الاستخراج الرقمي والمنطق الجديد للتخلف

ترجمة عثمان محمد حمدان

تمهيد

في مقال بعنوان “الاستخراج الرقمي والمنطق الجديد للتخلف” منشور في مجلة Review of African Political Economy[1] في ١١ مارس ٢٠٢٦ يجادل برنس إيفوه ب أن الرأسمالية الرقمية digital capitalism لا تنفصل عن تاريخ التخلف في إفريقيا، بل تعيد صياغة هذا التاريخ، حيث لا تزال القارة مصنفة هيكليا كمنبع ومصدر للقيمة لفائدة جهات خارجية متحكمة. الفارق الوحيد في نمط الاستغلال الجديد بالمقارنة مع النمط التاريخي لتصدير -أو بالاحرى نهب- الموارد الطبيعية الخام لإفريقيا هو الاعتماد الآن على طبيعة آليات العمل الرقمي digital labor من خلال توظيف البيانات والبنى التحتية التكنولوجية بدلا من المواد الخام. السؤال السياسي الرئيسي الذي يسعى المقال للإجابة عليه لا يتمحور حول ما إذا كانت إفريقيا ستتحول رقميا، بل بأية شروط يتم هذا التحول؟ يرى الكاتب أن إفريقيا تواجه مسارين محتملين: إما أن تبقى مجرد مورد للبيانات الخام (هامش رقمي)، أو أن تصبح فاعلا يتمتع بالاستقلالية والسيادة في تشكيل مستقبل القارة الرقمي. يخلص المقال إلى حقيقة أن الرأسمالية الرقمية العالمية تُعيد في الواقع إنتاج التخلف التاريخي لإفريقيا من خلال تحويل القارة إلى موقع لاستخراج البيانات والعمل الرقمي، حيث يتم توليد القيمة محليا، ولكن يتم التحكم فيها ومراكمتها عالميا. يدعو الكاتب إلى تحدي الرأسمالية الرقمية العالمية من خلال العمل السياسي والتكنولوجي الجماعي. فيما يلي ترجمة اليكترونية مُراجعة للمقال.

” لم يكن دمج إفريقيا في منظومة الرأسمالية العالمية يوما عملية محايدة. فمنذ تجارة الرقيق عبر الأطلسي، مرورا بفترة الاستعمار، ووصولا إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، جرى موضعة القارة وتتبيعها بنيويا كمصدرٍ لإنتاج القيمة لصالح الآخرين، لا كمجالٍ لتراكمٍ ذاتي مستقل. وسوء الفهم الشائع لا يكمن في التساؤل عمّا إذا كان هذا المنطق الاستخراجي extractive logic قد انتهى، بل في كيفية تحوّله وتبدّل أشكاله. ففي القرن الحادي والعشرين، برزت البيانات، والعمل الرقمي، والبُنى التحتية الخوارزمية algorithmic infrastructures بوصفها قنواتٍ جديدة للتراكم. وفي هذا السياق، يرى برنس إيفوه أن إعادة قراءة أعمال والتر رودني Walter Rodney، وكوامي نكروما Kwame Nkrumah، وأشيل مبيمبي Achille Mbembe تتيح فهم الكيفية التي تعيد بها الرأسمالية الرقمية تشكيل تاريخ إفريقيا مع التخلف، لا القطيعة معه.

يبدأ كتاب والتر رودني كيف جعلت أوروبا إفريقيا متخلفة بتوضيح مفاهيمي بالغ الأهمية: «التخلف ليس غياب التنمية، لأن كل الشعوب قد تطوّرت بطريقة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة». ويصرّ رودني على أن التخلف ليس حالة طبيعية، بل علاقة تاريخية. فقد أُعيد تنظيم اقتصادات إفريقيا بشكلٍ متعمّد لخدمة التراكم الخارجي، في حين جرى تشويه أو كبح قدراتها الإنتاجية الذاتية. ويرى رودني أن تطور أوروبا وتخلف إفريقيا كانا «وجهين لعملة واحدة».

تظل هذه الرؤية العلائقية أساسية لفهم الوضع الرقمي المعاصر في إفريقيا. فاليوم، باتت المجتمعات الإفريقية مندمجة بعمق في الأنظمة الرقمية العالمية: منصات التواصل الاجتماعي، أنظمة التعرف البيومتري[2] ، البنى التحتية للمدفوعات عبر الهاتف المحمول، وتطبيقات النقل والتوصيل. ينتج المستخدمون الأفارقة كميات هائلة من البيانات، لكن ملكية هذه البيانات، والقدرة على تحليلها، والاستفادة الاقتصادية منها، لا تزال في الغالب خارج القارة. المشاركة مكثفة، لكن السيطرة محدودة للغاية. وهذا يعكس بنية الاقتصاد الاستعماري التي وصفها رودني، حيث كانت العمالة والموارد الإفريقية ضرورية للتراكم العالمي، بينما حُرمت المجتمعات الإفريقية من وسائل الاستفادة من القيمة التي تنتجها.

يقدّم كتاب كوامي نكروما الاستعمار الجديد: آخر مراحل الإمبريالية الإطار السياسي الذي يفسّر كيف تستمر مثل هذه الترتيبات بعد الاستقلال الشكلي. يعرّف نكروما الاستعمار الجديد بوصفه حالة تكون فيها الدولة «مستقلة نظريا وتمتلك جميع مظاهر السيادة الدولية، لكن نظامها الاقتصادي—وبالتالي سياساتها—يُوجَّه فعليا من الخارج». ويحذّر من أن خطورة الاستعمار الجديد تكمن تحديدا في طابعه غير المرئي: هيمنة بلا حكم مباشر.

ويكفي النظر إلى البنى التحتية الرقمية لإدراك تجلّي هذا المنطق بوضوح لافت. فالدول الإفريقية تحتفظ بسيادتها الإقليمية، لكن المنصات التي تنظّم التواصل، والتجارة، والعمل، وإنتاج المعرفة تعمل خارج أي رقابة ديمقراطية ذات معنى. فخدمات الحوسبة السحابية cloud services ، وسياسات الإشراف على المحتوى، وأنظمة تخزين البيانات، وآليات اتخاذ القرار الخوارزمية algorithmic decision-making ، جميعها تُدار وفق سياسات الشركات لا وفق القانون العام. وكما أشار نكروما، فإن الاستعمار الجديد ينتج «سلطة بلا مسؤولية» لمن يستفيدون منه، واستغلالا بلا مساءلة» لمن يتحملون كلفته. وهكذا تعيد الرأسمالية الرقمية إنتاج هذا الاختلال على نطاق كوكبي.

يساعد تحليل رودني على تفسير لماذا تُعدّ هذه الحالة بنيوية وليست مجرد عرضٍ عابر. فقد نُظِّمت الاقتصادات الاستعمارية حول تصدير المواد الخام، لا حول التحول الصناعي. وعلى نحوٍ موازٍ، يُعاد اليوم تشكيل الاقتصادات الرقمية الإفريقية لتتمحور حول استخراج «البيانات الخام» بدل تطوير صناعات محلية لمعالجة البيانات، أو بناء قدرات في مجال الذكاء الاصطناعي، أو إنشاء منصات سيادية. ويؤدي العمال الأفارقة أدوارا محورية في العمل الرقمي-من الإشراف على المحتوى إلى خدمات النقل عبر التطبيقات-بينما تتراكم القيمة الفائضة في أماكن أخرى. وهكذا، يُعاد إنتاج التخلف مرة أخرى من خلال المشاركة ذاتها.

وما يميز اللحظة الراهنة ليس التكنولوجيا فحسب، بل الطابع المُعتم الذي يغلّفها. فعملية استخراج البيانات أصبحت مستمرة، ومطَبَّعة، ومندمجة في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا يقدّم أشيل مبيمبي في كتابه نقد العقل الأسود جسرا مفاهيميا أساسيا لفهم هذا التحول. إذ يضع مبيمبي الرأسمالية المعاصرة ضمن تاريخ أطول جرى فيه إنتاج «السواد» عبر أنظمة من الأسر، والتشييء، والتجريد. ففي حقبة تجارة الرقيق عبر الأطلسي، يوضح كيف جرى تحويل الأفارقة إلى «كائنات-أشياء، وسلع بشرية، ونقود بشرية»، حيث أُعيد تنظيم حياتهم بالكامل وفق منطق الاستخراج الرأسمالي. وقد شكّل هذا المسار التاريخي أحد الأسس التي قامت عليها الرأسمالية الحديثة.

ويرى مبيمبي أن هذه المنطقيات لم تختفِ، بل جرى تعميمها وتكثيفها. ففي السياق الراهن، تعمل الرأسمالية النيوليبرالية عبر التجريد، والرقمنةdigitization ، وتحويل الحياة إلى قيمة قابلة للحساب، مما ينتج أشكالا جديدة من نزع الملكية تتجاوز العرق، لكنها تظل متأثرة بعمق بتاريخه. ويذهب إلى أن «الاندماج المحتمل بين الرأسمالية والنزعة الإحيائية[3] » قد يفضي إلى تحويل البشر أنفسهم إلى «كيانات حيّة مكوّنة من بيانات رقمية مُشفَّرة». وبذلك، توسع الأنظمة الرقمية نطاق الأنظمة الاستخراجية السابقة، من خلال جعل الأنشطة الإنسانية -كالحركة، والتواصل، والعمل- قابلة باستمرار للرصد، والاستخراج، والتسليع.

يُعمّق هذا الطرح من الرهانات السياسية المرتبطة بالتبعية الرقمية digital dependency . فإفريقيا لا تتحول إلى مجرد موقعٍ للاستخراج فحسب، بل إلى حقل تجارب لتقنيات جديدة في الحكم والسيطرة. ويحذّر أشيل مبيمبي من أن أشكال السلطة المعاصرة باتت تعتمد بشكل متزايد على إدارة السكان عبر المراقبة، والتقسيم المكاني، والإقصاء، بما يُنتج ما يصفه بحالة كوكبية من القابلية للاستبدال والهشاشة. وفي إحدى أقوى صياغاته، يرى أن الرأسمالية العِرقية تعمل كـمدينة جثث عملاقة، تقوم على تعريض فئات معينة بشكل منهجي للموت المبكر والتهميش. في هذا السياق، لا تعود البنى التحتية الرقمية محايدة، بل تتحول إلى ساحة سيادة، حيث تحدد الصراعات حول البيانات، والظهور، والتحكم، من يستفيد من التحول التكنولوجي ومن يدفع كلفته.

ومع ذلك، لم يكن كلٌّ من والتر رودني وكوامي نكروما من أنصار الحتمية أو الاستسلام. فقد شدد رودني على أن التخلف ظاهرة تاريخية، وبالتالي يمكن تجاوزها، فيما رأى نكروما أن التفتت هو العائق الرئيسي أمام استقلال إفريقيا الحقيقي. فـ«البلقنة»، كما حذّر، تُبقي القارة مجزأة إلى دول صغيرة وضعيفة، عاجزة عن الدفاع عن مصالحها. وتُظهر رؤاهما مجتمعة أن التبعية البنيوية لا يمكن تجاوزها عبر استراتيجيات وطنية معزولة. وعند إسقاط ذلك على العصر الرقمي، يتضح أن السيادة على البيانات والاستقلال التكنولوجي يتطلبان عملا جماعيا. إذ إن تشتت الأطر التنظيمية لا يؤدي إلا إلى تعزيز القوة التفاوضية للشركات متعددة الجنسيات. ومن ثم، فإن التنسيق القاري -عبر بنى تحتية مشتركة، وسياسات صناعية، واستثمارات عامة- ليس خيارا أيديولوجيا بقدر ما هو ضرورة مادية. وبدون ذلك، تخاطر إفريقيا بأن تعود إلى ما كانت عليه: مجرد مستودع للمدخلات الخام في خدمة التراكم العالمي.

في الوقت ذاته، يذكّرنا أشيل مبيمبي بأن السلطة لا تختزل في الدولة وحدها. فالهيمنة الرقمية تعمل عبر تفاصيل الحياة اليومية، ولذلك يجب أن تنبثق أشكال المقاومة من مواقع متعددة. فالعاملون في اقتصاد المنصات في إفريقيا الذين يواجهون الاستغلال الخوارزمي algorithmic exploitation ، والنشطاء الذين يتحدّون أنظمة المراقبة البيومترية، والتقنيون الذين يطوّرون بدائل مفتوحة المصدر، جميعهم منخرطون في صراع حول مستقبل إفريقيا الرقمي. وتعكس هذه النضالات إصرار والتر رودني على ضرورة فهم الأفارقة للأنظمة التي تُخضعهم، كما تستحضر تحذير كوامي نكروما من أن السيادة دون السيطرة على الأسس الاقتصادية والتكنولوجية ليست سوى وهم.

وعليه، فإن إعادة قراءة رودني ونكروما ومبيمبي اليوم ليست تمرينا في الحنين إلى الماضي، بل فعلا من أفعال الوضوح التحليلي. فالرأسمالية الرقمية لا تؤسس تلقائيا لعصر جديد من التنمية. وكما في المراحل السابقة من الرأسمالية، فإنها تدخل عالما قائما سلفا على عدم المساواة، وتعيد إنتاج هذه اللامساواة ما لم تُواجَه بفاعلية. والسؤال الذي يواجه إفريقيا ليس ما إذا كانت ستنخرط في الرقمنة digitization ، بل وفق أي شروط سيتم ذلك. فهل ستظل القارة مزودا هامشيا للبيانات الخام، أم ستتحول إلى فاعل سيادي يساهم في تشكيل مستقبل رقمي عالمي؟ إن الإجابة، كما كان الحال دائما، تتوقف على الخيارات السياسية التي تُتخذ في الحاضر.

[1] تقدم مجلة “مراجعة الاقتصاد السياسي الأفريقي” تحليلات جذرية للاتجاهات والقضايا والعمليات الاجتماعية في أفريقيا، معتمدةً تفسيراً مادياً واسع النطاق للتغيير تركز المجلة بشكل خاص على الاقتصاد السياسي لعدم المساواة والاستغلال والقمع، سواء أكانت مدفوعة بقوى عالمية أم محلية (مثل الطبقة والعرق والمجتمع والجنس)، وعلى التفسيرات المادية للتغيير في أفريقيا.

[2] أنظمة التحقق البيومترية تعتمد على الخصائص البيولوجية الفريدة للفرد للتحقق من هويته، مثلا على الخصائص الفيزيولوجية كبصمة الإصبع، مسح القزحية، التعرف على الصوت، أو الخصائص السلوكية مثل تحليل السرعة عند كتابة كلمة المرور، ديناميكية الضغط على لوحة المفاتيح أو طريقة المشي -تستخدم في كاميرات المراقبة عن بعد-

[3] النزعة الأحيائية أو الإحيائية أو الأرواحية هي اعتقاد بأن جميع الكائنات الحية والجمادات والظواهر الطبيعية تمتلك روحا أو جوهرا روحيا -ويكيبديا مادة “ارواحية”.

Achille Mbembe, Critique of Black Reason, trans. Laurent Dubois (Durham, NC: Duke University Press, 2017)

Kwame Nkrumah, Africa Must Unite (London: Heinemann, 1963)

Kwame Nkrumah, Neo-Colonialism: The Last Stage of Imperialism (London: Thomas Nelson & Sons, 1965)

Walter Rodney, How Europe Underdeveloped Africa (London: Bogle-L’Ouverture Publications, 1972)

[1] تقدم مجلة “مراجعة الاقتصاد السياسي الأفريقي” تحليلات جذرية للاتجاهات والقضايا والعمليات الاجتماعية في أفريقيا، معتمدةً تفسيراً مادياً واسع النطاق للتغيير تركز المجلة بشكل خاص على الاقتصاد السياسي لعدم المساواة والاستغلال والقمع، سواء أكانت مدفوعة بقوى عالمية أم محلية (مثل الطبقة والعرق والمجتمع والجنس)، وعلى التفسيرات المادية للتغيير في أفريقيا.

[2] أنظمة التحقق البيومترية تعتمد على الخصائص البيولوجية الفريدة للفرد للتحقق من هويته، مثلا على الخصائص الفيزيولوجية كبصمة الإصبع، مسح القزحية، التعرف على الصوت، أو الخصائص السلوكية مثل تحليل السرعة عند كتابة كلمة المرور، ديناميكية الضغط على لوحة المفاتيح أو طريقة المشي -تستخدم في كاميرات المراقبة عن بعد-

[3] النزعة الأحيائية أو الإحيائية أو الأرواحية هي اعتقاد بأن جميع الكائنات الحية والجمادات والظواهر الطبيعية تمتلك روحا أو جوهرا روحيا -ويكيبديا مادة “ارواحية”.

osmanhamdan72@gmail.com

عن عثمان محمد حمدان

شاهد أيضاً

الانْتفاضة العالميَّة ضِدَّ النِّيوليبراليَّة وسياساتهَا التَّقشُّفيَّة .. بقلم: عثمان محمد حمدان

osmanhamdan72@gmail.com بْن إِهْرنرايش يكتب في The Nation عن المَوضُوع المُشتَرَك في الانْتفاضات اَلتِي هَزَّت بُوليفْيَا …