عادل بابكر: حين تعبر القصيدة حدود اللغة ولا تفقد روحها

عبدالله الهاشمي بشرى يوسف

في مشهدٍ أدبيٍّ معقّد كالشعر السوداني، تظل الترجمة مغامرة عالية المخاطر؛ فالمترجم لا ينقل كلماتٍ فحسب، بل يعبر بثقافةٍ كاملة، وإيقاعٍ خفي، وصورٍ تتجاوز اللغة ذاتها. هنا يبرز اسم عادل بابكر بوصفه أحد أهم الجسور التي حملت الشعر والسرد السوداني إلى القارئ الإنجليزي دون أن تُفرِّغ النص من روحه.

تعرفتُ على بابكر من خلال البروفيسور الحاج سالم، الأكاديمي والمؤرخ والمترجم السوداني المعروف، أثناء مراجعته لترجمتي رواية “48” الملحمية للنطاسي البارع محمد المصطفى موسى. ومنذ ذلك الحين، بدا واضحًا أن تجربة بابكر ليست مجرد ممارسة لغوية، بل مشروع ثقافي واعٍ ومتكامل ممتد من الرواية الى الشعر.

أصدر الأستاذ عادل بابكر كتابه Modern Sudanese Poetry – An Antholog ، مقدّمًا بانوراما للشعر السوداني الحديث، كما ترجم أعمالًا روائية بارزة. لكن ما يلفت النظر حقًا هو جرأته في ترجمة الشعر، رغم ما يحمله من تعقيد موسيقي ودلالي.

وكنتُ قد خضتُ تجربة ترجمة الشعر كهواية قبل سنوات، متحفظًا على نشر معظم ترجماتي لشعراء مثل شارل بودلير وجون كيتس ودانا جيويا، حتى نشرتُ للأخير قصيدتين في مجلة القافلة السعودية قبل عدة سنوات. وقد زادتني تجربة بابكر يقينًا بأن ترجمة الشعر ليست نقلًا، بل إعادة خلق.

الترجمة كإعادة خلق

يرى بابكر أن أقصى ما يمكن أن يبلغه المترجم هو إنتاج “نص موازٍ” يُحدث أثرًا قريبًا من الأصل، لا مطابقًا له. هذه الفلسفة تظهر بوضوح في اختياراته وترجماته.

نماذج مختارة

إدريس جماع – الأصل:

حاسر الرأس عند كل جمال
مستشفٌّ من كل شيء جمالًا

“Standing in awe before every trace of beauty,
and in everything he discerns a hidden grace.”

هنا لا يكتفي بنقل المعنى، بل يعيد تشكيل الصورة بما يناسب الحسّ الإنجليزي، دون فقدان الشفافية الصوفية للنص.

النور عثمان أبكر –

لم أهجر يومًا دار أبي
لأهيم بكهف في الصحراء

“I never left my father’s home,
to live in a desert cave.”

تحافظ الترجمة على البساطة الظاهرية، لكنها تنقل بمهارة التوتر بين الانتماء والتيه، وهو جوهر تجربة “الغابة والصحراء”.

نجلاء التوم –

لا أراك في سلالتي،
لم تكن سوى نقشٍ معتدٍّ بذهابه

“Your face has no trace in my lineage,
You recoil upon your own truth.”

نلمس هنا حساسية عالية في نقل صوت أنثوي معاصر، دون تسطيح أو مبالغة.

المسادير: التحدي الأكبر

من أكثر ما يُحسب لبابكر اهتمامه بترجمة التراث الشعبي، خاصة مسادير الحاردلو. هذا اللون الشعري المرتبط بالبيئة البدوية، والمشحون بالإيقاع الشفاهي والصور المحلية، يُعد من أعسر ما يمكن نقله. ومع ذلك، سعى بابكر إلى تفكيك هذا التعقيد وإعادة تركيبه بلغة أخرى، محافظًا على نبرة الحنين والحكمة الشعبية.

بدأت علاقتي بشعر المسادير أيام المدرسة، حين وقعت يدي على دراسة البرفيسور سيد حامد حريز «فن المسدار»، فمكثتُ زمنًا أفكك طلاسم مفرداته وصوره الشعرية الماتعة. فرغم أنني قد تربيت في المدن، إلا أن المسادير كانت بالنسبة لي لغة مشحونة بسحر البوادي.

ختاما، ان عادل بابكر ليس مجرد مترجم، بل “مُعيد كتابة” للنصوص في سياق ثقافي جديد. انحيازه – كما يصرّح – ليس للشاعر بل للقصيدة، وهو ما يفسر قدرته على اختيار نصوص تتجاوز حدود الأيديولوجيا وتلامس إنسانية القارئ أينما كان.

في زمن تتسارع فيه الترجمة الآلية، تذكّرنا تجربة بابكر أن الترجمة الأدبية تظل فعلًا إبداعيًا خالصًا، يتطلب ذائقة، وجرأة، وأمانة لا تقل عن أمانة الكاتب نفسه.

elhashmi2004@yahoo.com

عن عبدالله الهاشمي يوسف

عبدالله الهاشمي يوسف