بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
في السودان، لا تُولد الأفكار الكبرى في قاعات السياسة، بل تتسلل من تفاصيل الحياة التي نظنها عابرة. من يدٍ ترتجف وهي تربت على كتف ابنٍ كأنها تستبقيه، من نظرةٍ تطيل الوقوف عند ملامحٍ تعرف أنها قد لا تُرى مرةً أخرى. هناك، يتكوّن الوعي الحقيقي. قبل سنوات، وفي مناسبة اجتماعية، رأيت رجالاً من المسيرية يحيّون أبناءهم بقبلةٍ ممتدة، يسألون عنهم كما لو أنهم يستعيدونهم من الغياب، ويرددون عبارة قصيرة تختصر معنى الوجود: “المَحَنّة بالحياة”. وحين سألتهم، قالوا: لا نؤجل المحبة… لأن الزمن لا يُؤمَن.
في تلك اللحظة، بدت العبارة أكبر من سياقها، كأنها تخرج من نطاق العاطفة لتلامس جوهر القرار الإنساني. فهي، دون أن تقصد، تعيد إنتاج المعنى العميق في قوله تعالى: “إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب”. ليس المطلوب أن نتوب فقط، بل أن نفعل ذلك “من قريب”—قبل أن تتحول الأخطاء إلى مصائر، وقبل أن يصبح التراجع أكثر كلفة من الاستمرار. القُرب هنا ليس زمناً، بل شجاعة؛ ليس توقيتاً، بل وعيٌ بأن بعض القرارات إذا تأخرت… فقدت معناها.
ومن هذا المعنى، تتجلى مأساتنا السودانية في صورتها الأكثر قسوة: ليست في اندلاع الحرب وحده، بل في الإصرار على تأجيل نهايتها، كأن الزمن سيُصلح ما أفسده السلاح. لكن الزمن، في الحروب، لا يُصلح… بل يُضاعف الفاتورة.
كل يومٍ يمر ليس مجرد رقمٍ يُضاف إلى التقويم، بل خسارة مركّبة تُكتب في صمت: نفوس تُزهق، مدن تُفرغ من معناها، واقتصاد يتآكل حتى يفقد قدرته على الوقوف. ومع الوقت، لا تبقى الحرب حدثاً طارئاً، بل تتحول إلى حالة اعتياد، ويغدو السلام فكرة بعيدة، لا خياراً قريباً.
وعندما نضع العاطفة جانباً، وننظر بعين الحساب، تظهر الحقيقة بلا تجميل: تشير التقديرات إلى أن الخسائر في القطاعات الإنتاجية تجاوزت 90 مليار دولار (¹)، فيما بلغت خسائر القطاع الصناعي ما بين 50 إلى 58 مليار دولار (²)، بعد أن كانت الخسائر الأولية تُقدّر بـ26 مليار دولار (³). نحن، ببساطة، أمام اقتصادٍ فقد أكثر مما كان يملك.
لكن الفقد الحقيقي لا يُقاس بالمال. تشير التقديرات إلى نحو 150 ألف قتيل (⁴)، وأكثر من 12 إلى 14 مليون نازح (⁵). هذه ليست أرقاماً تُذكر، بل حياةٌ تُمحى، وأزمنةٌ تُختصر، وأوطانٌ صغيرة تنهار داخل الوطن الكبير.
ويزداد المشهد قتامة مع تراجع الناتج المحلي بنحو 40–42% (⁶)، وانهيار الإيرادات الحكومية بأكثر من 80% (⁷)، وفقدان ملايين الوظائف. دولةٌ تفقد قدرتها على التعويض، ومجتمعٌ يُترك وحيداً في مواجهة الخسارة.
وفي الخلفية، تعمل خسارة أخرى أكثر صمتاً: استثمارات لم تأتِ، تُقدّر بين 5 إلى 10 مليارات دولار سنوياً (⁸)، أكثر من 15 مليون طالب تضرروا (⁹)، ومستقبلٌ يُؤجَّل دون أن ننتبه.
أما ما ينتظر، فهو أشد وطأة: إعادة إعمار قد تتطلب 300 مليار دولار للعاصمة وحدها، وقد تصل إلى تريليون دولار للوطن كله (¹⁰). كل يوم تأخير لا يضيف فقط رقماً، بل يرفع سقف المستحيل.
وفي المقابل، تستمر الحرب كأنها قدر، بينما تكلفتها تصل إلى 30–40 مليار دولار سنوياً (¹¹)، وما يقارب مليار دولار شهرياً (¹²)، في مسارٍ يقود إلى ما يسميه الاقتصاديون “فخ الصراع” (¹³)، حيث يصبح الخروج أكثر صعوبة من البقاء، رغم أن البقاء هو الخسارة الأكبر.
وهنا، لا يعود السؤال: كم خسرنا؟
بل: لماذا نستمر في الخسارة؟
كيف نبني، ونحن نؤجل إيقاف الهدم؟
كيف نعتذر بعد أن نفقد من نعتذر لهم؟
كيف نُصالح وطناً بعد أن يتحول إلى فاتورة؟
“السلام من قريب” ليس شعاراً أخلاقياً فقط، بل هو القرار الأكثر عقلانية، والأكثر إنسانية، والأقل كلفة. هو أن تفعل الصواب في وقته، لا بعد أن يفقد أثره. هو أن تُنهي النزيف قبل أن يصبح قدراً.
تلك هي “المحنة بالحياة” في معناها الأعمق: أن تعطي الشيء قيمته في وقته. أن تُبادر قبل أن تُجبر، وأن تختار السلام قبل أن يُفرض عليك بثمنٍ أعلى.
فحين تتأخر التوبة، تثقلها الذنوب؛
وحين تتأخر المحبة، يسرقها الفقد؛
وحين يتأخر السلام…
نخسر النفوس… ثم ندفع الفلوس… ولا نستعيد أياً منهما.
وهنا، نستعيد بدهشةٍ موجعة ما قاله الشاعر محمد الحسن سالم حميد وهو يتأمل مفارقة هذا الوطن:
“العَلَّمتنا العُوم… تقوم تَغرَق… هي ما تِقدَر تعوم!”
كأنه كان يرى ما نراه اليوم: بلداً علّم الآخرين كيف يعبر، فإذا به يُختبر في عبوره الأصعب. لكن السودان—كما علّم غيره—لن ينسى كيف ينجو. قد يثقل بالماء، وقد يترنّح، لكنه لن يغرق. لأن في ذاكرته ما يكفي من المعنى، وفي أهله ما يكفي من الحياة.
ولهذا، فإن النهاية ليست هنا…
بل هناك، حيث ينهض هذا الوطن من ركامه،
ويستعيد قدرته القديمة: أن يعبر… ويُعلِّم العبور من جديد.
المراجع والإشارات:
(¹) تقديرات خسائر القطاعات الإنتاجية – تقارير اقتصادية 2024–2025.
(²) بيانات القطاع الصناعي – دراسات اقتصادية سودانية.
(³) البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
(⁴) تقديرات ضحايا النزاع – تقارير دولية.
(⁵) الأمم المتحدة (OCHA، UNHCR).
(⁶) البنك الدولي – تقديرات الانكماش الاقتصادي.
(⁷) تقارير الإيرادات الحكومية السودانية.
(⁸) تقديرات الاستثمار الضائع – تقارير إقليمية.
(⁹) اليونسكو – بيانات التعليم.
(¹⁰) تقديرات إعادة الإعمار – تقارير دولية.
(¹¹) دراسات تكلفة النزاعات المسلحة.
(¹²) تقديرات التكلفة الشهرية للحرب.
(¹³) أدبيات الاقتصاد السياسي للنزاعات
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم