بقلم: زهير عثمان
ليست أزمة السودان في ضيق المساحات السياسية وحدها، بل في ضيق العقول التي تتحرك داخلها , فالمشكلة الأعمق لا تكمن في غياب الحرية بقدر ما تكمن في الذهنية السياسية التي لا تحتملها، حتى حين تُمنح
في السياق السوداني، يتجلى هذا الخلل في مفارقة لافتة , ومجتمع يمتلك تقاليد راسخة في “النفير” و“المناصحة”، لكنه يعجز عن تحويلهما إلى أدوات حقيقية للحوار
فـ“النفير” الذي كان يفترض أن يكون طاقة جماعية للبناء، يتحول في الممارسة الفكرية إلى حالة استنفار ضد الآخر، بينما تنقلب “المناصحة” إلى محاكمات أخلاقية لا تنتج معرفة بقدر ما تنتج خصومات
من أدب الحوار إلى محاكم التفتيش
في الذهنية السياسية السائدة، لا يُنظر إلى النقد كأداة لتشريح الواقع وإعادة بنائه، بل كفعل خروج عن الصف. الرأي المختلف لا يُستقبل كإضافة، بل كتهديد يجب تحييده
وهنا يسقط الحوار من كونه فعلًا معرفيًا إلى ممارسة إقصائية، حيث تُستبدل الحجة بالتخوين، والفكرة بالتصنيف
حداثة بلا روح متلازمة الشيخ والمريد
حتى داخل الخطابات التي ترفع شعارات المدنية والليبرالية، تظل البنية العميقة للعقل السياسي أسيرة منطق “الشيخ والمريد”
فالمثقف لا يسعى إلى تفكيك المسلمات بقدر ما يسعى إلى تثبيتها، ولا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الاعتراف بها
وهكذا، يدخل النقاش محمّلًا بإجابات جاهزة، لا بأسئلة مفتوحة ,وقد تتحول المناظرة إلى ساحة لإثبات التفوق، لا إلى مساحة للفهم المشترك
لغة التراشق بدلًا عن التواصل
النتيجة الطبيعية لهذه الذهنية هي تآكل القدرة على الحوار , فنحن كما تكشف تجاربنا اليومية أبرع في “حديث الذات” من “الحوار مع الآخر” نصغي لنرد، لا لنفهم
وندافع عن “قبائلنا السياسية” كما لو كانت امتدادات لهويتنا، لا مجرد مواقف قابلة للمراجعة
المقدسات الجديدة والقفص غير المرئي
الأخطر أن هذه الذهنية أعادت إنتاج “مقدسات” جديدة لا تقل صلابة عن القديمة , الثورة، الانتماء، وحتى المعاناة، تحولت في بعض الأحيان إلى أدوات للوصاية الفكرية يمكن للكاتب أن يعبّر، لكن ضمن حدود غير مكتوبة-: ألا يقترب من الأيقونات،ألا يشكك في السرديات السائدة، وألا يعيد طرح الأسئلة المقلقة
عندها فقط يُسمح له بالبقاء داخل “النقاش”. أما إذا تجاوز، فإن المحاكمة تبدأغالبًا خارج أي إطار معرفي
المآلات استقطاب وتآكل للمجال العام
هذا النمط من التفكير قاد إلى نتائج واضحة استقطاب حاد ابتلع المساحات الوسطى،مجال عام متشظٍ إلى جزر معزولة،وعي يُكافئ الصراخ ويُعاقب التفكير الهادئ
منفى الجسد… وحصار العقل
لا تتوقف الأزمة عند الداخل. فالمثقف السوداني الذي غادر بحثًا عن فضاء أرحب، غالبًا ما حمل معه نفس البنية الذهنية , و في المنافي، لا يتحرر العقل تلقائيًا، بل قد يزداد تصلبًا تحت ضغط الهوية والحنين
في هذا السياق، يتحول النقاش إلى “اشتباك رقمي” عابر للحدود، تُمارس فيه راديكالية آمنة، وتُوزع فيه الأحكام دون تكلفة ومن الممكن ينشأ نوع من “تراتبية الألم”، حيث يتنافس الداخل والخارج على امتلاك الشرعية الأخلاقية، بدلًا من بناء فهم مشترك
كما تتكرس “غرف الصدى”، حيث لا يُسمع إلا الصوت المشابه، ويُقصى المختلف بوصفه تهديدًا لوحدة الجماعة. وهكذا، يتآكل المعنى الحقيقي للحوار، ويُستبدل بتأكيد متبادل للمواقف
تحرير العقل قبل تفكيك النظام
المأزق الحقيقي لا يكمن فقط في فشل الحوارات، بل في أنها تُستخدم غالبًا كأدوات لتصفية الحسابات، لا لبناء المعرفة. لقد أثبتت التجربة أن المشكلة ليست في “أين نعيش”، بل في “كيف نفكر”
إن تفكيك النظام السياسي، على ضرورته، لن يكون كافيًا ما لم يسبقه تفكيك العقل الذي أعاد إنتاجه داخلنا
نحتاج إلى عقول – أقل يقينًا بامتلاك الحقيقة،أكثر استعدادًا للاعتراف بالخطأ، وأكثر شجاعة في نقد الذات قبل الآخر
بدون هذه المراجعة، ستظل كل مساحاتنا في الداخل أو في المنافي مجرد ساحات مؤجلة للصراع، يتغير فيها الموقع… ولا يتغير المنطق
والسؤال الذي يجب أن يسبق كل مشاريع التغيير هو أي عقل نريد أن يحكم هذا الوطن؟
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم