استغلال الرمزية!!

الجريدة هذا الصباح..
البرهان حاول أن يضغط على “الجرح المفتوح”، فالاعتصام أمام القيادة العامة ليس مجرد لحظة “بارزة” كما وصفها، بل هو مكان ارتبط بدماء الشهداء الذين قُتلوا أمام بوابة القيادة. والإشارة إليه دون الاعتراف بالمسؤولية عن تلك الأحداث تُعد استفزازًا مباشرًا للذاكرة الجمعية للثوار.
أطياف
صباح محمد الحسن
استغلال الرمزية!!
طيف أول:
عسى في نهاية الصبر أماني تصافح كفوف الوطن،
واستجابة تهبط عموديًّا على دعواته المؤجَّلة!!
واختار قائد الجيش عبد الفتاح البرهان محيط القيادة العامة بالخرطوم ليلقي كلمته بمناسبة ذكرى 6 أبريل، وتحدث الجنرال عن دور القوات المسلحة في الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية.
وقال البرهان إن الجيش وقف إلى جانب المحتجين في أبريل 1985 و2019، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية دعمت ما وصفه بالإرادة الشعبية في تلك الفترات.
وأضاف أن مشاركة المواطنين في الاعتصام أمام القيادة العامة عام 2019 شكّلت، بحسب تعبيره، لحظة بارزة في العلاقة بين الجيش والجمهور.
ويحاول الجنرال إعادة كتابة التاريخ عندما قال إن الجيش وقف إلى جانب المحتجين في 1985 و2019، إذ بدا وكأنه يضع المؤسسة العسكرية في موقع “حامي الإرادة الشعبية”، بينما ذاكرة الثورة مرتبطة بمجازر فض الاعتصام في يونيو 2019، والتي ارتبطت مباشرة بالقيادة العامة نفسها.
هذا التناقض يؤكد أن حديث البرهان محاولة لطمس الحقائق المؤلمة واستغلال الرمزية، فذكرى 6 أبريل مرتبطة بالانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة العسكرية.
وحين يتحدث قائد الجيش عن هذه المناسبة من داخل محيط القيادة العامة، فإن الجنرال يحاول الاستحواذ على الثورة لصالح المؤسسة العسكرية، بدل أن تكون رمزًا خالصًا للمدنيين. وهذا يعني أنه لم يكتف بالتعدي على الثورة والثوار، بل حاول أن يسرق جهدهم النضالي، وهي “قوة عين” غريبة.
والعلاقة بين الجيش الحقيقية هي أن الجيش لم يحم الثوار ولم يلتزم بوعوده في 2019، بل انقلب على الثورة وعلى الشراكة المدنية. لذلك فإن أي حديث عن “دعم الإرادة الشعبية” يُعد إنكارًا لكل الجرائم التي ارتكبها الجيش بحق الثوار، سواء كانت مجزرة الاعتصام أو مسار الانقلاب وما تبعه من قمع وقتل للشباب الذين خرجوا احتجاجًا عليه.
والبرهان حاول أن يضغط على “الجرح المفتوح”، فالاعتصام أمام القيادة العامة في 2019 ليس مجرد لحظة “بارزة” كما وصفها، بل هو مكان ارتبط بدماء الشهداء الذين قُتلوا أمام بوابة القيادة. والإشارة إليه دون الاعتراف بالمسؤولية عن تلك الأحداث تُعد استفزازًا مباشرًا للذاكرة الجمعية للثوار.
فالخطاب بدا وكأنه محاولة لإعادة تلميع صورة الجيش في لحظة تاريخية حساسة، بينما مشاعر المواطن تجاهها مشبعة بالخذلان والدماء.
ومحاولة البرهان لتزييف الحقائق ليست مجرد اختيار كلمات، بل هي جزء من إستراتيجية سياسية لها أهداف واضحة. فالجنرال، بالرغم من حلمه المترنح الذي يحاول عبره إعادة شرعنة المؤسسة العسكرية عبر تصوير الجيش كحليف دائم للشعب، يسعى إلى ترميم صورته بالرغم من أن تاريخه مع 19 ديسمبر ليس إلا صفحة تحمل أحداثًا دامية.
ووقف يتحدث عن الثورة وكأن تلك الجرائم لم تحدث أو أنها مجرد تفاصيل ثانوية، أو كأنه أصبح قائدًا للجيش بعدها.
وهو يحاول بهذه الكلمات التحكم في السرد التاريخي، إذ إن من يملك رواية التاريخ يملك الشرعية. لذلك، إعادة صياغة دور الجيش في 1985 و2019 على أنه “داعم الإرادة الشعبية” هي محاولة لاحتكار ذاكرة الشعب وتوجيهها بما يخدم استمرار السلطة العسكرية. كما يقصد البرهان إضعاف خطاب الثورة المدنية وإقناع المواطنين بأن الجيش كان دائمًا في صفهم، ليضعف الحجة والمنطق الذي يقول إن المؤسسة العسكرية هي العقبة أمام التحول الديمقراطي.
وبهذا الخطاب أيضًا يبحث الجنرال عن ثوب يغطي به سوءة الانقلاب بعد أن أطاح بالشراكة المدنية في 2021. فمحاولة تبريره وتقديم الجيش كفاعل “وطني” لا كمنقلب على الديمقراطية هي محاولة مضحكة.
والتزييف هنا أداة لتبرير الحاضر عبر إعادة كتابة الماضي.
لذلك فإن الهدف من هذا الخطاب هو إدارة الذاكرة الجمعية، فذكرى 6 أبريل مرتبطة بالانتفاضات ضد الأنظمة العسكرية. حين يتحدث عنها قائد الجيش من داخل القيادة العامة، فهو يحاول تحويل رمز المقاومة إلى رمز “التوافق”، وهذه إهانة لدماء الشهداء.
إن هذا التزييف الذي يقوم به البرهان ليس مجرد خطأ في السرد، بل هو تكتيك سياسي لإعادة إنتاج شرعية مفقودة. حتى اللغة المستخدمة في الخطاب هي لغة رسمية، تركز على “الوطن” و”المسؤولية التاريخية”، لكنها تهرب بعيدًا وتتجنب الاعتراف بالانتهاكات أو الأخطاء.
فهذا الخطاب لا يصوّر البرهان الذي يحاول إعادة بناء صورة الجيش كحامي الدولة والديمقراطيات ، وتبرير استمرار دوره في السلطة عبر الاستحواذ على رمزية الثورة، لايصوره إلا كشخص “موهوم”.
طيف أخير:

لا_للحرب

الحشد الذي تنظمه فلول النظام البائد في برلين، والممول من مال الغلابة أنفسهم الذين يُعقد المؤتمر لمساعدتهم، هو محاولة بائسة لهزيمة هذه المؤتمرات الإنسانية. ويبدو أن هناك جهات منظمة أصبحت تستثمر في هذا العمل، فمؤتمر باريس تم الحشد له بتكلفة عالية ولم يلتفت المؤتمرون لصراخهم، وهذا ما سيحدث في برلين

عن صباح محمد الحسن

صباح محمد الحسن

شاهد أيضاً

رغبة الشعب!!

الجريدة هذا الصباح..قال مالك عقار إن مؤتمر برلين يأتي دون رغبة الشعب وتطلعاته، وهو يقصد …