قراءة في خطاب البرهان الأخير وأفق السودان السياسي

محمد هاشم محمد الحسن

يبدو خطاب عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الفطر في ظاهره متماسكًا وحاسمًا، لكن ما إن يُقرأ خارج لغته المباشرة حتى تتكشف طبقات أخرى أقل صلابة. فالتشدد الظاهر لا يعكس بالضرورة قوة موقف، بل قد يكون تعويضًا عن وضع أكثر هشاشة مما يُعلن. هنا لا يصبح السؤال ماذا قال، بل لماذا قيل بهذه الطريقة الآن تحديدًا.

الخطاب يغلق باب التفاوض بالكامل، ويضع شروط المنتصر، وهو ما يوحي ظاهريًا بثقة في القدرة على الحسم. لكن هذه الثقة تتناقض مع واقع ميداني، لم يُنتج حتى الآن اختراقًا نهائيًا. هذا التناقض هو أول خيط يجب تتبعه. فحين يتقدم الخطاب أكثر مما يتقدم الميدان، فغالبًا ما يكون موجّهًا إلى الداخل قبل أن يكون توصيفًا للوضع الحقيقي.

في هذا الداخل، يتجلى ضغط سياسي فعلي يمارسه الإسلاميون على البرهان. فهم مستندون إلى سيطرتهم الطويلة على القوات المسلحة السودانية، وجعلوها أداة لخدمة أجندتهم، ومختطفين قرارها لصالح مشروعهم للعودة إلى الحكم وقطع الطريق أمام ثورة ديسمبر المجيدة. هؤلاء لا يرون في الحرب مجرد صراع مع قوات الدعم السريع، بل فرصة لاستعادة سلطتهم بعد فقدانها عام 2019. ومن هذا المنظور، فإن أي حديث عن تسوية أو شراكة يصبح تهديدًا مباشرًا لهم.

إذا قُرئ الخطاب في هذا السياق، فإنه يبدو أقل كقرار مستقل، وأكثر كاستجابة لتوازنات داخل معسكر السلطة نفسه. التشدد هنا ليس فقط ضد الخصم، بل أيضًا رسالة طمأنة لحلفاء قلقين من أي انفتاح سياسي قد يعيد ترتيب المشهد على حسابهم. لذلك يذهب الخطاب بعيدًا في نزع أي إمكانية لوجود الطرف الآخر مستقبلًا، لأن مجرد القبول به، حتى نظريًا، يفتح بابًا لا يرغب هؤلاء في فتحه.

هذا يقود إلى التناقض الثاني، وهو أخطر. الخطاب يتحدث عن دولة موحدة ومستقبل مستقر، لكنه في نفس الوقت يعتمد على تحالفات هشة لم تُحسم توازناتها بعد. تحالف بورتسودان ليس كتلة صلبة، بل تحالف مصالح لقوى نفعية، لكل منها حساباته الخاصة.

ومع طول أمد الحرب، بدأت هذه التباينات تطفو على السطح، سواء في شكل تنافس على الموارد أو اختلاف في تقدير اتجاهات الحل. في هذه النقطة يمكن فهم نبرة الخطاب بوصفها محاولة لشد هذا التحالف ومنع تفككه. فحين تضع سقفًا عاليًا للصراع، فإنك تقلّص مساحة الخلاف داخليًا، لأن الجميع يصبح مجبرًا على الاصطفاف خلف هدف واحد معلن. لكن هذا الحل مؤقت بطبيعته، لأنه لا يعالج أسباب التباين، بل يؤجلها.

على الطرف الآخر، قد يسعى خطاب قوات الدعم السريع لاستثمار هذا الانسداد كفرصة لإعادة تسويق نفسه دولياً كطرف مرن في مواجهة تشدد البرهان. من المنطقي أن يحاول استغلال إغلاق أفق التفاوض ليقدم نفسه كطرف مستعد للسلام، في محاولة للحصول على اعتراف سياسي بوجوده في أي ترتيبات مستقبلية. يقوم هذا المسعى على تحويل صفرية خطاب البرهان إلى دليل يخدم سردية اختطاف القرار من قبل عناصر النظام السابق، مما يضع المجتمع الدولي أمام مفاضلة معقدة بين طرف يغلق الباب وآخر يدعي الانفتاح بشروط لا تزال محل شك.

في الوقت نفسه، لا يقف الخطاب عند حدود الداخل، بل يحمل رسائل محسوبة للخارج أيضًا، خصوصًا للقوى الإقليمية الفاعلة التي تسعى لإنتاج مسار تفاوضي ينهي الأزمة. الخطاب يعيد تقديم الصراع في صورة ثنائية حادة بين دولة وكيان متمرد، في محاولة لإغلاق أي مساحة لاعتبار الطرف الآخر شريكًا محتملاً في أي ترتيب سياسي مستقبلي. هذا التوصيف لا يهدف فقط لكسب دعم خارجي، بل يعكس قلقًا ضمنيًا من مسار دولي قد يسعى لفرض تسوية لا تتطابق مع حسابات الداخل. ومن هذا المنظور، يأتي التشدد كنوع من الاستباق، كأنه يقول إن أي حل لا يمر عبر هذه الشروط سيكون مرفوضًا حتى لو حظي بدعم دولي واسع، محولًا الخطاب إلى أداة تفاوض غير مباشر تحدد خطوطًا حمراء قبل أن تبدأ العملية نفسها.

المفارقة أن هذا النوع من الرسائل قد يحقق هدفًا تكتيكيًا، لكنه يحمل مخاطرة استراتيجية، فحين لا يجد الخارج عرضًا سياسيًا يمكن البناء عليه، قد يتحول من شريك محتمل في تسهيل التسوية إلى طرف يسعى لفرض خياراته أو فتح قنوات موازية، وفي كلتا الحالتين يفقد الخطاب جزءًا من قدرته على التحكم في مسار التفاعل الدولي.

المفارقة أن الخطاب، وهو يحاول تثبيت الجبهة الداخلية، قد يفاقم في الوقت نفسه من أزمتها. فإغلاق أي أفق سياسي لا يضع الخصم وحده في زاوية ضيقة، بل يضع الحلفاء أيضًا أمام استحقاقات صعبة، خاصة أولئك الذين يرون أن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريًا بالكامل. ومع غياب مسار بديل، يتحول الاختلاف في التقدير إلى مصدر توتر مكتوم داخل نفس المعسكر.

بهذا المعنى، لا يعود الخطاب مجرد إعلان موقف من الحرب، بل يصبح أداة لإدارة توازنات داخلية معقدة. هو يحاول أن يبدو كخطاب قوة، لكنه في عمقه يعكس حاجة إلى تثبيت هذه القوة أكثر مما يعكس امتلاكها الكامل. ومن هنا يمكن فهم حدته، لا كتصعيد طبيعي، بل كضرورة سياسية داخلية.
النقطة التي يغفلها كثيرون أن مثل هذا الخطاب لا يغيّر فقط شكل الصراع مع الخصم، بل يعيد تشكيله داخل معسكر السلطة نفسه. فكلما ارتفع سقف الأهداف المعلنة، زادت كلفة التراجع عنها، وضيّقت الخيارات أمام صانع القرار. وفي حالة مثل السودان، حيث تتداخل الحرب مع إعادة توزيع السلطة، يصبح هذا النوع من الخطاب جزءًا من المعركة، لا مجرد تعليق عليها.

يضع هذا الخطاب السودان أمام سيناريوهات مفتوحة على المجهول؛ فالإصرار على الحل العسكري في ظل توازن القوى الراهن سيقود إلى (حرب استنزاف) طويلة الأمد تستهلك موارد الدولة وبنيتها. ومع ذلك، يبقى الاحتمال القائم هو الاضطرار لـ (تسوية اضطرارية) مستقبلاً تحت وطأة تفكك تحالفات الداخل أو تزايد الضغوط الدولية، مما يجعل التشدد الحالي مجرد أداة لتحسين شروط التفاوض المؤجل، لا خطة نهائية للحسم.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

الحرب على إيران.. تعدد المبررات وفخ التناقض الاستراتيجي

محمد هاشم محمد الحسن أثارت الحرب الأمريكية على إيران موجة واسعة من التساؤلات منذ لحظاتها …