حرب الخليج تعمّق أزمات السودان بالغلاء والضرائب

العربي الجديد: ألقت الحرب الإسرائيلية الأميركية الراهنة على إيران بظلالها وتداعياتها الاقتصادية القاسية على مجمل الأوضاع المعيشية في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بوتيرة كبيرة، في ظل أزمة الوقود الحادة وارتفاع أسعاره الملحوظ ونقص الكميات الواردة منه إلى البلاد، فيما يسيطر الركود على الأسواق، ودعا اقتصاديون إلى ضرورة إنشاء محفظة مالية وتشكيل طريق ومنهج جديد لإدارة الاقتصاد

في ظلّ هذه الأزمة الاقتصادية، مع العمل على تفعيل وترشيد الاستهلاك للسلع الأساسية والضرورية بهدف عبور هذه المرحلة الصعبة. ويعاني الاقتصاد السوداني في الوقت الراهن من توترات حادة نتيجة الحرب الداخلية التي دمّرت قطاعاته الإنتاجية المختلفة، ما جعله معتمداً على الاستيراد، في وقت تعاني فيه الحكومة السودانية من نقص حاد في الإيرادات العامة، فاتجهت بناءً على ذلك إلى سياسة تعدّد الرسوم والجبايات والضرائب الباهظة، ما أثر مباشرةً على مستويات الأسعار.

في المقابل اعتمدت الحكومات الولائية والمحلية على فرض رسوم تجارية إضافية على الأسواق والمصانع، ما ساهم على نحوٍ ملموس في عدم عودة النشاط التجاري إلى الأسواق كما كان مأمولاً.

ويذكر وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم أنّ هذا التدهور المتسارع في قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، يرتبطان بتداعيات الحرب الإيرانية، وعزا الوزير ذلك إلى حالة الاضطراب التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين. وقال وزير المالية في تصريح رسمي إنّ هذه التطورات الدولية قد زادت من حجم الضغوط الواقعة على الاقتصاد السوداني الذي يعاني أساساً من تحديات كبيرة، ما أدى في المحصلة إلى تفاقم موجات الغلاء ونقص السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

وأضاف إبراهيم أنّ الخيارات الاقتصادية التقليدية المتاحة أصبحت محدودة في ظل هذه الظروف الدولية المعقدة، مؤكداً أن المرحلة الحالية الصعبة تتطلب الصبر والتكاتف المجتمعي. يؤكد مختصون اقتصاديون أنّ هذا الغلاء المتفشي في الخرطوم هو نتيجة مباشرة وحتمية لاختلالات عميقة فرضتها ظروف الحرب واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع معدلات الإنتاج المحلي، إلى جانب التدهور المريع في قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكاليف النقل والرسوم الإدارية، كما أسهم انهيار سوق العمل السوداني خلال فترة الحرب في إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين بدرجة كبيرة، فازدادت الفجوة اتّساعاً بين مستوى الدخل وأسعار السلع، بينما ظلّ السوق المحلي يتحرك في بيئة مضطربة يغلب عليها الضعف في أدوات الرقابة والتنظيم الحكومي.

انحسار الإمدادات يشعل أزمة وقود واسعة في السودان

ويقول المحلل الاقتصادي إبراهيم شقلاوي إنّ مواجهة هذا الوضع المتأزم على المدى القريب تتطلب اتخاذ إجراءات عملية فورية تعيد شيئاً من التوازن المفقود للأسواق، ومن بين تلك الإجراءات الحد من الرسوم والجبايات المفروضة على حركة السلع، وتفعيل أدوات الرقابة لمنع الاحتكار والمضاربات الضارة، إضافة إلى دعم واستدامة سلاسل الإمداد للسلع الأساسية وتشجيع الأسواق المباشرة بين المنتجين والمستهلكين، لتقليل عدد الوسطاء وفتح أسواق منظمة تقدم فيها المصانع والمنتجون منتجاتهم مباشرة للجمهور.

ويرى شقلاوي أنّ مثل هذه التدابير والإجراءات قد لا تنهي الأزمة بالكامل، لكنها قادرة بلا شك على تخفيف حدتها وإعادة قدر من الانضباط والهدوء للأسعار، بما يمنح الأسر السودانية مساحة من الاستقرار في تفاصيل حياتهم اليومية، ولكنّه يعتبر في الوقت نفسه أنّ المعالجة الجذرية والنهائية تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإعادة تنشيط العملية الإنتاجية في القطاعات الزراعية والصناعية، وتهيئة البيئة الاقتصادية الكلية لعودة النشاط التجاري والمهني وخفض رسوم الإنتاج.

ومع بدء التعافي التدريجي الملحوظ في سوق العمل الذي نشهده في هذه الأيام وعودة مظاهر النشاط الاقتصادي، يمكن للأسواق أن تستعيد توازنها شيئاً فشيئاً، خاصّة إذا ترافقت هذه المرحلة مع تبني سياسات اقتصادية أكثر استقراراً وتحفيزاً تعمل على تعزيز قيمة العملة ودعم الإنتاج وزيادة فرص الاستثمار الحقيقي. وسبق أن اشتكى عدد كبير من تجار المحاصيل والحبوب الزيتية من الارتفاع الكبير والجنوني في الرسوم والجبايات والضرائب المفروضة داخل بورصة أسواق المحاصيل، قائلين إنها تشكل عائقاً كبيراً وصعباً في عمليات التسويق وسط مخاوف حقيقية من تدني الأسعار في ظلّ ارتفاع تكلفة الإنتاج والرسوم الباهظة المفروضة على المحاصيل ورسوم التسويق بالبورصة.

ويؤكد مسؤولو غرفة الصمغ العربي أنّ مجمل الرسوم الحكومية المفروضة على طن الصمغ العربي الواحد تعادل نحو 17% من قيمته الإجمالية، في وقت فرضت فيه الهيئة القومية للغابات بالسودان ثلاثة رسوم جديدة ومستحدثة تشمل رسوم الغابات (التي ارتفعت من 6,000 إلى 15,000 جنيه سوداني للقنطار)، ورسوم الطن في الموانئ (التي زادت من 12,000 إلى 30,000 جنيه سوداني)، بالإضافة إلى رسوم إضافية أخرى على عمليات التخزين.

أسواق السودان تلتقط أنفاسها في رمضان

وطالبت بعض القوى السياسية السودانية بضرورة إعادة هيكلة النظام الضريبي على نحوٍ شامل ليقتصر فقط على الضرائب المباشرة القانونية العادلة والتصاعدية، مع توجيه حصائلها نحو الخدمات الأساسية، والمطالبة بوقف فوري وكامل لجميع الجبايات غير القانونية المفروضة على التجار والمواطنين. وقالت هذه القوى السياسية إنّ الحرب قد استنزفت الاقتصاد الوطني ورؤوس الأموال المحدودة، وأشارت بوضوح إلى أنّ فرض الرسوم الاتحادية والمحلية في وقت يشهد فيه الاقتصاد انهياراً واسعاً وارتفاعاً يومياً في معدلات التضخم وتراجعاً حاداً في القوة الشرائية، يفاقم حتماً من أزمات البطالة والفقر ويضغط بشدة على قطاع تجاري يعاني أصلاً من آثار الحرب وتضرر سلاسل الإمداد.

وكانت الحكومة السودانية قد وجهت في وقت سابق بوقف تحصيل الرسوم غير القانونية كافّة، وأمرت بإنشاء نافذة خاصة تتبع لمجلس الوزراء لاستقبال شكاوى المواطنين بهذا الخصوص، وشدّدت بقوة على ضرورة سداد الرسوم كافّة عبر التطبيقات الإلكترونية المعتمدة رسمياً لضمان التحصيل القانوني السليم، ولطالما ظلت الرسوم على الطرق القومية تمثل أحد أبرز العوائق الكبيرة التي تواجه حركة الاقتصاد؛ في وقت تكمن المشكلة الأساسية في تعدد الجهات التي تفرض هذه الرسوم، ولا سيّما الجهات الولائية التي تمرّ عبرها البضائع من مناطق الإنتاج إلى منافذ التصدير، ولا تقتصر هذه الرسوم على الولايات فحسب، بل تتعداها لتشمل جهات اتحادية متعددة أيضاً.

يقول الاقتصادي محمد توفيق في تصريحاته لـ”العربي الجديد” إن إزالة وتخفيض هذه الرسوم والجبايات يسهم على نحوٍ كبير وفعال في خفض التكلفة الكلية للصادرات والواردات، ولكنه يرى في الوقت نفسه أهمية قصوى لتوحيد هذه الرسوم وفق قانون موحد. ويضيف توفيق أن الصادرات السودانية كانت في السابق معفاة من الرسوم ولكنّها أصبحت الآن تخضع لضرائب ورسوم كبيرة جداً في بعض الولايات تصل إلى أرقام ضخمة ومتنوعة، ما يضعف وبشدة من تنافسية المنتج السوداني في الخارج، وأن إزالة هذه الرسوم العشوائية سيكون بمثابة طوق نجاة حقيقي للصادرات السودانية التي لا تزال مستمرة في الأسواق العالمية مثل السمسم والزيوت والصمغ العربي والفول السوداني.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

مجموعة “محامو الطوارئ” تتهم الجيش السوداني بقصف مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور

مجموعة محامو الطوارئبيان حول قصف مستشفى الضعين التعليميتدين مجموعة محامو الطوارئ بأشد العبارات القصف الذي …