محجوب شريف… عاش كما كتب وكتب كما عاش

نزار عثمان السمندل

تحتفظ ذاكرة السودانيين باسمٍ حين يُنطق يتقدّم على صفته، ويكاد يعرّفها… محجوب شريف.
اثنا عشر عاماً مرّت منذ موكب الوداع في الثاني من أبريل 2014، لكن المسافة بين الغياب والحضور لم تُقَس بالزمن، بقدر ما قيست بقدرة صوت شاعرٍ على البقاء في الحناجر التي تعلّمت منه كيف تُغنّي حين يضيق الكلام.

صفة “شاعر الشعب” تبدو في ظنّ بعضهم زينةً لفظية، لكنها في تجربة محجوب شريف تتطابق مع امتحان الحياة اليومي، الذي ُدفع كلفته من الجسد والحرية معاً. لغته لم تتوسّل البلاغة المتعالية. خرجت من أفواه الأمهات، من تعب العمّال، من صبر المزارعين، ثم عادت إليهم محمّلةً بمعنى أثقل من بساطتها. في تلك المسافة القصيرة بين المفردة اليومية والقصيدة، كان يصوغ قوةً قادرة على أن تُسمع من خلف القضبان.
[ يا شعبا تسامى
ياهذا الهمام
تفجّ الدنيا ياما
وتطلع من زحاما
زي بدر التمام
تدّي النخلة طولا
والغابات طبولا
والأيام فصولا
والبذرة الغمام ].

سيرة الراحل الكبير تُقرأ كاشتباك طويل مع الطغاة. اعتقالات متكررة في عهد جعفر النميري، ثم في سنوات حكم عمر البشير، وفصولٌ من الإقصاء الوظيفي، وثمنٌ صحّي انتهى بتليّفٍ رئوي حمل آثار الزنازين الرطبة. ثلاثة عشر عاماً تقريباً في السجن لم تُنتج صمتاً، وإنما دفاتر سرّية كانت تخرج إلى الناس مثل رسائل نجاة. من داخل كوبر، كتب ما يشبه نشيداً للكبرياء، صوّر فيه السجين طائراً مجروحاً يصرّ على الغناء، والقصر مكاناً يرتجف في قبوه الجلّاد.
[ مساجينك مساجينك
نغرّد فى زنازينك
عصافيراً مجرّحة بى سكاكينك
نغني ونحنا في أسرك
وترجف وأنت في قصرك ].

القصيدة عنده لم تُكتب لتُقرأ فقط؛ عاشت في الحناجر. فنانون من طينة وردي ومحمد الأمين، وفرق موسيقية من وزن عقد الجلاد، حملوا نصوصه إلى فضاء أوسع، فأسهمت في تشكيل الوجدان الغنائي الوطني، وصارت بعض عباراته مفاتيح للذاكرة الجمعية في لحظات الفرح والانكسار.
ذلك الانتشار لم يحتج إلى منصات صاخبة، إذ كانت قصيدة محجوب شريف نفسها منصةً تمشي على قدمين، تصل إلى البيوت والأسواق، وتستقر حيث تجد قلباً مستعداً.
حياته خارج الشعر كانت امتداداً له. في التعليم جرّب أن يفتح الدرس على المشاركة، وأن يمنح التلاميذ دوراً في صناعة المعرفة وتمثيلها.
وفي المجتمع أسّس مع آخرين مبادرات عديدة، مثل “صُحبة راكب” و”النفّاج” و”رد الجميل”، فحوّل الفعل الإنساني إلى مؤسسة تتكئ على البساطة ذاتها.. أسواق خيرية، دعمٌ للعلاج والدراسة، يدٌ ممدودة لكل من يطرق الباب. هنا أيضاً تظهر الفكرة التي حكمت تجربته، ومفادها أن السياسة وظيفة أخلاقية هدفها تأمين حياة كريمة للناس، والعمل الأهلي طريق موازٍ يخفف وطأة القسوة اليومية.
الموقف ظلّ ثابتاً حتى حين تدفقت الإغراءات.

اشتغاله على الحب لم ينفصل عن هذا الأفق. المرأة في شعره حضورٌ يومي: زوجة، أم، ابنة، معلمة، عاملة، بائعة شاي. يحتفي بها سنداً وامتداداً للحق والعدل والثبات، ويضعها في مكان يليق بها في قلب الحكاية الوطنية، حيث تتجاور مفردات الحنان مع مفردات الحرية والسلام.
[ ﺳﻼﻣﺎً ﻳﺎ ﻧﺴﺎﺀ ﺍﻷﺭﺽ ﻗﺎﻃﺒﺔ ﻓﻰ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ..
ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﺨﻴﺮ، ﻣﺴﺎﺀ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻳﺎ ﺳﺖ ﺍﻟﺒﻴﺖ
ﻭﺳﺖ ﺍﻟﻤﻜﺘﺐ ﺍﻟﻔﺎﺗﺢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ].

الجماهير التي لامست تجربته في الحياة كانت ترى في ثباته المبدئي تيرموميتراً يُقاس عليه، تنهل منه طاقة تتجدّد كلما اشتدّ الظلم وطال الاستبداد. في قصائده الأخيرة أعلن شجاعةً هادئة أمام الموت، ووضع معياراً مُتشددا يفيد بأن الخوف الحقيقي يتعلّق بلحظة انطفاء الضمير. تلك الجملة تختصر سيرة كاملة، وتعيد ترتيب القيم بحيث يتقدّم المبدأ على المصير.
[ أقول دون رهبة أقول دون زيف
أموت لا أخاف أين أو متى وكيف
أموت في سريري
جيرتي عشيرتي
رفاقي وأصدقائي
زوجتي بنتاي
قطتي راكوبتي وزِيري
مُعززاً مُكرماً مُهندماً بناصع البياض
موكب يحفني لمرقدٍ أخيرِ
أموت لا أخاف كيفما يشاء لي مصيري
أموت لا أخاف قدرما أخاف
أن يموتَ لحظةً ضميري ].

موكب الوداع الذي خرج من الحارة 21 في أم درمان إلى مقابر أحمد شرفي بدا كأنه قصيدة أخيرة تُكتب بالأقدام. جسدٌ يُحمل، وذاكرةٌ تحمل البلد معها. تداخل الخاص والعام في ذلك المشهد، وتحوّل الفقد إلى لحظة اعتراف جماعي بقيمة رجل عاش كما كتب، وكتب كما عاش.
[ النفّاجو فاتح
ما بين دين ودين
نفحة محمدية
دفئاً كالضريح
ميضنة كم تلالي
جيداً في الليالي
مجداً في الأعالي
مريم والمسيح ].

أثر محجوب شريف لا يُحصر في الدواوين، بقدر ما يتوزع في شبكة من الأفعال. قصائد خالدة تتناقلها الألسن، أغنيات تُستعاد في كل منعطف، مبادرات إنسانية تواصل عملها، ونموذج أخلاقي يذكّر بأن الشعر يمكن أن يكون طريقةً للعيش، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تظل إلى جانب الناس، وأن تدفعهم خطوة إضافية نحو ما يستحقونه.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

مرثية ثقيلة في دفاتر المستشفيات

نزار عثمان السمندل تُكتب المأساة هذه المرة في دفاتر المستشفيات، على أسرّة تُركت باردة، وعلى …