عمر سيد احمد
O.sidahmed09@gmil.com
2026 مارس
إعلان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو عن معاودة نشاطها لا يمكن قراءته كخبر عابر، بل كإشارة إلى تحوّل محتمل في مسار العدالة في السودان. فهذا الإعلان يأتي في لحظة تتقاطع فيها عوامل داخلية وخارجية: تصاعد الحديث عن تصنيف التنظيم الإسلاموي، وظهور بوادر مسارات قانونية قد تمتد إلى ملاحقة شبكات مالية، وربما—للمرة الأولى—إمكانية واقعية لاسترداد جزء من الأموال المنهوبة في الخارج
نحن لا نتحدث فقط عن إرث ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، بل عن منظومة فساد وتمكين تعمّقت بفعل انقلاب أكتوبر 2021، ثم تمددت داخل اقتصاد الحرب، حتى أصبحنا أمام ما يقارب أربعة عقود من التآكل المؤسسي المنهجي. ومن هذه الزاوية، تكتسب عودة لجنة التفكيك معناها الحقيقي: ليس كعودة إدارية، بل كإعادة فتح ملف ظل مؤجلاً ومهدداً منذ اللحظة التي بدأ يقترب فيها من مراكز النفوذ الحقيقية
أولاً: القطاع المصرفي — أداة النهب لا ضحيته
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: القطاع المصرفي لم يكن مجرد ضحية للفساد، بل كان أحد أهم أدواته. فقد جرى تجريفه وإعادة تشكيله لخدمة منظومة التمكين، وتحويله إلى قناة رئيسية لتمرير الموارد العامة نحو شبكات خاصة. وقد كشفت لجنة التفكيك أن هذا القطاع كان منصة رئيسية لعمليات غسيل أموال واسعة ومنهجية، أُعيد عبرها تدوير عائدات الفساد داخل وخارج البلاد، باستخدام هياكل مالية معقدة وواجهات صُممت لإخفاء المستفيد الحقيقي
ولعل أبلغ ما كشفته اللجنة في هذا الملف هو تورط المخلوع عمر البشير مباشرةً في توظيف الجهاز المصرفي أداةً شخصية للإثراء غير المشروع. إذ كشفت اللجنة أن البشير تحوّل—عبر منظومة ممنهجة—إلى أكبر تجار العملة الأجنبية في السودان، من خلال لجنة سرية تضم ممثلين من جهاز الأمن وبنك السودان والمصارف. كانت تُخصَّص يومياً تصديقات بالعملة الأجنبية بالسعر الرسمي، توزَّع حصرياً على شبكة صرافات مملوكة لجهاز الأمن ثم تُعاد للمستوردين بسعر السوق السوداء، فيما يُحوَّل الفارق اليومي مباشرةً إلى حساب خاص باسم المخلوع في أحد المصارف الإسلامية. وقد وُظِّفت هذه الأموال في شراء ولاء تجار الحرب في مناطق النزاعات، ورشوة أطراف فاعلة في ملفات أمنية وسياسية
إلى جانب ذلك، شهد القطاع إعادة هندسة ممنهجة: دمج بنوك حكومية في كيانات خاصة، وتفكيك مؤسسات مصرفية تعاونية وبيعها بأبخس الأثمان، وبيع أصول استراتيجية عبر هياكل قانونية معقدة تُخفي المستفيد الحقيقي. هذا النموذج يكشف أن الجهاز المصرفي كان آلة منظمة تعمل وفق بروتوكول يومي لنقل الثروة العامة إلى حسابات خاصة—بمعرفة المصرف المركزي، وتغطية الأجهزة الأمنية، وصمت المؤسسات المصرفية المشاركة.
ثانياً: الانقلاب كوقف قانوني لمسار التفكيك
لا يمكن فصل انقلاب أكتوبر 2021 عن المسار الذي كانت تمثله لجنة التفكيك. فقد كانت اللجنة، رغم محدودية أدواتها، تمضي في كشف شبكات التمكين واقترابها من مراكز النفوذ الحقيقية—وهو ما شكّل تهديداً مباشراً استدعى إيقافها. وقد أصدر البرهان بعد اشتعال الحرب في أبريل 2023 قراراً بتعديل الوثيقة الدستورية وإلغاء النص الخاص بلجنة التحقيق في جرائم قتل الثوار، مما يُفضي قانونياً إلى تساؤل جوهري: هل جرى حلّ لجنة التفكيك رسمياً أم تجميدها؟
هذا التمييز ليس إجرائياً فحسب، بل يحدد السند القانوني لاستمرارية قرارات اللجنة أو إمكانية إحيائها. فالحل يعني إنهاء الشخصية القانونية وسقوط جميع قراراتها، بينما التجميد يعني تعليق الاختصاص مع بقاء الأساس القانوني قائماً وإمكانية استئناف العمل. والثابت أن ما صدر رسمياً تحدّث عن التجميد لا الحل—وهو فارق يُفرز التزامات قانونية مختلفة تماماً فيما يخص مصير القرارات الصادرة واسترداد الأصول.
ثالثاً: القضاء والقانونيون — حين تصبح العدالة سلعة
تتحدث معلومات موثوقة عن أن قانونيين فاسدين كانوا أداةً محورية في ترتيب صفقات لإلغاء قرارات لجنة التفكيك عبر التنسيق مع قضاة عيّنتهم سلطة الانقلاب لإصدار أحكام مدفوعة الثمن—يُقال إن مقابلها بلغ ثلاثة ملايين دولار عن كل شخص، تحصّل هؤلاء الوسطاء على نصيب مقدّر منها. وفي هذا النموذج يتجلى كيف جرى توظيف الأطر القانونية والقضائية ذاتها أداةً لتحصين الفساد وإكسابه شرعية: فحين يتحوّل القاضي إلى طرف في الصفقة والقانوني إلى سمسار يرتّبها، لا يكون الأمر حكماً قضائياً بل جريمة تستخدم لغة القانون
وفي هذا السياق تحديداً يمكن قراءة تصريح اأحد القانونيين البارزين بعد إعلان عودة لجنة التفكيك، إذ وصف المسار بـ”التهريج السياسي” متذرّعاً بأن البرهان ألغى اللجنة. غير أن ما يكشفه التمحيص القانوني أن من يُطلق هذا الوصف على مسار العدالة يعلم جيداً الفارق بين الحل والتجميد، ومع ذلك يتجاهله عمداً. وهذا النمط من الخطاب يُعرَّف في أدبيات العدالة الانتقالية بـ”تحييد المساءلة”، حيث يُفرَّغ المسار المحاسبي من مضمونه عبر الطعن في أدواته بدلاً من تقييم أدائها
وتتضح ازدواجية المعايير حين نتذكر أن هذا القانوني ذاته—حين كان يرأس لجنة التحقيق في مجزرة فض الاعتصامكان يطالب علناً بالتعاون الدولي والدعم الخارجي لفحص الأدلة الرقمية، بينما يصف اليوم تعاون لجنة التفكيك مع الجهات الدولية لاسترداد الأموال المنهوبة بالخيانة. وكما يتساءل المستشار القانوني محمد الفاتح حضرة في تحليله الصريح: هل تغيّر القانون، أم تغيّرت المواقف؟ والأكثر دلالة هو صمته التام حين أصدر البرهان قراراته بتعطيل مسار العدالة الانتقالية وتجميد اللجنة التي كان يرأسها—فلم نسمع منه ذات الحدة التي يبديها اليوم حين يتعلق الأمر بفتح ملفات الأموال
رابعاً: المقاربة الإجرائية — كيف يكون التفكيك مشروعاً وفاعلاً؟
التجربة أثبتت أن تفكيك منظومة بهذا التعقيد لا يمكن أن يتم عبر قرارات إدارية أو لجان محدودة الإمكانيات. والمدخل الأصوب إجرائياً هو ربط إعادة تأهيل القطاع المصرفي بعملية مراجعة مستقلة تقودها بيوت خبرة دولية معتمدة كشرط وجوبي مسبق، تشمل مرحلتين: أولاً، تقارير أولية لتصنيف البنوك بحسب درجة الاختراق—مؤسسات سليمة، وبنوك عالية المخاطر، ومؤسسات مخترقة تُجمَّد أو تُوضع تحت إدارة خاصة. وثانياً، تقارير جنائية مالية تفصيلية تتضمن تتبع تدفقات الأموال وتحليل شبكات الملكية وتحديد المسؤوليات القانونية، وتُفضي إلى شروط إعادة ترخيص تشمل إعادة هيكلة مجالس الإدارة وإخضاع الملاك لاختبارات الملاءمة وإحالة الملفات للقضاء.
غير أن أخطر ما يهدد هذه العملية ليس فقط حجم الفساد، بل احتمال إعادة إنتاجه عبر ما يمكن تسميته “المراجعات المضروبة”—أي تقارير امتثال شكلية تمنح شرعية قانونية زائفة لبنوك محل مساءلة. لذلك يجب قانونياً نزع صلاحية اعتماد المراجعات من الجهات المخترقة بما فيها البنك المركزي، واعتماد قائمة مغلقة من بيوت الخبرة الدولية، وإلزام جميع البنوك بالخضوع لمراجعة جنائية شاملة تمتد إلى تحديد المستفيد الحقيقي وتتبع التدفقات العابرة للحدود. ذلك أن تزوير المراجعة يُنتج شرعية زائفة يصعب تفكيكها لاحقاً—وهو أخطر من تجاوز العقوبات الخارجية التي يمكن الالتفاف عليها.
خامساً: ما بعد السلاح — معركة النفوذ المالي
في لحظة تحييد السلاح، تصبح السيطرة على القطاع المصرفي الأداة الأساسية لإعادة إنتاج النفوذ. ولهذا يمكن فهم محاولات التعجيل بتسويات سياسية دون حسم ملف المراجعة كجزء من سباق لإعادة ترتيب النظام المالي قبل فرض رقابة حقيقية. فتحييد السلاح دون تحييد السيطرة على المال لا يغيّر ميزان القوة—بل يعيد تشكيله.
والحقيقة التي لا يريد البعض مواجهتها هي أن أخطر ما في عودة لجنة التفكيك ليس بياناتها السياسية، بل احتمال فتح ملفات الأموال. لأن تتبع الأموال يكشف: من موّل، ومن استفاد، ومن توسّط، ومن شارك بصمت. وعندها لن يكون النقاش عن الثورة، بل عن الذمم. ولهذا تحوّل الجدل فجأة إلى تشكيك في الأدوات بدلاً من مواجهة الحقائق—وهو ما يُعرَّف قانونياً بتحييد المساءلة أو الإفلات من العقاب المنهجي.
خلاصة: من لجنة إلى مشروع دولة
الإشكال الأعمق لا يقف عند ردود الفعل، بل في الإطار الذي وُضعت فيه هذه المهمة منذ البداية. فقد تم اختزال تفكيك نظام جثم على الدولة لثلاثة عقود في لجنة محدودة الصلاحيات بلا مرجعية قانونية محكمة، وهو ما أضعف التجربة وفتح الباب لإسقاطها. تفكيك هذا الإرث ليس مهمة لجنة، بل مشروع دولة كامل يقوم على إطار قانوني محصّن، ومؤسسات مستقلة، وقدرات فنية حقيقية.
وثمة أسئلة قانونية لا يمكن الهروب منها: إذا كان التعاون الدولي خيانةً، فكيف ستسترد الدول أموالها المنهوبة؟ وإذا كانت لجان التفكيك بلا قيمة، فكيف تم تفكيك أنظمة الفساد في كل تجارب العالم؟ المعركة الحقيقية ليست حول شخص أو لجنة، بل حول سؤال واحد: هل تُفتح دفاتر الثلاثين عاماً أم تبقى مغلقة؟ لأن اللحظة التي تبدأ فيها مراجعة حركة الأموال منذ 1989 لن تكون لحظة سياسية—بل لحظة حساب.
ومن يختزل هذا الخراب، لا يقرأه… بل يتجنبه
مصادر ومراجع التحليل
- إسماعيل ع. مضوي: عدالة على حافة الانهيار — بين تفكيك الدولة العميقة وصعود القلق الجنائي
20/03/2026
المستشار القانوني محمد الفاتح حضرة: نبيل أديب وصرخة الخوف من عودة لجنة إزالة التمكين
وثائق ومعلومات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم