ما بشبهونا

دكتور محمد عبدالله
في مثل هذه التجمعات، حيث تختلط حرارة اللحظة بثقل الأسئلة، لا تحتاج الكلمات إلى كثير جهد لتكشف ما وراءها. هناك، خرجت العبارة كأنها عادية، لكنها لم تكن كذلك.
في خضمّ الجدل الذي أثاره خطاب أحد المتحدثين في تجمعات الأهالي بمنطقة دلقو المحس، برزت عبارة قصيرة، لكنها ثقيلة الدلالة: «ما بشبهونا». عبارة قد تبدو، للوهلة الأولى، عابرة، أو حتى توصيفاً بريئاً للاختلاف، لكنها في واقع الأمر تحمل من الإيحاءات ما يتجاوز بساطتها اللفظية، لتلامس منطقة شديدة الحساسية في الوجدان الجمعي السوداني.

وبعيداً عن تفاصيل القضية نفسها، وما صاحبها من شدّ وجذب، واختلاط في الروايات والمواقف، فإن الوقوف عند هذه العبارة تحديداً يكشف عن ظاهرة لغوية وثقافية آخذة في التكرار، بل وفي الترسّخ أحياناً، داخل الخطاب العام. والمقلق في الأمر ليس مجرد استخدامها، بل ما هو أكثر إثارة للانتباه: اندفاع البعض إلى الدفاع عنها، وتبريرها، بل وتطبيعها، تحت لافتة «الاختلاف الطبيعي» بين الناس.

لا شك أن الاختلاف حقيقة إنسانية لا يمكن إنكارها. نحن مختلفون في العادات والتقاليد واللهجات، بل وفي الأصول والأديان. وهذا التنوع ليس عيباً، بل هو في جوهره مصدر غنى، متى ما أُحسن التعامل معه. لكن الإشكال لا يكمن في الاعتراف بالاختلاف، بل في الطريقة التي يُستدعى بها هذا الاختلاف، وفي السياق الذي يُقال فيه.

فاللغة، في نهاية المطاف، ليست مجرد أدوات للتعبير، بل هي حاملة للمعاني، ومرآة للنيات، ومؤشر على المواقف الكامنة. وعبارة مثل «ما بشبهونا» قد تُقال في سياق احتفاء بالتنوع، أو توصيف محايد للفروقات، لكنها حين تُستخدم في مقام الإقصاء، أو في لحظة توتر اجتماعي، أو في مواجهة فئة ضعيفة أو نازحة، فإنها تفقد حيادها، وتتحول إلى أداة تمييز، بل إلى خطاب إقصائي واضح، مهما حاول البعض تجميله.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في الكلمة ذاتها، بل في ما تفتحه من أبواب. فالتاريخ، القريب والبعيد، يخبرنا أن مثل هذه العبارات، حين تُترك من دون مساءلة، تتحول تدريجياً إلى مسلّمات، ثم إلى ممارسات، وربما إلى سياسات. وهنا ينتقل الأمر من مجرد زلّة لسان، إلى بنية فكرية تُنتج التمييز وتعيد إنتاجه.

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن «ضبط اللغة» ليس ترفاً فكرياً، ولا دعوة إلى رقابة متشددة، بل ضرورة مجتمعية وأخلاقية. فالمجتمعات التي تسعى إلى التماسك والاستقرار، لا تترك لغتها سائبة، بل تعمل على تهذيبها وتقويمها بما ينسجم مع قيمها المعلنة.

وهنا يبرز دور القانون، ليس بوصفه أداة قمع، بل كإطار ضابط يحدد الخط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. فكما تُجرِّم القوانين في كثير من الدول العبارات التي تحض على العنصرية أو التمييز، فإن الحاجة ماسة إلى إدراج مفاهيم مماثلة في السياق السوداني، بما يتناسب مع خصوصيته، ويمنع انزلاق الخطاب العام نحو مزيد من التشرذم.

ولا يقلّ دور المناهج التعليمية أهمية عن دور القانون. فالمدرسة ليست فقط مكاناً لتلقين المعارف، بل فضاء لتشكيل الوعي. وإذا لم يتعلم الطفل منذ الصغر أن الاختلاف لا يعني التفاضل، وأن التنوع لا يبرر الإقصاء، فإننا نكون قد تركناه فريسة لخطابات جاهزة، قد تتلبّس اللغة اليومية من دون أن تثير انتباهه.

أما الإعلام، فهو الساحة الأكثر تأثيراً، والأسرع انتشاراً. فالكلمة التي تُقال في منبر عام، أو تُبث عبر شاشة، لا تبقى في حدودها، بل تتردد في البيوت، وتُعاد صياغتها في المجالس، وقد تتحول إلى رأي عام. لذلك، فإن مسؤولية وسائل الإعلام لا تقتصر على نقل الحدث، بل تشمل أيضاً تنقية الخطاب، وتقديم نماذج لغوية تعكس روح التعايش، لا نزعات الإقصاء.

إن معركة اللغة، في جوهرها، هي معركة وعي. فليست كل عبارة تُقال يُقصد بها الإساءة، لكن ليس كل ما لا يُقصد به الإساءة يُعفى من المساءلة. فالكلمات، حين تخرج إلى الفضاء العام، تصبح جزءاً من نسيج جماعي، يتأثر بها ويتشكل على ضوئها.

ربما نكون مختلفين، نعم. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نشبه بعضنا؟ بل: كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ هل نجعله جسراً للتعارف، أم جداراً للفصل؟

بين «نشبه» و«لا نشبه»، مساحة واسعة يمكن أن تُبنى فيها أوطان، أو تُهدم فيها أخرى. والفيصل في ذلك، كلمة.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

السودان : قراءة للأسابيع ال 155 من الحرب

دكتور محمد عبداللهقبل أيام، وبينما كنت أتصفح الأخبار قبل النوم، توقفت عند صورة من الفاشر. …