الفساد واقتصاد الحرب في السودان
تحليل شامل للكليبتوقراطية في زمن النزاع
عمر سيد احمد **
مارس 2026
القطاعات الأكثر تضرراً من فساد زمن الحرب
يتصدر القطاع المصرفي قائمة القطاعات المتضررة، جراء انهيار الثقة المؤسسية وشلل العمليات الاعتيادية وانتشار قنوات مالية غير رسمية. يليه القطاع الزراعي، إذ تعطلت التمويلات وسلاسل الإمداد تعطلاً حاداً. وتعاني الخدمات الأساسية — كالرعاية الصحية والتعليم — من تراجع الإيرادات العامة وتسرب الموارد، في حين تتعرض التجارة الداخلية لضغوط شديدة من جراء الجبايات غير الرسمية وارتفاع تكاليف النقل.
غير أن جذور هذا التدهور الزراعي والعقاري تمتد إلى ما هو أعمق من الحرب ذاتها. فقانون الأراضي لعام 1925 وتعديلاته في 1994 لم يكتفيا بنزع ملكية الأراضي العرفية من أصحابها الأصليين — ومنهم الرحل والمزارعون التقليديون — بل حوّلا الأرض إلى “منحة” بيد السلطة التنفيذية. خُصِّصت ملايين الأفدنة لمستثمرين مقربين من النخب الحاكمة بعيداً عن أي رقابة، واستُبعدت المجتمعات المحلية من دورة الإنتاج، فتحولت الأرض من مورد وطني إلى “عطايا” سياسية. هذه الهندسة القانونية المسبقة هي التي جعلت القطاع الزراعي هشاً أمام أي صدمة، وفسّرت عجز مجتمعات دارفور وكردفان والمناطق الطرفية عن الاستفادة من ثروات أراضيها حتى في أوقات السلم.
وقد برز قطاع الطاقة والموارد الطبيعية بوصفه أحد الساحات الرئيسية لفساد زمن الحرب، إذ تُحوَّل عائدات الذهب والغاز والمعادن لتمويل أطراف النزاع. وقد تعرض قطاع المساعدات الإنسانية لاختلاس المساعدات الدولية بعيداً عن مستحقيها، فيما يزداد قطاع الإنشاء وإعادة الإعمار تورطاً في العقود الوهمية وغياب آليات الرقابة.
تحول أنماط الفساد منذ أبريل 2023
ما قبل أبريل 2023
قبل أبريل 2023، سار الفساد في السودان وفق نمط مؤسسي أكثر تقليدية — ترسيخ وتكريس الهيمنة والتلاعب الإداري — يُديره مسؤولون ونخب مدنية لتحقيق الإثراء الشخصي. وعلى الرغم من ضرره البالغ، كان هذا النمط يستلزم قدراً من الاستقرار الدولتي لديمومته، مما جعل الإصلاح ممكناً نظرياً على الأقل.
ما بعد أبريل 2023
أحدث اندلاع الحرب تحولاً جذرياً؛ إذ تمركز الفساد حول القوة المسلحة والسيطرة الإقليمية وفقد طابعه المركزي. وتوسع الاقتصاد غير الرسمي توسعاً حاداً، تُديره مؤسسات عسكرية وميليشيات وحركات مسلحة تعمل خارج أي إطار تنظيمي. وتكاثرت شبكات التهريب والمنافذ عبر الحدود. وفي بعض المناطق، لم يعد الفساد يستغل الدولة، بل بات يحل محلها كلياً.
ما يجعل هذا التحول بالغ الخطورة أن الفاعلين المسلحين لا يحتاجون إلى استقرار الدولة لبقائهم؛ بل يزدهرون بانهيارها ويعيدون إنتاجه باستمرار. لم يعد الفساد طفيلياً على الدولة؛ بل بات له مصلحة هيكلية في إبقاء الدولة ضعيفة.
الكليبتوقراطية في السياق السوداني
الجذور التاريخية
تتجاوز الكليبتوقراطية حدود الفساد التقليدي — من رشوة واختلاس فردي — لتصف حالة أعمق تتحول فيها الدولة ذاتها إلى أداة للنهب المنظم، تُديرها شبكات تمزج القوة المسلحة والنفوذ السياسي ورأس المال المالي في منظومة واحدة متماسكة. ولم تنشأ هذه البنية مع الحرب؛ فجذورها تمتد إلى انقلاب عام 1989، حين شرع نظام الإنقاذ في بناء اقتصاد موازٍ خارج الجهاز الرسمي للدولة.
تحول نوعي: من كليبتوقراطية الدولة إلى كليبتوقراطية الحرب
ما جرى بعد أبريل 2023 لم يكن مجرد تصاعد في الفساد القائم، بل تحول نوعي في بنيته. لا تتنافس القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عسكرياً فحسب، بل يتنافسان على السيطرة على منظومتين كليبتوقراطيتين متوازيتين: منظومة القوات المسلحة، المبنية على عقود التمكين الممتدة منذ 1989 والمشاريع العسكرية المملوكة للجيش؛ ومنظومة قوات الدعم السريع، المبنية على عائدات الذهب من دارفور وشبكات التهريب الإقليمية.
تتسم الحالة السودانية بأربع خصائص متشابكة: الاندماج الكامل بين الوظائف العسكرية والاقتصادية داخل المؤسسات ذاتها، وعمق مؤسسي يمتد لثلاثة عقود مما يجعل هذه الشبكات شديدة الصمود، وبعد إقليمي ودولي يُدرج الدول المجاورة والوسطاء الدوليين مكوناتٍ في المنظومة، وقدرة تكيفية مُثبتة إذ نجت هذه الشبكات من كل انتقال سياسي.
الجهات الفاعلة الرئيسية والشركات المملوكة للدولة
تشير التقديرات غير الرسمية إلى نحو 250 شركة تقع تحت ملكية أو نفوذ القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وسائر الأجهزة الأمنية، وتعمل في قطاعات الذهب والزراعة والاتصالات والمصارف والنقل والعقارات والتجارة. وأبرز هذه الكيانات: هيئة الصناعات الحربية، وزادنا، وجياد، وبنك أمدرمان الوطني، وشركة أرياب للتعدين، وسوداتل.
وصفت وزارة الخزانة الأمريكية زادنا بأنها من أهم مكونات الإمبراطورية التجارية للجيش، مشيرةً إلى أنها نُقلت إلى صندوق الضمان الاجتماعي الخاص بالقوات المسلحة تحديداً لإبعادها عن الرقابة المدنية، وقد ربطتها مباشرةً بتمويل الحرب.
ولفهم كيف نشأت هذه الإمبراطورية وترسّخت، لا بد من قراءة قانون الاستثمار لعام 2021 الذي منح سلطاتٍ تقديريةً واسعةً للوزير أو الهيئة في منح إعفاءات جمركية وضريبية تصل إلى عشر سنوات دون معايير موضوعية شفافة. هذا النص شكّل “بوابةً خلفية” ممنهجة للفساد؛ إذ أتاح للشركات المحظوظة التربحَ على حساب ميزانية الدولة، وأفرز منافسةً غير عادلة تضخمت بموجبها رؤوس الأموال المرتبطة بالنخب الحاكمة، في حين أُنهكت الخزينة العامة التي تُموِّل الرواتب والصحة والتعليم. وبهذا لم يكن انهيار الإيرادات الحكومية — من 10% من الناتج المحلي عام 2022 إلى 4.7% عام 2024 — محض نتيجة للحرب، بل كان أيضاً ثمرةً لسنوات من التفريغ القانوني المنظم للخزينة.
وعلى الرغم من وجود آليات رقابية نظرياً — كوزارة المالية وديوان المراجعة العامة وبنك السودان المركزي — فإن فاعليتها معدومة عملياً. وقد صرحت منظمة فريدم هاوس بأنه لا توجد مؤسسات فعالة لمكافحة الفساد، وأن لجنة إزالة التمكين جُمِّدت إثر انقلاب 2021، وأن هيئة مكافحة الفساد المنصوص عليها دستورياً لم تُؤسَّس قط.
الفاعلون الدوليون والإقليميون
لا تستطيع منظومة الكليبتوقراطية السودانية الاستدامة دون شبكة دولية وإقليمية توفر أسواق التصدير وقنوات التمويل وغطاء الشرعية. الإمارات العربية المتحدة هي أبرز الفاعلين الإقليميين، إذ غدت دبي مركزاً رئيسياً لتجارة الذهب المستخرج من مناطق النزاع الأفريقية. أما روسيا، فحضورها في البنية الاقتصادية للسودان يسبق الحرب الراهنة؛ وقد وثّقت تقارير متعددة تورط مجموعة فاغنر في عمليات التعدين الذهبي وعلاقاتها بقيادة قوات الدعم السريع في دارفور. وتُمثّل تشاد وليبيا وإريتريا وسائر الدول المجاورة ممرات لوجستية لتهريب الأسلحة والذهب والسلع.
وما يُسهّل هذا التدفق الدولي للثروات المنهوبة هو قانون التعدين لعام 2015، الذي حدّد إتاوةً رمزيةً تتراوح بين 4% و7% في غياب تام لآليات التتبع الإلكتروني. هذا الإطار القانوني الهزيل جعل من قطاع الذهب — الذي تجاوز إنتاجه سبعين طناً عام 2025 — “ثقباً أسود” يبتلع الثروة الوطنية ويُصدّرها إلى الخارج دون أن يظهر أثره في ميزانية الدولة أو حياة المواطن. وتحويل إيرادات الذهب إلى شركات تتبع جهات سيادية مباشرةً بدلاً من وزارة المالية هو التجسيد القانوني الأدق لمفهوم “الدولة داخل الدولة”.
الأثر الإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان
في السياق السوداني، لم يعد الفساد مجرد مرض إداري، بل بات آلية لإنتاج العنف والانتهاكات. ومن الصلات الموثقة: التجويع الممنهج للسكان المدنيين عبر الاستيلاء على سلاسل الإمداد، والابتزاز الاقتصادي عند نقاط التفتيش، ونهب الموارد لتمويل العمليات العسكرية، وإعاقة المساعدات الإنسانية أو تحويلها عن مستحقيها، والعمل القسري في التعدين والزراعة لا سيما الأطفال والنازحين، والعنف المرتبط بالموارد في المناطق الغنية بالذهب.
يقدّر البنك الدولي أن الإيرادات الحكومية انهارت من 10% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 إلى 4.7% عام 2024. وفي مايو 2025، رصد البنك نحو 12.9 مليون نازح قسراً، فيما أفادت المنظمة الدولية للهجرة في يناير 2026 بأن ما يقارب ثلث سكان السودان قد نُزِّحوا في غضون ألف يوم من اندلاع الحرب. والمفارقة الصارخة أن المجتمعات التي تقطن المناطق الغنية بالموارد هي في الغالب الأشد حرماناً — وهذا ليس صدفةً، بل هو النتيجة المنطقية لمنظومة قانونية صُمِّمت لتحويل الثروة من الحق العام إلى الجيب الخاص.
أدوات التوثيق والأدلة المتاحة
تُشكّل قرارات العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية نقطة انطلاق قانونية استثنائية. كما توفر تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة توثيقاً ميدانياً مفصلاً. ومن أدوات التحقيق المفتوح المصدر: OpenCorporates وOFAC Search وWorld-Check لسجلات الشركات، وقاعدة بيانات ICIJ للوثائق المالية المسرَّبة، وصور الأقمار الاصطناعية لرصد مناطق التعدين، وتحليل بيانات الشحن عبر ImportGenius وPanjiva.
المبدأ المنهجي الجوهري: تنبع القوة الإثباتية من تقاطع مصادر مستقلة متعددة تشير إلى الخلاصة ذاتها. وثيقة عقوبات تُسمّي شركة، يُعززها سجل تجاري يكشف ملكيتها، ويدعمها شهادات ميدانية تصف عملياتها — هذا هو النموذج الذي يصمد أمام التدقيق القانوني والصحفي.
مخاطر مرحلة ما بعد النزاع
الخطأ الأكثر شيوعاً في تصميم مرحلة ما بعد النزاع هو الافتراض بأن التسوية السياسية تُفضي تلقائياً إلى تفكيك المنظومة الكليبتوقراطية. والتجارب المقارنة تشير إلى العكس تماماً. لا تنتظر الشبكات الكليبتوقراطية نهاية الحرب لإعادة تنظيم نفسها؛ بل تبدأ التكيف مبكراً، مُحوِّلةً الثروات المتراكمة إبان النزاع إلى أصول يُدّعى مشروعيتها.
والأخطر من ذلك أن قانون التحكيم لعام 2016 يوفر لهذه الشبكات “درعاً قانونياً” يُحصّنها حتى بعد انتهاء الحرب. فبموجب مبدأ السرية المطلقة في التحكيم، لا يستطيع الشعب ولا البرلمان الاطلاع على شروط العقود المجحفة المبرمة إبان النزاع، وتواجه كل محاولة للإصلاح أو استرداد الحقوق تهديداتٍ بتعويضات دولية ترهق كاهل الدولة. هذا بالضبط ما يفسر لماذا جُمِّدت لجنة إزالة التمكين قبل اكتمال مهمتها — فالمنظومة التشريعية صُمِّمت لتجعل الفاسد في مأمن تام من أي محاسبة، حتى بعد التسويات السياسية.
وتكشف الحالات النادرة الناجحة في كسر الحلقات الكليبتوقراطية عن ثلاثة شروط لا بد من توافرها معاً: معالجة البنية الاقتصادية للفاعلين المسلحين بالتوازي مع التسوية السياسية لا بعدها، وبناء مؤسسات رقابية مستقلة قبل الإفراج عن تمويل إعادة الإعمار، وضغط دولي مستدام على الشبكات العابرة للحدود.
جوهر التحدي: إعادة هندسة القوانين
لم يعد الفساد طفيلياً على الدولة، بل بات له مصلحة هيكلية في إبقاء الدولة ضعيفة. إن التوثيق المنتج اليوم لا يحمل أهمية للمساءلة الآنية فحسب، بل هو استثمار في مرحلة ما بعد النزاع. فالأدلة التي تُجمع الآن ستحول دون إعادة تأهيل الفاعلين الفاسدين تحت غطاء السلام.
إن فهم الكليبتوقراطية بوصفها بنيةً لا مجموعة أفراد هو نقطة الدخول الصحيحة للصحفيين والمحامين والناشطين. فملاحقة الفرد الفاسد وحده لا تكفي، لأن المنظومة ستُنتج بديلاً. غير أن ملاحقة الأفراد ستظل قاصرةً ما لم تُوازيها إعادةُ هندسة الإطار التشريعي الذي يُنتج هذا الفساد ويحميه: قوانين الأراضي التي تحوّل الثروة الجماعية إلى عطايا سياسية، وقوانين الاستثمار التي تُجفف الخزينة العامة لصالح النخب، وقوانين التعدين التي تُهرّب الثروة الوطنية خارج أي رقابة، وقوانين التحكيم التي تُحصّن الفاسدين من المساءلة. أي حديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي دون هدم هذه الشبكة التشريعية وإعادة صياغتها سيظل — مهما بلغت نوايا أصحابه — مجرد حرث في البحر.
اعادةهندسةالقوانين #سدالثغراتوالثقوب
عمر سيد احمد **
خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل
O.Sidahmed09@gmail.com
المصادر والهوامش
[1] انهيار الإيرادات الحكومية من 10% إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي:
World Bank, Sudan Macro Poverty Outlook, 2024.
https://thedocs.worldbank.org/en/doc/bae48ff2fefc5a869546775b3f010735-0500062021/related/mpo-sdn.pdf
[2] نحو 12.9 مليون نازح داخلياً — مايو 2025:
World Bank Group, Sudan Country Overview, 2025.
https://www.worldbank.org/en/country/sudan/overview
[3] ثلث سكان السودان نُزِّحوا في غضون ألف يوم:
International Organization for Migration (IOM), “One-Third of Sudan Displaced in 1,000 Days of Conflict”, 9 January 2026.
https://www.iom.int/news/one-third-sudan-displaced-1000-days-conflict-iom-urges-urgent-and-sustained-action
[4] زادنا وتمويل الحرب — وزارة الخزانة الأمريكية:
U.S. Department of the Treasury, OFAC, “Treasury Targets Entities Funding the Conflict in Sudan”, 31 January 2024.
https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2066
[5] عقوبات قائد القوات المسلحة والقوات الدعم السريع:
U.S. Department of the Treasury, OFAC, “Treasury Sanctions Leader of Sudanese Armed Forces”, 16 January 2025.
https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2789
[6] لا توجد مؤسسات فعالة لمكافحة الفساد — تجميد لجنة إزالة التمكين:
Freedom House, “Freedom in the World 2024 — Sudan”.
https://freedomhouse.org/country/sudan/freedom-world/2024
[7] تهريب الذهب عبر الإمارات — لجنة خبراء الأمم المتحدة:
UN Security Council, Panel of Experts on Sudan, Final Report, January 2024. نقلاً عن:
Africa Defense Forum, “Smuggled Gold Fuels War in Sudan, U.N. Says”, February 2024.
https://adf-magazine.com/2024/02/smuggled-gold-fuels-war-in-sudan-u-n-says/
[8] إنتاج الذهب 64 طناً في 2024 و48% خارج القنوات الرسمية:
Chatham House, “Gold and the War in Sudan”, March 2025.
https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan/03-gold-production-and-trade-during-war
[9] تورط مجموعة فاغنر في التعدين الذهبي بالسودان:
ISPI, “The Role of Gold in the Sudanese War”, April 2025.
https://www.ispionline.it/en/publication/the-role-of-gold-in-the-sudanese-war-207364
[10] الشبكات اللوجستية العابرة للحدود:
Global Initiative Against Transnational Organized Crime, “The Illicit Transnational Supply Chains Sustaining Sudan’s Conflict”, November 2025.
https://globalinitiative.net/analysis/the-illicit-transnational-supply-chains-sustaining-sudans-conflict/
o.sidahmed09@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم