نداء إلى محامو الطوارئ .. لا تضعفوا صوت العدالة بوهن الانقسام

محمد عبدالله
mohammedabdalluh2000@gmail.com
الزملاء والزميلات في محامو الطوارئ، الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات،

منذ أيام وأنا أتابع عدداً من البيانات الصادرة عن محامو الطوارئ، تحمل آراء ومواقف متباينة بين مجموعات داخل هذا الكيان، في مشهد يكاد يشبه حرب البيانات داخل هذا الجسم المهني والحقوقي المهم.

وما يرد في هذه البيانات المتبادلة يثير في الحقيقة قدراً كبيراً من الأسف والاحباط .. ليس فقط لما يعكسه من خلاف داخل جسم مهني وحقوقي مهم، بل لأنه يأتي في سياق ظاهرة باتت مؤلمة في المشهد السياسي والمدني السوداني، حيث تتكرر حالات الانقسام والتشظي داخل الكيانات والتنظيمات التي كان يفترض أن تكون رافعة للعمل الوطني والديمقراطي وسنداً للمجتمع في لحظات الأزمات. وللأسف، فإن كثيراً من هذه الانقسامات يبدو بصورة أو بأخرى من تداعيات الحرب السودانية وما أفرزته من توترات وضغوط انعكست حتى على الأجسام المهنية والمدنية، وألقت بظلالها الثقيلة على مختلف مفاصل الحياة العامة.

لقد شكل محامو الطوارئ خلال هذه الحرب تجربة حقوقية متفردة ومصدر فخر لكثير من السودانيين، بما قاموا به من جهود مقدرة في الدفاع عن الضحايا، وتوثيق الانتهاكات، والانتصار لقيم العدالة وسيادة القانون في أحلك الظروف. وهو دور عظيم منح هذا الكيان احتراماً واسعاً وثقة كبيرة لدى الرأي العام، ولدى المؤسسات الحقوقية والإعلامية الإقليمية والدولية، وهو رصيد ينبغي الحفاظ عليه لا تعريضه للاهتزاز بسبب الخلافات الداخلية.

ومن هنا فإن الحفاظ على هذا الإرث المعنوي والمهني ليس شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل هو مسؤولية أخلاقية ووطنية تتجاوز حدود الخلافات الآنية. فالمسؤولية الوطنية والمهنية تقتضي من جميع الأطراف داخل هذا الكيان أن يتعاملوا مع خلافاتهم بروح الحكمة والعقل، وأن تدار هذه الخلافات عبر الحوار المؤسسي والاحتكام إلى الدستور واللوائح، وإعادة الاعتبار لروح العمل المهني والمؤسسي. فحرب البيانات لا تنتج حلولاً، بل تعمق الشروخ وتبدد الرصيد المعنوي الذي بني بتضحيات وجهود كبيرة، لا سيما أن التصعيد الإعلامي لا يخدم سوى إضعاف هذا الجسم وإرباك رسالته.

ونحن على ثقة تامة بأنه إذا توفرت الإرادة الصادقة للجلوس مع بعضكم البعض، وفتح حوار مسؤول قائم على احترام الدستور واللوائح وروح الزمالة المهنية، فإنكم بلا شك ستجدون الطريق إلى معالجة هذه الخلافات. فالحوار حين يدار بعقل مفتوح وروح مسؤولة، قادر على تحويل الخلاف من أزمة مهددة إلى فرصة لتعزيز الوحدة والتماسك المؤسسي.

إن السودان اليوم يعيش واحدة من أقسى لحظاته في تاريخه الحديث .. حرب أنهكت المجتمع وخلفت ضحايا وانتهاكات، الأمر الذي يتطلب من كل القوى المدنية والمهنية أن تعلي صوت العقل على الرغبات الشخصية، وأن تواصل أداء دورها كصوت قانوني شجاع ومهني. ولهذا فإن مسؤوليتكم لا تتوقف عند حدود إدارة خلاف داخلي، بل تمتد إلى حماية هذا الكيان ليظل منبراً للدفاع عن المظلومين وحارساً لقيم العدالة.

وعليه، فإن الأمل معقود على زملاء وزميلات محامو الطوارئ، وهم أصحاب تجربة نضالية وقانونية معتبرة، أن يتداركوا هذا الموقف بروح المسؤولية والمهنية، وأن يديروا اختلافاتهم بطريقة تحفظ لهذا الكيان وحدته وقوته ومكانته، ليظل جسماً راسخاً موحداً وقادراً على أداء دوره في نصرة الضحايا والدفاع عن العدالة في السودان، ونرجو منكم أن تكونوا على قدر هذه المسؤولية التاريخية، وأن تغلبوا صوت العقل على نوازع الخلاف، وأن تحافظوا على هذا الكيان موحداً وقوياً، لا من أجل أعضائه فحسب، بل من أجل السودان كله، ومن أجل الشعب السوداني الذي هو اليوم في أمس الحاجة إلى أصواتكم وجهودكم في مواجهة هذه الحرب وما خلفته من معاناة قاسية وجراح غائرة في جسد الوطن وفي نفوس المواطنين ..

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الإسلاميون في السودان بعد التصنيف الأمريكي: نهاية مشروع أم بداية تحوّل؟

دكتور محمد عبدالله في خضم الحرب السودانية المشتعلة، حيث تلتهم النيران المدن وتتناثر الجثث في …