زهير عثمان
في منتصف أبريل من كل عام، يستعيد السودان موقعه المؤقت على خريطة الضمير الدولي. ليس كدولة تسعى للنهوض، بل كـ”كارثة متحركة” تُنتج أرقامًا قياسية في البؤس الإنساني
ومع اقتراب النسخة الثالثة من مؤتمر برلين (15 أبريل 2026)، لا يطرح السؤال حول جدوى المؤتمر بقدر ما يُطرح حول وظيفته العميقة هل نحن أمام منصة حقيقية للحل، أم أمام طقس دولي متكرر لتخفيف القلق وإدارة الفشل؟
السودان لم يعد يعاني من نقص الاهتمام الدولي، بل من ضعف أثره
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توالت المبادرات والمؤتمرات: باريس (2024)، لندن (2025)، والآن برلين (2026). ثلاثية أوروبية تعيد إنتاج المشهد ذاته حضور رفيع، بيانات لامعة، وتعهدات سرعان ما تتبخر. المشكلة ليست في غياب الخطط، بل في غياب الإرادة لتحويل الكلمات إلى ممرات آمنة، ومياه تصل إلى العطشى، وحياة تستعاد من حافة الانهيار
الفجوة البنيويةعندما يصبح المؤتمر بديلاً عن الحل
يحمل مؤتمر برلين أهدافًا واضحة تمويل إنساني، وقف إطلاق نار، ممرات آمنة، ومسار سياسي. وهي أهداف ضرورية بلا شك، لكنها تعاني من خلل جوهري انفصالها عن جغرافيا القوة الفعلية داخل السودان
فالضغط الدولي يظل محدود التأثير أمام فاعلين لا يعترفون إلا بمنطق القوة، والمساعدات كثيرًا ما تتعثر في دهاليز البيروقراطية أو تُستغل ضمن ديناميات الصراع بدل أن تُنهيه
هنا يبرز القلق الحقيقي أن تتحول هذه المؤتمرات، رغم أهميتها، إلى جزء من المشكلة بدل أن تكون أداة حاسمة للحل
المذكرة الاستباقية استعادة الإنسان من تحت الركام
في هذا السياق، تبرز مذكرة منظمة سدرة العالمية ومنسقية “المسار الثالث الإنساني” كطرح مختلف يحاول إعادة ترتيب الأولويات. لا تقدم المذكرة خطابًا إنشائيًا، بل تصورًا يقوم على ثلاث ركائز الإنسان، والبيئة، والذاكرة
أولًا، الإنسان بوصفه قضية كرامة لا رقمًا في جداول النزوح.
نحو 12 مليون نازح داخليًا، و4 ملايين لاجئ في دول الجوار وهذه ليست هذه مجرد إحصاءات، بل خرائط حياة مدمّرة تتطلب استجابات متمايزة، لا حلولًا عامة تختزل التعقيد
البيئة البعد الغائب في خطاب الحرب
تطرح المذكرة زاوية نادرة في النقاش الدولي البيئة كجزء من الأمن الإنساني. فالحرب في السودان لم تدمّر البشر فقط، بل استهدفت شروط بقائهم المياه، المراعي، والثروة الحيوانية
هنا لا يعود الجفاف مجرد ظرف طبيعي، بل يتحول إلى أثر مباشر للحرب. واستحضار هذا البعد يعني إعادة تعريف الإغاثة نفسها: لا يمكن إنقاذ الإنسان دون حماية البيئة التي يعيش منها
الذاكرة المنهوبة حرب على التاريخ
إلى جانب ذلك، تضع المذكرة ملف الآثار في موقعه الصحيح كقضية عاجلة لا مؤجلة ما تعرضت له المتاحف والمواقع التاريخية من نهب وتدمير لا يمثل فقط خسارة وطنية، بل اعتداءً على ذاكرة إنسانية مشتركة
ومن هنا تأتي الدعوة لتدخل دولي منظم، يربط بين المؤسسات الثقافية والأمنية، لمنع تهريب هذا الإرث ومحاسبة المتورطين في تدميره
من التعهدات إلى المحاسبة اختبار الجدية الدولية
جوهر المذكرة يتمثل في الانتقال من منطق التعهدات إلى منطق المحاسبة
لا وعود فضفاضة، بل -التزامات مكتوبة ومؤرخة
آليات متابعة مستقلة
تقارير دورية علنية
ربط التمويل بمعايير الحماية والوصول الفعلي
لم يعد كافيًا أن يُظهر المجتمع الدولي تعاطفه مع السودان، بل أصبح مطالبًا بإثبات جديته. فالأزمة لم تعد تحتمل مزيدًا من إدارة الوقت
المجتمع المدني من الهامش إلى مركز الفعل
في ظل غياب الدولة في كثير من المناطق، برز المجتمع المدني السوداني كفاعل حقيقي لا يمكن تجاوزه. من الإغاثة إلى التعليم، ومن الحماية إلى الوساطة، لعبت هذه الشبكات دورًا محوريًا في إبقاء الحياة ممكنة
وعليه، فإن أي مؤتمر لا يمنح هذا الفاعل موقع الشريك الفعلي تمويلًا وتمكينًا ومشاركة في القرار سيظل محدود الأثر، مهما كانت نواياه
بين لحظة التحول وإعادة إنتاج العجز
يقف مؤتمر برلين 2026 أمام مفترق طرق واضحإما أن يتحول إلى لحظة مختلفة، تنتقل فيها الجهود الدولية من إدارة الأزمة إلى محاولة إنهائها، عبر أدوات حقيقية للمساءلة والضغط؛
أو أن ينضم إلى قائمة الفرص الضائعة، حيث تغادر الوفود بقوائم التوصيات، بينما تتراجع حياة السودانيين بصمت
الخلاصة الأعمق أن المشكلة في السودان لم تكن يومًا غياب الحلول فهي معروفة ومطروحة بل في غياب الإرادة لتنفيذها
وفي هذا الفراغ، تتحول معاناة البلاد إلى ما يشبه “صناعة مؤتمرات” مريحة للضمير الدولي، بينما يدفع السودانيون كلفتها اليومية
أمام برلين 2026 اختبار حقيقي هل يكون المؤتمر الذي يوقف النزيف… أم الذي يكتفي بإدارته؟
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم