زرياب عوض الكريم
إنشقاق الجنرال النور أحمد آدم (إبن دامرة القُبة , ريفي كُتم عاصمة مملكة التُنجر النوبية في دارفور والكايتنقا) ، أحد أهم ثلاثة مُؤسسين لحرس الحدود ، إنضوى لاحقاً تحت خيمة مُؤسسة الدعم السريع وعائلته السياسية (آل دقلو) ، ومن أبرز الأسماء التاريخية ضمن أنتجلنتسيا عشيرة المحاميد العسكرية ، المُساهمين في نزاع حرب شمال دارفور , مع إثنية الزغاوة منذ 2006.
إنشقاقه في تاريخ (10.4.2026) ، هو ضرورة بنيوية ، دائماً ما كانت تُمليها سسيولوجيا الصراع ، في كل الثورات داخل الهامش الجغرافي وخارجه ، والحُروب السياسية , كما مشاريع السُلطة المُنطلقة من مُختبره الإجتماعي.
ضرورة بنيوية في إيقاف النزيف التنظيمي ، الذي أهدر فرصة تاريخية لا تتكرر بسهولة ، في تحويل بنية (ميليشيا عائلية) ، من خلال الإنفتاح الجاد وغير الشكلي على المُجتمعات الأخرى.
تلك الميليشيا العائلية ، التي كانت عاجزة في بنيتها الأولية عن الفصل التنظيمي بين السياسي والعسكري ، بدأت أساساً بتقديم نفسها (خارجياً) كوكيل محلي للسُلطة المركزية في الخرطوم ، قادرة على الإتصال السياسي بالمركز وترجمة إحتياجات مُجتمعها القبلي ضمن سياسة مُكافحة التمرد في حرب 2003.
ذلك قبل أن تتحول لاحقاً .. بمُساعدة نُخبة الجلابة (البرجوازية الشمالية) ، إلى (وصى) إقطاعي على الريف.
و(داخلياً) كميليشيا مُجتمعية مُهمتها توفير الحماية الذاتية ووظيفة (الدفاع الشعبي) أو (الأمن المجتمعي) ، لمُجتمعات العرب الرُحل في شمال دارفور ، من هجمات الإثنيات المُعادية والمُنافسة لهم المُرتبطة في إرهاصات ثورة دارفور 2003.
15 إبريل 2023 ، كانت فرصة تحول مَهدورة ، لمليشيا مُجتمعية ذات وظيفة (الحماية الذاتية) تحكمها بنية عائلية إقطاعية ، إلى جيش نظامي ثوري ، مثله مثل الجيش الشعبي الصيني أو الجزائري أو النموذج الوطني عن الجيش الشعبي لتحرير السودان (من كوانين كاربينو ووليم نون باني إلى جون قرنق).
جيش نظامي ثوري بقيادة برجوازية جماعية ، يُعبر عن تطلعات ومطالب مجتمعات قوميات البقارة وأقلية الأبالة المُقاتلة في الجيش مابعد الإستعماري السوداني منذ تأسيسه عام (1925) ، مطالبهم التاريخية في التنمية والحكم الذاتي الإقليمي أو الفيدرالية والإنصاف الإجتماعي ، لهم ولسواهم.
قبل أن تتمسك العائلة السياسية المالكة للمليشيا المذكورة ، بالمُحافظة على بنية القوة شبه العسكرية وبنية الإعاقة الإجتماعية national disability.
كشركة مُقاولات أمنية مُتعددة الولاءات (من مشروع سلطة البشير إلى مشروع سلطة اليسار الشمالي تحالف قحت) ، بعيدة عن التمثيل الإجتماعي بشكل هيكلي في مركز القيادة Commander ، مُستثمرة في بنية (مُرتزقة الريف) و البداوة أو الرعوية النفطية petro-nomadism.
- بارنويا آل دقلو : نظرية جنون العظمة وكُلفة النقد الداخلي
توصيف (مليشيا) السياسي هذا ، كلف الزعيم القبلي المُؤسس لظاهرة (قوة الدعم السريع) ، مُواجهة بارنويا (جنون العظمة المقابل في حرب 15 إبريل) آل دقلو المُتشكل.
كلفه حياته شخصياً وهو الناجي من المقتلة. كما هَتك حُرمات العشيرة.
و سلب حياة إثنين من أبناءه قتلا بالتصفية الجسدية إعداماً ميدانياً وغُبناً سياسياً. إلى جانب المئات من أتباعه بينهم عمدة بلدة (مُستريحة) في (مذبحة تأسيسية) ، أرادها محمد حمدان دقلو أن تكون إقتلاعاً جديداً ، واقعة (متمة) أخرى و أثراً تاريخياً لإعلان ترسيم سلطته الجديدة في الهامش (dejure).
بما يلجئ الزعيم القبلي موسى هلال عبدالله الذي ينافسه تاريخياً وإجتماعياً ، على الهرب من معقله ، كما هرب (الملك نمر) 1821.
جنون آل دقلو (المقابل) لجنون نخبة الجلابة العسكرية في الحرب ، يقف وراءه الصناعة السياسية للزعامة الجماهيرية أو الشعبوية لليسار الشمالي (قحت).
مُلوك الطوائف (الطُرداء) ، الذين تعودوا على صناعة (الطُغاة المُضادين) من نميري (1969) إلى قرنق (1985) إلى حميدتي (2021) ، لمُواجهة بأس خصومهم الذين نزعوا منهم السُلطة الموناركية – الإرثية في الخرطوم (إنقلاب 21 أكتوبر).
الجنون السياسي للعائلة السياسية المذكورة ، لن يتوقف عُنفه التأسيسي ، عند مذبحة مُستريحة الثانية فقط ، لكن تتوارد المؤشرات كلها إلى إندفاعه في مسار (أمننة) securitization ، يمضي نحو حملات دفتردارية – إنتقامية جديدة من التضييق الأمني والثأر السياسي (ثأر مُستريحة) ، ضد عشيرة المحاميد.
وضد أي ثورة إجتماعية أو إنشقاق إثني من الدعم السريع الذي باتت عضويته (قسرية) ، أو نمط العُبودية الملزمة ، في فروض الطاعة المُستوهمة والولاءات الزبونية المتخيلة ، التصورات التي روج لها بعض زعمات إثنيات البقارة (الفاسدين) منذ زمن الستينيات بالمناسبة. في علاقتهم المُختلة وغير التعاقدية ، مع محمد حمدان دقلو.
- التحدي الإستشراقي لمستشاري آل دقلو : تثبيت الصورة النمطية عن نمط العُبودية المُلزمة وأنماط التمثيل الإجتماعي في الريف السوداني
لزُعماء مُجتمعات البقارة (الفاسدين) ، في حزام أراضي ممالك الداجو الغربية السابقة ، من المسيرية في الفولة والمُجلد حتى الرزيقات الجنوبية (الضعين) مضياً و الفولان (تُلس) في جنوب دارفور ، تاريخٌ من – الزبونية الفاسدة – والمتبدلة.
أهم تلك الحقبة من الزبونية المُتحركة أو الفاسدة ، كانت في الستينيات مع آل المهدي (الأحفاد).
لكن سبقها بكثير ، تاريخ من الولاء السياسي الزبوني مع الحقبة التركية نفسها (1865-1876) ، ثم مع المهدية المُنتصرة (1885) ، والبريطانيين (1898).
يخشى الكثير من مُثقفيهم داخل كتابهم الأسود (حريق السافنا – حامد البشير) ، وخارجه (المُستوطنة الأخيرة) ، يخشون نقده علناً والتأسيس على ذلك النقد المُتوقع ، في إنتاج نظرية حُكم يمكن الإعتداد بها. ولا يملكون الجسارة الكافية لذلك.
الولاءات الزبونية لزُعماء البقارة ، لم تكن يوماً مُحتكراً لعائلة المهدي الأحفاد أو المهدية المُنتصرة أو البريطانيين.
لم تكن ثابتة أو عقائدية كما يظن الرائي ، عكس الولاءات الأخرى في السُودان ولم يكن رهيناً أيضاً للمطامع الإجتماعية البحتة ، وهذا مالم يتسع لخيال المُستشرق المحلي في الشمال النيلي وفي جامعة الخرطوم ، وفي ذلك الإسلاميين واليساريين الشماليين من جناح عطبرة ، فهمه.
(من عبدالله على إبراهيم إلى عبدالباسط سبدرات).
النظرية التي لم يجربها المُستشرق المحلي الشمالي ، الذي يفكر لحميدتي أيضاً الآن ، في أنثربولوجيته ، هي – مركزية الثأر – ونفى الإذلال الإجتماعي political vengeance ، في عقلية مُجتمعات البقارة أساساً ومُجتمعات سَلطنة دارفور عُموماً ، التي يجمعها (رسم ثقافي) واحد بالمناسبة.
أَهـ. نظرية (الرواسم الثقافية).
لا يمكن نفى أو تهميش أو عزل مركزية الثأر السياسي ، في المواقف الإجتماعية من حرب 15 إبريل.
(الرئيسية من مُعاملة نظام الإنقاذ لزعماء الرزيقات والبنى هلبة تحديداً ، والأساسية لمواقف إثنيات دارفور من حرب 2003 وإتفاق أبوجا غير الشامل وذي الطبيعة الإنتزاعية).
إنما..
من المُهم وصف العلاقات غير التعاقُدية ، بين زعماء البقارة الفاسدين ، ونُخب الخرطوم الإرثية وعائلاتهم السياسية بمن فيهم آل المهدي (الأحفاد) ، كما هي ، في تكرار نفس التجربة مع عائلة آل دقلو.
تاريخياً في الستينيات ، سَمح زُعماء البقارة الفاسدين ، الذين لا يمكن رمي اللوم ، في علاقاتهم غير التعاقُدية غير المُتكافئة ، مع النُخب الإرثية في الخرطوم والسودان الشمالي ، على عامل غياب التعليم.
سمحوا لتلك العائلات الإرثية الخُلاسية ، القادمة من ما وراء الشرق الأوسط و للعائلات الشمالية معاً ، بالإستغلال والإستثمار في موارِد مناطق حزام البقارة أو جنوب دارفور ، لقاء مصالحهم الشخصية ومصالح عائلاتهم والإنفاق على نفوذهم الشخصي فقط ، دون مُقابل تنموي (حقيقي).
عليه..
فإن التحدي الحقيقي ، هو تغيير نمط التمثيل الإجتماعي ، من نمط (العُبودية المُلزمة) لمواقف أعيانتاريا الريف (النخبة السياسية الزبونية لما قبل الدولة) ، ونُخبه المحلية الفاسدة power elites , التي تدور في فلك السلطة والسُلطة المُضادة المُنافسة.
وتفتقر إلى الموارد الذاتية political resources , ولا يُمكنها إنتاج تحول سياسي ثوري أو إصلاحي من أي نوع.
نحو إعتماد مفهوم القوميات الإثنية كأداة سياسية ، والأقاليم الإثنية أو الفدرالية الإقليمية متعددة القوميات كأداة للتمثيل الإجتماعي (من يوغسلافيا إلى إثيوبيا).
الأحزاب السياسية هي أداة لتنظيم الآراء السياسية داخل البرجوازية الإثنية نفسها ، وليس أداة لتمثيل المُجتمعات بالضرورة ، كما هي في النموذج الزبوني الحزبي الذي جلبه البريطانيون في الأربعينيات ونهاية الثلاثينات.
النموذج الذي تحولت فيه الأحزاب النخبوية داخل الخرطوم ، إلى كارتيلات مصالح عائلية أو صناعية الخ أو مافيات عنفية أيدلوجية للعنف السياسي. لا مكان فيها للحركات الإجتماعية.
لا يمكن أن تتطور مُجتمعات قوميات البقارة مثلها مثل أي قومية ثقافية أو إثنية أخرى في دارفور ، بدون تجاوز نمط الإدارة الأهلية والحكم التقليدي إلى النظرية البرجوازية الحديثة.
أن تُحقق أي تنمية سياسية ، بدون تغيير نمط تمثيلها الإجتماعي نفسه. وإيجاد أقاليم إثنية وفدرالية إثنية صريحة ومتعددة القوميات (أُطروحة فدرلة الهامش وتمدين المركز (الفصل التام بين السياسي والعسكري) ، فدرلة إقليم دارفور إلى مجموعة من الأقاليم الإثنوثقافية).
- النور القبة المُنشق : تحدي إنتزاع الإعتراف بالتمثيل السياسي للجنود المُنشقين في 15 أبريل
الإنشقاق هو أحد أهم الأدوات والنماذج البنيوية للتصحيح السياسي في التاريخ ، ولتجريد الإستبداديات الناشئة ، من موردها السياسي (الولاء غير المقيد).
لكن نجاح إنشقاق الجنرال النور القُبة ، رهين بقُدرته على إستثمار لحظة الضعف السياسي للأطراف المُتحاربة. ونيل ثقة المقاتلين في الميدان تدريجياً من خلال مُساعدة سياسية ، أو إبداء مهارة سياسية.
لحظة الضعف المتوازنة ، التي يرفض فيها المركز السياسي للنخبة العسكرية النيلية في الخرطوم أو بورتسودان ، مُجرد الإعتراف بمطالب مقاتلي إثنيات البقارة والأبالة التاريخية ، داخل مُؤسسة الجيش السوداني الشمالي نفسه ، والإعتراف السياسي بإثنيات البقارة وأقلية كقومية وإثنية سياسية مستقلة في حد ذاته.
بما فيه الإعتراف بالأخطاء السياسية للدولة المركزية ، التي أدت إلي ولادة عوامل حرب 15 إبريل.
في مُقابل رفض عائلة دقلو ، التحول من (وصي) إجتماعي – إقطاعي على إثنيات البقارة والأبالة ، إلى (وسيط إجتماعي).
(وصى) يحارب قبائل أولئك المقاتلين الذين ينظر لهم كأرقام لأقنان فقط ، ويصادر الشرعية الإجتماعية بإسمهم مثلهم مثل علاقة عائلة الحوثي في شمال اليمن مع القبائل.
هذا التحول في الوقت الراهن ، والضعف التنظيمي لإثنيات البقارة خصوصاً ، لا يمكن أن يمر بدون دماء ، وتثبيت مسار من تعدُد الزعامات السياسية.
عُنف الدعم السريع ضد الريف ، هو مُحاولة إقطاعية لتكريس نمط (العبودية الزبونية المُلزمة) التي مارستها كل الأقليات الساعية لنظام حُكم موناركي – سُلالي (لا تقبل التنافس في الزعامة السياسية) ، بمن فيهم أقلية الدعم السريع الإثنية (عشيرة الماهرية وسلالة أولاد منصور ).
مارسها كل الإقطاعيين بالدم في التاريخ ، مثلهم مثل آل المهدي والميرغني في السُودان.
أو بني أمية ، وحتى الهاشميين في التاريخ الإسلامي الخ.
حاجة النُخبة العسكرية الشمالية ، إلى صناعة زعامة سياسية (منافسة) أو تعدد في الزعامات السياسية لمجتمعات الريف من الأبالة والبقارة ، بعد مساعيها السابقة لإحتكار كافة الزعامات السياسية ومُصادرتها لمصلحة (حميدتي).
هو أحد أهم العوامل المؤدية إلى مساعدة الجنرال المنشق النور القبة ، في توقيع إتفاق سياسي عسكري ، لوقف إطلاق النار وإنتزاع الإعتراف السياسي بمطالب إجتماعية في دسترة التمثيل السياسي والإجتماعي العادل في الدولة ومواردها الإقتصادية ، بما في ذلك الحُكم الذاتي لدارفور وكردفان مُوحدة ، وليس إستسلام الدعم السريع ومُقاتلي إثنيات البقارة والأبالة.
- نزع تسييس الجنون السياسي : متى سيعترف حميدتي بمُمثلي الريف في الثورة المُسلحة وخارجها ؟
واحدة من نتائج التعاقُد السياسي بين نُخبة اليسار الشمالي وحميدتي بصفته أمير حرب محلي ومتعاقد أمني (2022) ، أنه تم تغذية الجنون السياسي المُضاد لحميدتي كطريد محتمل وكطريد سياسي بعد الحرب ، من النظام العسكري الذي كان جزءاً منه.
وتحويله إلى نموذج ديكتاتور مُضاد ، في سياق ولادة لنظام ستاليني ، يحمي مشروعهم السياسي وأمنهم السياسي كنُخبة ، هو مُصادرته للريف السوداني وتمثيله.
لم يكن حميدتي ثورياً بما فيه الكفاية قبل (2019) ، لكنه إقتنص اللحظة الثورية دون أن يكتسب العقل الثوري أو الأخلاقيات الثورية.
ولم يُصبح ثورياً بعد فقدانه السلطة في (2021) ، بقدرما كان مُدركاً لطبيعة المُتغيرات والتفاعلات من حوله.
في مُساومة (جوبا 2020) رفض حميدتي السماح لمُجتمعات البقارة والأبالة ، تمثيل أنفسهم في المؤتمر السياسي الدستوري ، أو حتي تمثيل مطالبهم.
بل إكتفى بتلبية مطالب الإثنية السياسية لشعب الزغاوة ، في مقابل دعمه سياسياً.
في حرب 15 إبريل ، رفض السماح لهم أيضاً بتكوين تشكيل سياسي أو عسكري ، يُعبر عن إستقلاليتهم أو إستقلالية إقليم رافد للمقاتلين أيضاً مثل شمال كُردفان.
لا تُوجد مُؤسسات سياسية أو تنظيمية تشاورية داخل مُؤسسة الدعم السريع ، تشبه هئيات القيادة أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة الخ هياكل الجيوش.
بل تُحكم من خلال قيادة عائلية بحتة ، ولا يمكن التغاضي عن ذلك.
الدول والمُجتمعات لا يمكن أن تحكم من خلال الأخلاق الفردية ، كالصيام التعبدي أو الصدق الفردي الخ. بل من خلال ممارسات ومنظومة أخلاق سياسية.
عليه..
اللحظة التي يفقد فيها حميدتي شرعيته السياسية كمُنقذ لحكومة تحالف اليسار الشمالي (قحت) أو ثورتهم ، أو ينفك إرتباطه بالنُخبة المُحتكرة لصناعة الزعامة السياسية ، ونموذج الطاغية المُضاد هذه.
لحظة فك إرتباط النُخبة السياسية الشمالية به ، وعدم حاجتها إلى منحه شرعية سياسية أو ثورية للخلاص السياسي أو العكس ، متى ما أصبح هذا التحالُف غير مجدي أو مفيد ، فإنه مُضطر لقبول الإعتراف بآليات تمثيل الريف السوداني ، على مضض.
حميدتي لمن يريد أن يعرف ، لا يستمد شرعيته من بُعد محلي ، أو من مُجتمع الرزيقات الشمالية أو غيرهم.
بل من النخبة النيوكولونيالية في الخرطوم ، وإتصالها السياسي مع الخارج (الميتربول) في واشنطن أو القاهرة.
وفكرة إستمداد أي زعيم سياسي ، في الريف ، شرعيته من داخل التكوينات الإجتماعية داخل الريف ، هو محض أُسطورة.
فالجهوية أو النزعة الجهوية في السُودان ، هي مُجرد فلكلور سياسي (مُستهلك) أو عاد (مُزيفاً) منذ عام 1820، الذي أُلغي فيه – النظام الكونفدرالي- في السُودان.
مُجرد مسرح آحادي لتعبئة الولاءات الرخيصة ، ولا يشكل مصدراً للشرعية السياسية.
- متى يستشعر مُثقفي صناعة الطاغية بالآخر ؟ أو التابع؟ : إفتقار مُثقفي الإستبداد المُضاد لشعور الإحساس بالآخر داخل المُجتمعات المُستضيفة للثورة وخارجها
المُثقف الوظيفي في السُودان ، مُهمته هي صناعة الزعامات السياسية لكل دورة سُلطة ، لكنه لا يشارك (عضوياً) في صياغة بنية الحُكم وممارسته ، بل يتواطأ معه كمُوظف.
مُثقفي تحالف قحت (نموذج المُثقف الوظيفي) ، الذين خلقوا إنقساماً رأسياً ، في نموذج الطغيان العسكري نفسه ، الذي كان يشكل بديلاً سياسياً في (2019) .
ومنه صنعوا النموذج الأولي ، لحميدتي الطاغية المُضاد للديكتاتور عبدالوهاب البرهان ، الذي لم يعد في جيبهم منذ 2021.
كما مُثقفي تحالف (تأسيس) الذين صمموا النموذج النهائي للديكتاتور المُضاد نفسه ، لا ينتبهون ويذهلون عن علاقة (التابع) الذي لا يتكلم ، أو ليس بالضرورة هُناك من ينطق بإسمه ويتحدث بالنيابة عنه.
علاقة ذلك التابع (المحكوم قسراً) subalterners ، بسلطتهم الستالينية قيد التشكُل.
لقد فشل المُثقف الوظيفي (العاجز وسيظل كذلك) في تحالف (تأسيس) في وقف نزيف الدم ، من الحُروب غير الضرورية للسُلطة قيد التشكيل.
في مُجرد الإحساس بمذبحة مُستريحة قبل وقوعها ، وبالشعور الجمعي للمُجتمعات الأخرى التي لا تبادل الدعم السريع الولاء الإختياري ، في الفاشر أو مستريحة أو مدني أو جلقني أو أم روابة في دار الجوامعة والنهود في دار حمر الخ من مذابح الدعم السريع السياسية.
بل عملوا على إيجاد سياقات من التبرير التكييفي والتجاهل والتقليل من شأنها.
وكما هو الحال من مُثقفي اليسار الشمالي في نظام مايو في مذابح الجزيرة أبا (1970) ، أو المُثقفين الوظيفيين في نظام الإنقاذ ، من حرب الجنوب 1991 إلى حرب دارفور 2003 وصولاً إلى حرب 15 أبريل.
فشلوا في الإحساس والشُعور بالضرر الجمعي ، للمُجتمعات المُتضررة من حربهم ومن الجيش النظامي مابعد الإستعماري السوداني ، عقيدته العسكرية ومُمارساته الأمنية والقمعية الراتبة.
بل أخذتهم العزة بالإثم أبعد من ذلك ، إلى إنتاج سرديات تبريرية مُتهوِّمة بنظرية المؤامرة ، تتجاوز الحدث نفسه إلى تبريره.
(منها كتاب عبدالخالق محجوب عن أحداث الجزيرة ابا تحت عنوان مباركة قمع الثورة المضادة).
وهذا الفشل الأخلاقي للمُثقف الوظيفي , الذي يتحول إلى التبرير ، إلى النفاق الأخلاقي ، والعمل على تعزيز الشعور بالدونية والنقص ، في الضمير الوطني و لدى الضحايا والمنتقدين inferiority complex.
هؤلاء المُثقفين الوظيفيين ، بحاجة إلى الخلاص من العبئ الأخلاقي نفسه ، من خلال إعتماد وعي إستشراق داخلي ، يُفسر الصراعات (الصراعلوجية الإجتماعية المحلية) ، بشكل منهجي ومؤسسي ولا يكتفي بتأويلها حسب الرغبويات.
(من سوق شعارات الثورة كرافعة للنخبة المُهيمنة ، إلى سوق شعارات الأمن و النزعة الدولتية لمجتمع السُلطة المركزية).
Northernwindpasserby94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم