الصوت وصوت الصدى. مؤسسة عسكرية يفترض أن تكون عمود الدولة تتحول في الخطاب المسرب إلى “غفير” بوابة سوق لا يملك إلا “صفارة” تحذير وعصا عُشر لا تقتل جرذاً من “الجقور”، بينما يقف أصحاب المشروع الحقيقي خلف الستار يراقبون المشهد وأيديهم على زناد الغدر.
التسريب الذي ظهر فيه السيد/ كبر خالفاً ِرجلاً على رِجل تأكيداً وثقة فيما يقول، لا يكشف سراً بقدر ما يعرّي علاقة قديمة يعرفها السودانيون جيداً. الفرق الوحيد أن أحدهم هذه المرة نطق بها بلا خجل. وعندما تُقال الحقيقة بهذه الصراحة الفجة، يصبح السؤال أقل تعقيداً: هل كان البرهان قائداً يقود المشهد، أم مجرد حارس لا يملك من مؤهلات هذه الدنيا سوى هيبة مظهر “تيس حليمة” الخادع، لا قرار له غير الانتظار أن يُطلب منه إخلاء الموقع بعد انتهاء المهمة غير مشكور على خدماته؟
يقول أهلنا الطيبون “القلب كن غاب الجِتّة بالخراب” فالجنرال البرهان هو عبارة عن “جِتّة منزوعة العقل” فلا ترجو منه أن ينقلب على الكيزان يوما. فالظل السياسي لا يملك قراره، يتحدث بصوته فقط، لكنه ينطق بإرادة غيره. هؤلاء الدمويون الهمجيون الارهابيون شعار السلمية يطربهم، وما لم يتم (كسر بندقيتهم)، كما كرر، د. خالد محي الدين في كثير من المناسبات.. إذاً……فلتبشر بِطُولِ سَلامَةٍ يا مَرْبَعُ!!.
umniaissa@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم