الساسة الأفارقة والعسكر: صراع السلطة أم قدر التاريخ؟

بقلم: لوال كوال لوال

منذ بزوغ فجر الاستقلال في القارة الإفريقية، ظل المشهد السياسي يتشكل على وقع علاقة معقدة ومتوترة بين الساسة والعسكر، علاقة لم تكن مجرد تفاعل مؤسساتي طبيعي داخل الدولة الحديثة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى صراع مفتوح على تعريف السلطة نفسها: من يحكم؟ وكيف يُحكم؟ ولماذا؟ لقد خرجت الدول الإفريقية من عباءة الاستعمار وهي تحمل جراحًا عميقة في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالدولة التي وُلدت على الورق لم تكن دائمًا موجودة في الواقع، والحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية لم تعكس بالضرورة حقائق المجتمعات وتاريخها، فوجد السياسيون أنفسهم أمام مهمة شبه مستحيلة، تتمثل في بناء دولة وطنية من فسيفساء إثنية وثقافية ودينية متعددة، بينما كان الجيش في المقابل المؤسسة الأكثر تنظيمًا وانضباطًا وامتلاكًا لأدوات القوة المادية، الأمر الذي جعل حضوره في الحياة العامة يتجاوز الدور التقليدي لحماية الحدود إلى التأثير المباشر في مسار الحكم. في السنوات الأولى بعد الاستقلال، ساد التفاؤل في أوساط الشعوب الإفريقية بأن النخب السياسية التي قادت حركات التحرر ستنجح في تحقيق أحلام التنمية والعدالة والكرامة الوطنية، غير أن الواقع سرعان ما كشف عن فجوة كبيرة بين الطموح والإمكانات، فقد واجهت الحكومات المدنية تحديات اقتصادية خانقة، وصراعات داخلية على السلطة، ونقصًا في الخبرة الإدارية، إضافة إلى تدخلات خارجية سعت للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. في هذا السياق المضطرب، بدأ الجيش يظهر كفاعل سياسي بديل، يقدّم نفسه بوصفه المنقذ القادر على فرض النظام واستعادة هيبة الدولة، فشهدت القارة موجات متلاحقة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بأنظمة مدنية أو عسكرية على حد سواء، حتى أصبح مشهد البيان الأول للجيش عبر الإذاعة أو التلفزيون جزءًا مألوفًا من الحياة السياسية في عدد من الدول. لم يكن تدخل العسكر في السياسة دائمًا نتيجة طموح شخصي أو نزعة سلطوية فحسب، بل كان في أحيان كثيرة تعبيرًا عن أزمة بنيوية في الدولة الإفريقية نفسها، فحين تفشل المؤسسات المدنية في إدارة التنوع الاجتماعي أو تحقيق قدر معقول من التنمية، تتآكل شرعيتها تدريجيًا في نظر المواطنين، ويصبح الجيش خيارًا مقبولًا لدى قطاعات من الشعب الباحثة عن الاستقرار بأي ثمن. غير أن التجارب التاريخية أظهرت أن الحكم العسكري، رغم ما قد يحققه من حسمٍ سريع في بعض الملفات الأمنية، غالبًا ما يعاني من محدودية في الرؤية الاقتصادية والسياسية، كما يميل إلى تضييق المجال العام وتأجيل الإصلاحات الديمقراطية بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية أو مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. في المقابل، لم تكن النخب السياسية دائمًا بريئة من تأجيج هذا الصراع، إذ لجأت بعض الأنظمة المدنية إلى تسييس الجيوش عبر تعيين قيادات موالية أو إنشاء وحدات موازية لضمان بقائها في السلطة، وهو ما أضعف مهنية المؤسسة العسكرية وفتح الباب أمام انقسامات داخلها قد تنتهي بانقلابات جديدة. كما أن توظيف الخطاب القبلي أو الجهوي في الصراع السياسي ساهم في نقل التوترات المجتمعية إلى داخل الثكنات، حيث لم يعد الولاء للدستور أو للوطن هو المحدد الوحيد للسلوك العسكري، بل دخلت اعتبارات الهوية والانتماء في حسابات القوة والنفوذ. هذا التداخل بين السياسي والعسكري خلق حالة من عدم اليقين الدائم في عدد من الدول الإفريقية، فالمستثمر الذي يفكر في ضخ أمواله في مشروع طويل الأمد، والمزارع الذي ينتظر استقرار السياسات الزراعية، والطالب الذي يحلم بمستقبل مهني واضح، جميعهم يجدون أنفسهم رهائن لمعادلة سلطة قابلة للتغيير المفاجئ. إن التنمية ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل هي شعور جماعي بالأمان والثقة في استمرارية الدولة، وحين تهتز هذه الثقة بفعل الانقلابات أو الصراعات على الحكم، تتراجع فرص التقدم حتى لو توفرت الموارد الطبيعية أو الدعم الدولي. ورغم هذه الصورة القاتمة في بعض المراحل، فإن إفريقيا لم تكن مسرحًا دائمًا للفشل أو الاضطراب، فقد شهدت القارة أيضًا تجارب ناجحة في الانتقال السلمي للسلطة وتعزيز دور المؤسسات المدنية، حيث أدركت بعض الجيوش أن دورها الحقيقي يكمن في حماية الدستور لا في منافسة السياسيين على الحكم، كما تعلمت النخب الحزبية أن الشرعية لا تُبنى بالقوة أو الشعارات، بل بالإنجاز والشفافية واحترام إرادة الناخبين. هذه التجارب، وإن كانت متفاوتة في نتائجها، تقدم دليلًا على أن العلاقة بين الساسة والعسكر ليست قدرًا محتومًا بالصراع، بل يمكن إعادة صياغتها ضمن عقد اجتماعي جديد يحدد بوضوح حدود كل طرف ومسؤولياته. غير أن الطريق نحو هذه المعادلة المتوازنة لا يزال طويلاً وشاقًا، فإصلاح القطاع الأمني يتطلب إرادة سياسية حقيقية واستثمارًا في التدريب والاحترافية، كما يحتاج إلى بناء ثقافة مؤسسية تُعلي من قيمة الخدمة العامة على حساب الولاءات الضيقة. وفي الوقت نفسه، فإن إصلاح الحياة الحزبية وتطوير نظم الحكم المحلي وتمكين المجتمع المدني تُعد خطوات أساسية لتعزيز ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي، لأن الديمقراطية التي لا تُترجم إلى تحسين ملموس في حياة الناس تبقى عرضة للانتكاس أمام أول أزمة اقتصادية أو أمنية. لقد أثبتت التجارب أن الصراع بين الساسة والعسكر ليس مجرد خلاف على السلطة، بل هو انعكاس لسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة الإفريقية الحديثة: هل هي دولة مواطنة ومؤسسات، أم دولة أشخاص وشبكات نفوذ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على النخب وحدها، بل تشمل أيضًا دور المثقفين والإعلاميين والزعماء التقليديين والشباب الذين يشكلون غالبية سكان القارة. فالمجتمع الذي يرفض تبرير الاستبداد، سواء جاء بزي مدني أو عسكري، هو مجتمع يضع الأساس الحقيقي للاستقرار. وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، من ثورة التكنولوجيا إلى تغير موازين القوى الاقتصادية، تجد إفريقيا نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها في العالم، لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب بيئة سياسية مستقرة تسمح بالتخطيط بعيد المدى وبناء شراكات استراتيجية متوازنة. إن البندقية قد تحسم معركة، لكنها لا تبني اقتصادًا، والصندوق الانتخابي قد يمنح الشرعية، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قوية تحمي نتائجه وتضمن تداول السلطة سلمياً. إن مستقبل القارة لن يُحسم في الثكنات ولا في القصور الرئاسية وحدها، بل في قدرة أبنائها على صياغة رؤية مشتركة للدولة التي يريدونها، دولة تتسع للتنوع وتحترم القانون وتوازن بين الحاجة للأمن ومتطلبات الحرية. حين يتحول الجيش إلى درعٍ للوطن لا سيفٍ على رقبته، وحين يصبح السياسي خادمًا للصالح العام لا أسيرًا لشهوة السلطة، يمكن عندها أن تبدأ إفريقيا مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تتجاوز إرث الانقلابات والصراعات نحو أفق التنمية والكرامة الإنسانية. لقد عاشت القارة عقودًا طويلة في ظل هذه الجدلية بين الحكم المدني والعسكري، لكنها اليوم تمتلك من الخبرة والتجارب ما يكفي لتفادي أخطاء الماضي إذا توفرت الإرادة الجماعية لذلك. فالتاريخ لا يكرر نفسه إلا حين نعجز عن التعلم منه، وإفريقيا التي أنجبت حركات تحرر عظيمة قادرة أيضًا على إنجاب نماذج حكم رشيد تلهم العالم. إن التحدي الحقيقي ليس في إقصاء العسكر أو إضعاف السياسيين، بل في بناء منظومة تجعل كل سلطة خاضعة للمساءلة، وكل قرار مرتبط بمصلحة المواطن، وكل مستقبل مفتوح على الأمل لا الخوف.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

من ثقافة الحرب إلى ثقافة التعايش

من ثقافة الحرب إلى ثقافة التعايش: كيف نعيد تشكيل الوعي الجمعي؟ دور التعليم والإعلام والزعامات …