الوعي بين الحقيقة والزيف: حوار متخيّل مع محمود أمين العالم في مرآة السودان.

الوعي بين الحقيقة والزيف: حوار متخيّل مع محمود أمين العالم في مرآة السودان.
قراءة نقدية في ضوء كتاب “الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر”

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

في إحدى الليالي السودانية الحالكة، حيث يختلط صمت الخراب بعتمة الحرب، جلستُ إلى طاولةٍ واحدة مع محمود أمين العالم. لم يكن حضوره مجرد استدعاء لاسمٍ في الذاكرة، بل ضرورةً ملحّة لتفكيك واقعٍ يختلط فيه العنف بالوعي الزائف، ويختلط فيه السؤال بالإجابة الضائعة.

كانت الحرب حاضرة في كل تفاصيل الأخبار، لكن أكثر ما أثقل المكان كان ذلك الالتباس العميق في الوعي؛ حيث لم يختلف الناس فقط على ما يحدث، بل على معنى ما يحدث. ومن هذا المكان المظلم، بدأ الحوار.

قلتُ له:
— ما نعيشه في السودان منذ أبريل 2023 لم يعد مجرد صراعٍ على السلطة أو الجغرافيا، بل أصبح صراعاً على تعريف الحقيقة نفسها. كل طرف يقدم روايته بوصفها الحقيقة النهائية. كيف يصل الوعي إلى هذا المستوى من الانغلاق؟

أجاب محمود أمين العالم:
— لأن الوعي لا ينفصل عن شروطه. إنه يتشكّل داخل علاقات القوة والتاريخ والمصلحة، وحين يغيب نقد هذه الشروط، يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع كما هو. وقد أشرتُ إلى ذلك في كتابي “الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر”، كما جاء في صفحة (21) و(22)، حيث لا يكون الخلل في المعرفة ذاتها، بل في البنية التي تمنحها معناها.

قلتُ:
— هذا يعني أن الوعي أصبح جزءاً من الأزمة.

قال:
— بل هو أحد شروط استمرارها. فالأزمات لا تتكرر فقط لأن أسبابها قائمة، بل لأن الوعي بها يظل أسيراً لنفس الأطر التي أنتجتها. أنتم لا تعيدون إنتاج الحرب فقط، بل تعيدون إنتاج الطريقة التي تفهمون بها الحرب. وقد نبّهتُ إلى هذا المعنى، كما جاء في صفحة (67) من كتابي المنوه عنه أعلاه، حين يتحول الوعي من أداة للنقد إلى أداة للتبرير.

قلتُ:
— في واقعنا، كل طرف يرى نفسه مكتفياً بذاته، ولا يعترف بإمكان خطئه.

أجاب:
— هذا هو ما يمكن تسميته بالاكتفاء الوهمي للوعي؛ كل وعي يسعى لأن يبدو كاملاً، فيغلق على نفسه ويحوّل معرفته الجزئية إلى يقين مطلق، كما جاء في صفحة (63) من كتابي المنوه عنه أعلاه، ويصبح عاجزاً عن رؤية حدوده.

قلتُ:
— وهذا ما يجعل الحوار شبه مستحيل.

قال:
— ليس مستحيلاً، لكنه معطّل. حين يتحول الخطاب إلى بديل عن الواقع، لا يعود النقاش حول ما يحدث، بل حول ما ينبغي أن يكون قد حدث. عندها، لا يتحاور الناس مع الواقع، بل مع صور يصنعونها عنه. وهنا يصبح الوعي نشطاً، لكنه يعمل ضد الفهم.

ثم توقفتُ قليلاً، وكأنني أستعيد مشهداً من ذاكرةٍ لم تنطفئ، وقلتُ:
— لكننا شهدنا لحظاتٍ انكسر فيها هذا الانغلاق، وظهر وعي جمعي مختلف، كما في ثورة ديسمبر 2018 في السودان، حين حدث وعي جماعي بضرورة التغيير، وتجاوز الناس سردياتهم الضيقة نحو أفق وطني مشترك.

