بَيْنَ إعَادَةُ تَمَوْضُعِ الجَيْشِ وَتَعَدُدُ الفَاعِلِيْن: سَينَارْيُوهَاتُ مُسْتَقْبَلَ السُوْدَانِ
Between the Repositioning of the Army and the Multiplicity of Actors: Future Scenarios for Sudan
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
في لحظة مفصلية من تاريخ السودان المعاصر، لا يمكن قراءة التعديلات الأخيرة في قيادة الجيش بمعزل عن سؤال أكثر عمقاً: كيف ستتفاعل بقية الأطراف مع هذا التحول؟ فإعادة تموضع المؤسسة العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تصنع وحدها انتقالاً سياسياً، بل تدخل مباشرة في اختبار معقد مع الحركات المسلحة، والدعم السريع، والقوى المدنية، وكذلك التيار الإسلامي.
السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يريد الجيش؟ بل أصبح: كيف سيستجيب الفاعلون الآخرون لما يريده الجيش؟
الحركات المسلحة: بين الشراكة والقلق
الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا تجد نفسها في وضع دقيق. فهي، من جهة، جزء من التحالف الميداني الذي يقاتل إلى جانب الجيش، ولا تملك رفاهية كسر هذا التحالف في ظل استمرار الحرب. لكنها، من جهة أخرى، تدرك أن إعادة تمركز الجيش تعني، في أحد أوجهها، تقليص استقلاليتها السياسية والعسكرية.
لذلك، فإن سلوك هذه الحركات يتجه نحو صيغة مزدوجة: قبول تكتيكي وتحفظ استراتيجي. ستستمر في دعم الجيش ميدانياً، لكنها ستقاوم، بصمت، أي محاولة لإفراغ اتفاق جوبا من مضمونه أو تحويلها إلى مجرد وحدات تابعة داخل بنية عسكرية مركزية.
بعبارة أخرى: الحركات المسلحة ستسير مع الجيش … لكنها لن تذوب فيه.
الدعم السريع: من الميدان إلى السياسة
أما الدعم السريع، فسيقرأ التعديلات الأخيرة بوصفها محاولة لإعادة بناء جيش مركزي قوي قادر على فرض شروط التفاوض. وهذه القراءة ستدفعه، على الأرجح، إلى التحرك في اتجاهين متوازيين.
- الأول: تصعيد الخطاب السياسي، عبر تقديم نفسه كقوة تقاوم عودة ”الدولة القديمة“، مستفيداً من أي مؤشرات على ارتباط الجيش بحلفائه الإسلاميين.
- والثاني: تكثيف السعي نحو الاعتراف الدولي، باعتباره طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.
لكن الأهم أن الدعم السريع لن يقبل بسهولة أي صيغة تفاوضية تقوم على استسلامه، بل سيحاول فرض نفسه كشريك، لا كطرف مهزوم، في أي ترتيبات مستقبلية.
وهذا يعني أن إعادة تموضع الجيش لن تنهي معضلة الدعم السريع، بل ستعيد تشكيلها.
الإسلاميون: بين العودة الصامتة وإعادة الاحتواء
يبقى تفاعل التيار الإسلامي أحد أكثر العناصر تعقيداً في قراءة المشهد، لأنه لا يتحرك كفاعل رسمي معلن، بل كشبكة سياسية وتنظيمية متداخلة مع بعض التشكيلات الميدانية.
فمن جهة، يرى الإسلاميون في إعادة تموضع الجيش فرصة موضوعية للعودة التدريجية إلى المجال العام، مستفيدين من حاجة المؤسسة العسكرية إلى التعبئة البشرية والتنظيمية في لحظة الحرب. ومن جهة أخرى، تدرك القيادة العسكرية أن أي انفتاح غير منضبط على الإسلاميين سيكلفها الكثير دولياً، ويهدد قدرتها على تقديم نفسها كشريك مقبول في أي تسوية.
هذا التناقض يفرز سلوكاً مزدوجاً لدى الإسلاميين:
- دعم تعبوي وسياسي للجيش باعتباره الضامن لبقاء الدولة العميقة؛
- محاولة إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة تدريجياً دون إعلان صريح؛
- الاحتفاظ بشبكات تنظيمية مستقلة تحسباً لأي إقصاء جديد.
لكن هذه العلاقة تظل هشّة بطبيعتها. فإذا شعر الإسلاميون بأن إعادة التمركز العسكري تهدف إلى تحجيمهم، فقد يتحول دعمهم إلى دعم مشروط أو مقاومة صامتة. أما إذا نجح الجيش في ضبط هذه العلاقة، فقد تتحول إلى احتواء وظيفي يتيح الاستفادة من قدراتهم دون فقدان السيطرة.
القوى المدنية: الحلقة الأضعف والأكثر حسماً
تبقى القوى المدنية العامل الأكثر حسماً… والأكثر إشكالية في الوقت نفسه.
فبينما يعيد الجيش ترتيب نفسه، لا تزال القوى المدنية تعاني من انقسام حاد وغياب مركز قيادة موحد. ويمكن تمييز ثلاثة اتجاهات داخلها:
- تيار رافض لأي شراكة مع الجيش، يرى في التعديلات تكريساً للحكم العسكري؛
- تيار براغماتي، يعتقد أن التعامل مع الجيش أصبح ضرورة لوقف الحرب؛
- وحالة عامة من الفراغ الاستراتيجي، حيث لا توجد جبهة مدنية موحدة أو مشروع حكم متكامل.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: الجيش يقترب من الجاهزية للتفاوض… بينما المدنيون بعيدون عن الجاهزية للحكم.
أربعة سيناريوهات لمستقبل تفاعل الفاعلين المحليين
في ضوء هذا المشهد المركب، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية للفاعلين المحليين:
السيناريو الأفضل (الأقل احتمالاً حالياً)
- الجيش ينجح في ضبط حلفائه.
- الدعم السريع يدخل تفاوضاً واقعياً.
- المدنيون يوحدون صفوفهم.
النتيجة: انتقال مدني تدريجي ومستقر نسبياً.
السيناريو المرجح
- الجيش يعزز موقعه.
- الدعم السريع يفاوض من موقع قوة.
- المدنيون يظلون منقسمين.
النتيجة :تسوية هجينة (عسكرية–مدنية) لكنها هشة وقابلة للانتكاس.
السيناريو الأسوأ
- تصعيد من الدعم السريع.
- فشل احتواء الحركات المسلحة.
- عجز مدني كامل.
النتيجة: إطالة أمد الحرب وتآكل الدولة.
السيناريو الرابع: الاختراق الصامت
- الجيش يحتفظ بالسيطرة الشكلية.
- الإسلاميون يعيدون التغلغل داخل مؤسسات الدولة تدريجياً.
- الدعم السريع يستمر كخصم ميداني.
- القوى المدنية تبقى ضعيفة.
النتيجة: دولة مستقرة أمنياً نسبياً، لكنها تعيد إنتاج توازنات ما قبل الثورة بصورة غير معلنة.
الاختبار الحقيقي: الشريك المدني وضبط التوازنات
في نهاية المطاف، لا يتوقف نجاح إعادة تموضع الجيش على قدرته في ضبط الحركات المسلحة أو احتواء الإسلاميين فحسب، بل على قدرته، أو عجزه، في خلق شريك مدني قادر على استلام الدولة، وفي الوقت نفسه منع أي اختراق داخلي يعيد إنتاج منظومات الهيمنة القديمة.
فلا يمكن لأي جيش أن يحكم بلداً مثل السودان إلى ما لا نهاية دون غطاء مدني ذي مصداقية. إن الدفع نحو استنساخ نموذج المؤسسة العسكرية المصرية في السودان يتجاهل اختلافاً بنيوياً عميقاً بين السياقين. فمصر تمتلك دولة مركزية تاريخية متماسكة، وجيشاً يمثل عمودها الفقري منذ عقود، إضافة إلى بيروقراطية راسخة وقدرة على فرض السيطرة على المجال الجغرافي والسكاني. في المقابل، يواجه السودان واقعاً مختلفاً تماماً: دولة متعددة الهويات، ومجال جغرافي مفتوح، وتاريخاً طويلاً من التعدد المسلح وتآكل المركز. ولم تُنتج هذه الاختلافات البنيوية فقط تحديات أمنية، بل أفرزت أيضاً مستوى أعلى من الوعي والممارسة السياسية لدى المجتمع السوداني، تجلّى في قدرته على تفجير ثلاث ثورات شعبية شاملة ضد الحكم العسكري في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018.
في مثل هذا السياق، لا يكفي احتكار القوة العسكرية لضمان الاستقرار، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة. لذلك، فإن محاولة نقل نموذج يقوم على سيطرة عسكرية مركزية دون غطاء مدني ذي مصداقية لا تعني تثبيت الدولة، بل قد تسرّع من تفككها. فبينما قد ينجح النموذج المصري، بشروطه الخاصة، في إدارة مجتمع شديد المركزية، فإن السودان يتطلب معادلة مختلفة، قوامها تنسيق مدني–عسكري انتقالي (ليس شراكة) يعيد بناء الشرعية من الأسفل إلى الأعلى، لا فرضها من أعلى إلى أسفل.
السيناريو الخامس: تفعيل شروط الرباعية – الانتقال تحت سقف ”الفيتو المعكوس“
إلى جانب هذه السيناريوهات الداخلية، يبرز سيناريو خامس يتشكل في تفاعل المجتمع الدولي مع إعادة تموضع الجيش. حيث لا يمكن قراءة إعادة تموضع الجيش السوداني بمعزل عن رد فعل المجتمع الدولي، خاصة ”دول الرباعية“، التي بلورت خلال الفترة الأخيرة موقفاً أكثر صرامة يقوم على مبدأين أساسيين:
- عدم القبول باستمرار أي من طرفي الحرب في ترتيبات الحكم النهائي؛
- عدم القبول بأي دور سياسي للإسلاميين، في ظل تصنيفهم ضمن شبكات متطرفة وخضوعهم لعقوبات أمريكية.
في هذا السياق، قد يتجه المجتمع الدولي نحو ما يمكن وصفه بـ ”إعادة ضبط مشروطة للمسار الانتقالي“، تقوم على معادلة دقيقة: القبول بدور عسكري مرحلي محدود، مقابل ضمانات واضحة بخروج العسكريين والإسلاميين من السلطة السياسية قبل المرحلة الانتقالية.
ضمن هذا السيناريو، لا يُنظر إلى إعادة تموضع الجيش بوصفها نهاية الأزمة، بل كـ مرحلة انتقالية ضرورية لإعادة ترتيب موازين القوة تمهيداً لإعادة هندسة المشهد السياسي.
آليات هذا السيناريو قد تشمل:
- الاعتراف الضمني بالجيش كشريك أمني مؤقت، دون منحه شرعية سياسية كاملة؛
- الضغط لتفكيك أي ارتباط تنظيمي أو سياسي بين الجيش والإسلاميين؛
- الدفع نحو إنشاء ترتيبات انتقالية مدنية مدعومة بضمانات دولية؛
- ربط أي دعم اقتصادي أو إنساني بالتقدم في مسار الانتقال المدني؛
- الإبقاء على أدوات العقوبات كوسيلة ضغط لضبط سلوك الفاعلين.
”الفيتو المعكوس“: مفهوم حاكم
يمكن توصيف هذا التوجه بما يشبه ”الفيتو المعكوس “: ليس فرض فاعلين بعينهم، بل منع فاعلين محددين (العسكر الدائمون، الإسلاميون) من احتكار المرحلة القادمة. وبذلك، يتحول دور الرباعية من صانع تسوية إلى حارس لشروطها.
التحدي المركزي
غير أن هذا السيناريو يواجه معضلة بنيوية:
- فمن جهة، لا يمكن تحقيق الاستقرار دون إشراك القوة العسكرية الفعلية؛
- ومن جهة أخرى، لا يمكن تحقيق انتقال مدني حقيقي مع بقاء هذه القوة في موقع الهيمنة.
وهذا ما يفرض صيغة وسطى شديدة الهشاشة: عسكر بلا سلطة سياسية دائمة، ومدنيون بلا أدوات قسرية مستقلة.
مآلات محتملة
نجاح هذا السيناريو يعتمد على عاملين حاسمين:
- قدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على جبهة موحدة وعدم الانزلاق إلى مقاربات متنافسة؛
- قدرة القوى المدنية السودانية على ملء الفراغ السياسي وتقديم بديل واقعي قابل للتنفيذ.
أما فشله، فقد يفتح الباب أمام أحد مسارين:
- إما عودة العسكر بصيغة أكثر صلابة تحت ضغط الفوضى؛
- أو تفكك أوسع يعيد إنتاج تعددية مراكز القوة المسلحة.
الخلاصة: معركة ما بعد الحرب بدأت بالفعل
إذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الدولة السودانية، فإن ما بعدها سيكشف هشاشة الفاعلين أنفسهم.
فالجيش يعيد ترتيب نفسه.
والدعم السريع يعيد تموضعه.
والحركات المسلحة تحمي مواقعها.
والإسلاميون يتحركون في الظل.
لكن يبقى السؤال الحاسم: هل يستطيع المدنيون تنظيم أنفسهم قبل أن تُفرض عليهم تسوية، أو واقع، لا يملكون شروطه؟
ذلك، في النهاية، هو السؤال الذي سيحدد ليس فقط شكل الانتقال … بل شكل السودان القادم.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم