صالح حسين

عثمان محمد صالح

جاشت ملء صدورنا الغضة شتّى المشاعر المتلاطمة بين ضفتي الرهبة والرغبة، بين حدَّي الاحجام والاقدام، ونحن نودّع لي ل الخرطوم الساكن بأضوائه الشحيحة. كنا جماعة من الطلاب مكونة من فتية وفتيات، مسلمين ومسيحيين، حزبيين ومستقلين، شيوعيين وديمقراطيين، ناطقين بالعربية وبغير العربية، قادمين من العاصمة ومن مدن الأقاليم، أقلتنا طائرة تابعة لخطوط البلقان، ثم حطّت بنا في مطار صوفيا، في صباح باكر وبارد من أواخر سبتمبر 1988، أمّا صالح حسين، فقد تأخّر في المجيئ، ليلحق بنا بعد نحو أسبوعين من وصولنا في أيام المخاض الكوني العظيم، وبلغاريا تئنّ تحت وطأة القهر وغياب الحريات، حبلى بتغيير سياسي وشيك سيضع في العاشر من نوفمبر 1989 حدّاً للنظام الشمولي وتسلّط الطغمة الحاكمة الملتفّة، دفاعاً عن مصالحها الطبقية، حول الدكتاتور تودور جيفكوف.

ادركَنا صالح حسين في مدينة الطلاب في صوفيا وقد لوّحته الشمس الحارقة المنعكسة على سطح البحر الأحمر في موطنه بورتسودان. بملامح افريقية لاتخطئها العين، بدا صالح حسين أقرب إلى القصر والبدانة، داكن البشرة، أجعد الشعر، ضيّق الجبهة والعينين، بأنف هو أبعد مايكون عن الاستقامة، رقيق الشفتين بارزهما. وحين دنوت منه لاحقاً، في معهد تعليم اللغة البلغارية بصوفيا، عرفت أنّه منظَّم في الحزب الشيوعي، فألّف ذلك بيننا، كذلك جمعنا الانتماء لشرق السودان.

صار الهدندوي له لقباً عُرِف به طوال فترة اقامته في صوفيا. وأعجبتنا، نحن أفراد دفعته، بساطته وتلقائيته الآسرة، وطريقته غير المتكلِّفة في كسر الحواجز وتذويب الجليد وهو يسعى بين الناس فازدادت حفاوتنا بسليل شعب الشرق المحارب الذي تمكن من كسر مربع الجيش الإنجليزي الشهير، وحطّم أسطورته في معركة طماي في 13 مارس 1888، بين جيشي عثمان دقنة وسيرغراهام. واصبح صالح حسين أشبه بخبير يستفتيه كلَّ مهتمٍّ بقضايا شرق السودان عن مؤتمر البجا، وعما اضطلع به الشيوعيون من دور في تأسيس ذلك التنظيم، فروى ما تناهى إليه من مآثر الجزولي سعيد، المعارض السياسي والمتفرِّغ للعمل الحزبي، في بلدة أروما الواقعة في شرق السودان، في الستّينات من القرن الماضي.

الموسيقى الغربية كانت لصالح حسين بمثابة الرئة التي يتنفّس بها. كما كان منفتحاً في صداقاته على الطلاب من شتى الجنسيات، وعلى وجه الخصوص اولئك القادمين من دول أفريقيا الناطقة بالانجليزية، أعانته على ذلك أناقة المظهر، والتحلّي بروح الاقتحام والظرف المطبوع، واجادة الحديث بإنجليزية فصيحة استفادها من احتكاكه بجماعة من الإنجليز عمل معهم في بورتسودان، حيث عاونهم كمترجم، لكنّه كان في حقل السياسة شيوعياً متمرِّداً على قيود التنظيم الصارمة، يمارس الفوضى، ويطلق ضحكته المجلجلة، ويسعدنا بقفشاته ولكنته اللطيفة، التي جعلته أثيراً لكل من عرفه. افتتن بالرقص وبرع فيه، وأبهرنا في حلبة الرقص، وجعلنا نبدو إزاء براعته جماعة فائضة عن حاجة المرقص.
كان واضح الحرص على مظهره العام، انيقاً ينتقي ثيابه وأحذيته وعطوره بعناية فائقة. وفي مساء عطلة آخر الآسبوع تراه في كمال أُبّهته، منتعلاً الحذاء اليوناني الصنع ذا اللون البني والأربطة الجلدية، حليق الذقن، لامع سواد الصدار والبنطال، تزّين جيب بدلته العلوي زهرات بيضاء، وتتوج هامته قبّعة سوداء عريضة الحواف تجعله يبدو كبعض الطلاب الكنغوليين الذين كانوا في مدينة الطلاب بصوفيا من أرباب الأناقة المسرفة في استعراضيتها الملفتة للأنظار، لكم أدهشتني، كما أدهشت غيري، سراويلهم الفضفاضة وأحذيتهم الكبيرة التشارلي شابلينية. منحدراً من مسكنه في مدينة الطلاب إلى محطّ الباص 280 في شارع أكاديميك بوريس ستيفانوف، يمرّ صالح حسين مزدهياً بنفسه كمالو كان دِي جي مدينة الطلاب، حسن الهندام، ي مازح معارفه من المارة، متنقلاً بيسر بين اللغات التي يجيدها، وهو فى طريقه لقضاء سهرة راقصة تتجلّى فيها مواهبه في ابهار النساء برشاقته في حلبة الرقص.

أحسب أن من أمتع اللحظات في حياته كانت قبيل احتفالات السودانيين بالأعياد الوطنيّة، عندما تستعين به الفرقة الفنية لاتحاد الطلاب السودانيين لتعليم أفرادها الرقص البجاوي، عندها تبرق قسمات وجهه من الغبطة، فيرتدي الزي التقليدي لقومه، مزوّداً بالسيف البجاوي يتلاعب به مختالا وهو ينغمس في الرقص.

لم يكن من هواة الكتب، إلّا ماتوجبت قراءته في معهد تعليم اللغة البلغارية، ومع ذلك كان يروق له في استراحة الإفطار بين الدروس حين نخرج من معهد تعليم اللغة البلغارية، ونتمشّى في الدرب المحاذي لجادة ساريقرادسكو شوسي، الذي تحفّه الأشجار من الجانبين، حتى نبلغ فندق بِلِيسكا القريب، ثم نعود منه والجليد المتراكم يخشخش تحت أحذيتنا الثقيلة، كان يروق له، في ذهابنا وايابنا، أن يحدّثني عن موضوعه الأثير وهو قصيدة كيبلينغ ” فيزي ويزي”، ثم يعرّج بعدها على “موسم الهجرة إلى الشمال، يتلو منها عدّة مقاطع مختارة، يحفظها عن ظهر قلب. يتلوها في ذلك الطقس البارد وهو يرمقني باسماً، يشع من عينيه الضيقتين بريق عجيب، فابتسم، ثم أضحك، فيضحك هو الآخر، سعيداً لأنّ تلاوته قد لاقت استحساني، بل وجعلتني أضحك في ذلك الصباح البارد. ففي مثل تلك الأجواء الرفاقية، ذات الطابع غير الرسمي، يكون صالح حسين في أحسن أحواله، متربّعاً على القمة، مرتجلاً لروائع لايجيدها سواه، مبدعاً وخلّاقاً بلاحدود، لكنّ حماسه للحياة سرعان مايخبو، وطاقته الجبارة تفتر إذا ما وجد نفسه في جلسة رسمية، مستمعاً إلى محاضرة. احتوتنا ونحن طلاب جدد حجرة للمذاكرة في أحد طوابق البناية السابعة بمدينة الطلاب. جلسنا في شكل دائرة نستمع إلى قيادي حزبي ألقي علينا محاضرة قيمة عن قضايا الاقتصاد في القطاع التقليدي في السودان . هيمّن على المكان صوت المحاضر، لكني كنت، بين الحين والآخر، استرق النظر إلى وجه صالح حسين لأرى تأثير المحاضرة عليه، فوجدته مكتسياً بالحزن مثل طفل مشاغب تتفجر في جوفه طاقة هائلة للفوضى ولذلك قيّده أهله بالأوامر والنواهي والزواجر، وهو يريد أن ينطلق إلى الساحات الفسيحة. احسست به يتململ في قعدته، مختنقاً من طول البقاء ساكناً صامتاً مكبلاً بواجب الانصات ، تموج في صدره رغبة في هدم بنيان تلك الصرامة التي اكتست بها وجوه الحاضرين، وأن يشيع في أرجاء المكان فوضاه بسؤال المحاضر عن مسألة بعيدة كل البعد عن موضوع المحاضرة جعلتنا جميعاً ننفجر في الضحك وكان المحاضر نفسه أول الضاحكين. إنّ طريقة صالح في إدخال السرور على القلوب لاتبارى، وقدرته على هدم الحواجز والغاء التراتبيات الّتي تفصل بين الناس لاتضاهى، أما طاقة التغيير الكامنة في أعماق صالح حسين فيقيني أنها أكبر من أن تحتويها أماكن مغلقة، أوتستنفدها مهام وواجبات حزبية تمليها اجتماعات روتينية. لاشيء يثير ضيق صالح أكثر من انغلاقنا نحن زملاؤه في ماراثون مرهق من الاجتماعات الحزبيّة المطوّلة. وبعد نحو عامين من الصبر فاض بصالح حسين الكيل فلم يعد يخفي ضيقه وتبرمه بالعمل الحزبي، ولم يعد بمستطاعه احتمال رهق المهام الحزبية ففرّ بجلده من التنظيم، وانطوى في عالمه الخاص مع خاصته من الجنسيات الأخرى. ثم كره صوفيا ولم يعد يطيق البقاء فيها وهو الذي كان يردّد عنها عبارة البلغار الشهيرة :”صوفيا تكبر، لكنها لاتشيخ”، فحزم متاعه، تاركاً دراسة القانون في جامعة صوفيا، مرتحلاً إلى لندن، المدينة المتروبولية التي لطالما تاق إليها، وظل يهذي كالمحموم مهووساً بها في كل مجلس، يذكرها بمناسبة وبغير مناسبة مشدودآً إليها بجماع روحه كما لو أنه مصطفى سعيد يُبعَثُ من جديد.

عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
24.03.2026

osmanmsalih@hotmail.com

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

بشارة*

اخي التوم، فجأة تذكرت أنك قد اطلعتني قبل زمن بعيد في صوفيا على فاتحة قصة …