الجواب الذي يقي من الحرب والكرب

“ما غرّك بربك الكريم؟”
الجواب الذي يقي من الحرب والكرب

  • الريح عبد القادر –

قد يتبلّد حس الإنسان، فيحتاج إلى كربٍ شديد، أو حتى حربٍ ضروس، تحل بداره أو قريباً منها، ليصحوَ من غفلته، وقد لا يصحو.
لكن ليست كل الصدمات التي يُراد بها إيقاظ الإنسان من غفلته تأتي في صورة قهرٍ أو كربٍ أو حرب، فبعضها قد يأتي في هيئة سؤال بسيط:
“يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ”؟
إنه سؤال يحمل الإجابة في داخله.

نعم، في أحيانٍ كثيرة، قد يتكبر الإنسان لأنه شعر بالقوة والغنى، فاستغنى؛
لكنه قد يتكبر أيضاً لأنه توهم أنه أمِن من عقاب الله.
فحين لا يرى أي عقوبةً تنزل به، يطمئن إلى دوام النعمة، مستأنساً بالإمهال!
وهنا ينشأ أخطر أنواع الغرور: الغرور المستند إلى كرم المولى عز وجل.
يألف الإنسان النعمة حتى يظنها حقاً مكتسباً، ويطول عليه الأمد حتى يظن أنْ لا حسابّ!
وأحياناً من شدة الغرور قد يتذكر الإنسان الحساب، لكنه يظن أنه آمنٌ تماماً من العقاب!


في هذه الآية العظيمة، يصف ربك نفسه بالكرم وهو يعاتبك. لم يقل لك إنه القهار، الجبار، المنتقم، بل قال لك إنه “الكريم”.
إنه لا يريد منك أن تشعر بالقهر.
بل بالخجل.
إنه لا يريد لقلبك أن يرتعد خوفاً.
بل أن يختلج خجلاً.
بهذا الخطاب “الكريم”، لن تجد نفسك أمام قوةً تقهرك؛ بل أمامٍ مُحسنٍ قصّرتَ في شكره.

كيف أسأت الأدب مع من أحسن إليك؟
كيف اعتبرتَ النعمة تكريماً لك؟
هل أعجبك عملك فاعتقدتَ أنك مستحق للتكريم؟
هل نسيتَ أنك في الدنيا ولستَ في الجنة؟
ألا تعلم أنّ كل نعمة ابتلاء، وكل إمهال ربما يكون استدراجاً؟

ورغم ذلك، “ربك الكريم” لا يهينك، بل يرفعك إلى إنسانيتك: “يا أيها الإنسان” !
نداء يذكّرك بمقامك، ويقول لك إن هذا الغرور منك لا يليق بك!
ولا به! سبحانه وتعالى.
الخوف يسيء الظن بك!
والحياء يحسن بك الظن.
نعم، الخوف قد يردعك،
لكن الحياء سيُصلحك.
الخوف يمنعك من الذنب،
لكن الحياء يجعلك تستحي أن تعود إلى الذنب.
لأنك سوف تستحي أن تقصّر في حق ربك الكريم!


وحين تجيب بصدق عن هذا السؤال “ما غرّك بربك الكريم؟”،
يبدأ تحولك:

  • غرّني جهلي
  • غرّتني نفسي
    وهنا يولد التواضع.

لأن التواضع الحقيقي يبدأ بإدراكك لتقصيرك أمام فضل الله عليك.
إدراك اغترارك بربك الكريم.


لكن يجب ألا ينتهي هذا السؤال القرآني عند لحظة تلاوته،
بل يجب أن يظل مفتوحاً طوال حياتك.
في كل صباح ومساء، تسأل نفسك: “ما غرّك بربك الكريم؟”
وكلما ظننت أنك نجوت من الغرور،
عليك أن تنظر في نفسك، لتجده ملء إهابك وثيابك.
إنْ لم تعتقد أنّك مغرور، فإنّك مغرور!
فمثل ما أنت بحاجة يومية إلى الاستحمام من الأدران، أنت أيضاً بحاجة أكبر إلى الاغتسال من الكِبر والغرور.
وإنْ ظننتَ أنك نظيف، فأنت غير نظيف.
والغرور لا يأتي دائماً في صورة عتوٍّ وتجبّر.
بل قد يأتي في صورة مسكنةٍ زائفة، واطمئنانٍ زائد إلى كرم الله بلا سند: بلا عمل، وبلا تقرّب!

وحين تدرك غرورك، تكون قد بدأت، للتو، أولى خطوات رحلتك نحو التواضع.
وحين تجيب الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال، ربما لا تحتاج إلى كربٍ وحربٍ لتستيقظ من غفلتك!

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

الدعوة إلى التواضع و”تهديد المكانة الشخصية”

بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان منذ أن بدأتُ أدعو إلى فضيلة التواضع، قبل أكثر …