خريف لا ينتهي: قراءة في دروس «خريف الغضب»

دكتور محمد عبدالله
ليس «خريف الغضب» لمحمد حسنين هيكل كتاب سيرة رئيس، كما قد يظن القارئ من العنوان، بل هو قراءة في لحظة تتأخر فيها السلطة عن فهم ما يحدث تحت قدميها، فتتحول الأيام، بهدوئها القاتل، من ربيع واعد إلى خريف ممتلئ بالغضب. لم يأت هذا الخريف فجأة، ولم يكن انقلاباً دراماتيكياً يحدث في يوم وليلة، بل تسلل بهدوء، كما تتسلل الشقوق إلى جدار يبدو متماسكاً من بعيد، ومع تراكم الأحداث تكشفت التفاصيل الصغيرة التي صارت لاحقًا مفاصل حاسمة.

يعلّمنا الكتاب أن الخطر لا يكمن في الانفجار نفسه، بل في تراكم القرارات العابرة: تغييرات اقتصادية سريعة، خطاب سياسي متبدل، ومعارضة تُدفَع إلى الهامش حتى يختزل المشهد في صوت واحد. حين يختفي التعدد، لا يختفي الخلاف، بل يتراكم في صمت، ويصبح شحنات تحت السطح يصعب السيطرة عليها لاحقًا. الغضب، حين يصبح صامتًا، لا يعني أنه غائب، بل حاضر في كل شيء: في الشارع، في النكتة العابرة، وفي الصمت الثقيل الذي يسبق العواصف.

هذه الدروس تتجاوز الحدود الجغرافية. في السودان، على سبيل المثال، تتشابه طبيعة تراكم الأزمات: أسئلة الدولة المؤجلة، العلاقة بين المركز والهامش، والقوة التي تُختزل في أدوات الحكم دون معالجة جوهرية. حين تُترك هذه الأسئلة بلا إجابات، تتحول تدريجيًا إلى واقع ملموس، يغذي التوتر ويجعل الغضب ليس مجرد موقف سياسي، بل حالة تؤثر على حياة الناس ومستقبل البلاد.

الدرس الأهم الذي نستخلصه اليوم ، هو أن الأزمات لا تنفجر فجأة، بل لأنها تُركت طويلاً بلا تسمية أو معالجة. أن ترى الشقوق وتؤجل إصلاحها حتى يصبح الجدار نفسه ذكرى، هو ما يجعل الخريف أطول وأكثر قسوة. قراءة مثل هذه اللحظات في الوقت المناسب والانتباه إلى إشارات التحول قبل فوات الأوان قد تكون الفرصة الوحيدة لتفادي الانزلاق إلى ما بعد نقطة اللاعودة.

في النهاية، الخريف لا يتعلق بما يسقط من أوراق فقط، بل بما يبقى في الشجرة من جذور، وما يتركه الزمن من أثر في وعي المجتمع. وقراءته باكرًا، قبل أن يتراكم الغضب ويصبح مصيرًا، هي الدرس الأهم الذي يربط بين ما حدث في الماضي وما يحدث اليوم في أي مكان تتسع فيه الهوة بين الحاكم والمحكوم.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

حكومة البرهان… «سمك لبن تمر هندي»

دكتور محمد عبدالله في قلب العامية المصرية تتردد عبارة لافتة: «سمك لبن تمر هندي»، تُطلق …