أجاب محمود أمين العالم:
— ما تشير إليه ليس مجرد احتجاج، بل لحظة انكشاف بنيوي في الوعي. في مثل هذه اللحظات، لا يكتفي الوعي برؤية الواقع، بل يبدأ في إعادة تعريفه. تنكسر البُنى الزائفة مؤقتاً، ويظهر وعي قادر على تجاوز انقساماته، ليس لأنه حلّها، بل لأنه علّقها لصالح أفق أعلى. هذه اللحظة هي التي يتحول فيها الوعي من انعكاس للواقع إلى قوة فاعلة في تغييره.

ثم أردف:
— لكن خطورة هذه اللحظات تكمن في أنها، إن لم تتحول إلى بنية، فإنها تُستعاد لاحقاً كذكرى لا كمسار. ما حدث في ثورتكم كان دليلاً على قدرة الوعي الجمعي على إنتاج لحظة تاريخية، لكنه لم يتحول بعد إلى نظام معرفي مستقر يعيد إنتاج نفسه. وهنا يعود الوعي الزائف، لا ليُلغِي تلك اللحظة، بل ليُفرغها من قدرتها على الاستمرار.

قلتُ:
— إذاً، فالمشكلة ليست في غياب الوعي، بل في عدم استقراره كبنية.

قال:
— بالضبط. الوعي الثوري، إن لم يُؤسس، يتحول إلى طاقة مهدرة. الثورة ليست فقط فعلاً سياسياً، بل هي إعادة تشكيل لبنية الوعي. وإذا لم تُستكمل هذه العملية، فإن البُنى القديمة تعود لتملأ الفراغ، وتعيد إنتاج ذات الأزمة بأدوات جديدة.

ثم أضاف:
— والآن، سؤال آخر: هل أنتم فاعلون بما يكفي لاستنهاض وعي جمعي حقيقي وديمقراطي يقود السودان نحو تحقيق السلام المستدام، ويؤسس للأمن والاستقرار في الإقليم؟

سكتُ قليلاً قبل أن أجيب، وأدركتُ أن الإجابة ليست نظرية بل مشروعٌ عمل مستقبلي:
— هذا ممكن إذا كان هناك تصميمٌ واضح على تحويل الوعي من لحظة استثنائية إلى مسار مؤسَّس، من شعور بالحقائق إلى أدوات إنتاجها، ومن لحظة إجماع عابر إلى نظام نقدي مستمر. الوعي الجمعي السوداني يجب أن يصبح مشروعاً بنيوياً قادر على إعادة تشكيل ذاته، وعلى خلق ثقافة مدنية ديمقراطية، تحمي السلام، وتنتج العدالة، وتفتح أفقاً لمستقبل مستقر وآمن.

الجدير بالذكر أن ما لفت انتباهي واستدعاني لإعادة قراءة كتاب محمود أمين العالم هو صديقي المستشار القانوني محمد عبّد الماجد علوب، المثقف الواعي بزيف الوعي في الفكر العربي، ويؤرّقه الوعي الزائف في الحالة السودانية، ويسعى ضمن مجموعة من المثقفين والمفكرين السودانيين إلى بناء مجتمع واعٍ يقود التغيير المنشود لوطن أثقلته الجراح.

في هذا السياق، يصبح السؤال النهائي أكثر ثورية وبنيوية:
هل نملك الشجاعة لانتقاد وعينا… قبل أن نطالب بتغيير واقعنا؟

الإجابة عن هذا السؤال هي الشرط الأول للانتقال من دائرة الحرب والفوضى إلى أفق التغيير الحقيقي، حيث يتحول الوعي الجمعي إلى قوة مدنية ديمقراطية قادرة على بناء سلام مستدام وإعادة إنتاج الدولة والمجتمع على أسس عادلة ومستقرة، ويؤسس لمستقبل سوداني يستطيع أن يكون نموذجًا للأمن والاستقرار الإقليمي، ومصدراً لإشعاع الفكر النقدي في المنطقة
Habobsalah@gmail.com
27-3-2026

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

“المقاديرُ تُصيِّر العيَّ خطيباً”: من وهم الخبراء إلى ضرورة الوعي الجمعي لصناعة السلام في السودان

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو المقاديرُ تُصيِّر العيَّ خطيباً؛ مثلٌ عربي يُضرب للجاهل الذي تسعفه …