عيناكِ مدنٌ من مِلح… وأنا الغريبُ الذي أضاعَ الاتجاه

محمد صالح محمد
في زحمةِ الوجوه وضجيجِ العابرين تظلُّ عيناكِ هما الملاذُ الأخير والمنفى الأوّل و يقولون إنّ العيونَ نوافذُ الروح لكنّ عيناكِ يا “زولة” ليست مجرّد نوافذ؛ إنها مدنٌ كاملة بشوارعها العتيقة وأرصفتها المبللة بدموعِ الحنين وتفاصيلها التي لا يدركُ كنهها إلا غريبٌ مثلي أضاعَ جوازَ سفرهِ على أعتابِ نظرة.

غربةٌ في رحابِ السواد …
أسيرُ في بريقِ عينيكِ كمن يمشي في شوارعِ مدينةٍ غادَرَها أهلُها على عَجَل ثمة حزنٌ دفينٌ يسكنُ في ذلك السواد و حزنٌ يشبهُ نغماتِ “الربابة” في ليلةٍ صحراويةٍ باردة كلما حاولتُ أن أجدَ مخرجاً وجدتُ نفسي أتوغلُ أكثر في أزقّةِ الذكريات. هل عيناكِ وطنٌ أم أنها فخٌّ نُصبَ لقلبٍ لم يتعلّم يوماً كيف ينجو من الجمال؟

أنا تائهٌ يا زولة تيهُ الغيمةِ التي ضلّت طريقَ المطر وتيهُ المسافرِ الذي احترقت خريطتهُ قبل أن يصل. في عينيكِ أرى “النيل” يتدفقُ حزناً وأرى “الخُزامى” تذبلُ تحت وطأةِ الانتظار فكيف لمدينتينِ صغيرتينِ أن تتسعا لكل هذا الوجع؟ وكيف لي أن أحتملَ بردَ المنفى وأنا أقفُ أمامَ نارِ جفنيكِ؟

ضياعٌ خلفَ الرموش …
أتعثرُ برمشكِ الطويل فأسقطُ في بئرِ الحرمان و أناديكِ بصوتٍ مخنوق لكنّ الصدى يعودُ لي محمّلاً بعطرِ “الصندل” ومرارةِ الفراق. يا زولة يا من جعلتِ من عينيكِ خارطةً لضياعي رفقاً بقلبٍ لم يعد يملك من حطامِ الدنيا سوى صورةٍ باهتةٍ لملامحكِ.

إنّ الوجعَ الحقيقي ليس في البُعد بل في أن أكونَ قريباً منكِ و أنظرُ إلى عينيكِ وأدركُ أنني لستُ سوى عابرِ سبيلٍ في مدينةٍ لا تفتحُ أبوابها للغرباء.

أنا الغريبُ الذي عشقَ جدرانَ سجنِك والتايهُ الذي لم يعد يرجو هداية بل يرجو فقط أن يظلَّ ضائعاً فيكِ إلى الأبد.

ستبقى عيناكِ أجملَ مدنِ الحزن التي زرتها وسأبقى أنا ذلك “الزول” الذي أضاعَ عُمره وهو يبحثُ عن نفسه بين بريقِ دمعتِكِ وعتمةِ كُحلِك.

ولأنّ كلَّ المدنِ تطفئُ أنوارها في النهاية انطفأتْ في عينيَّ ملامحُ الطريق. يا “زولة” لقد نخرَ الملحُ جدرانَ قلبي كما نخرَ أرصفةَ عينيكِ وما عادَ لي منجاة أنا الآن أقفُ على أطلالِ نظرتِكِ الأخيرة أحملُ خيبتي كجثةٍ ثقيلة وأدركُ بيقينٍ يمزقُ الصدرَ أنني لن أخرجَ من مدنِ عينيكِ حياً ولن أجدَ فيها وطناً يلملمُ شتاتي.

سأبقى هنا عالقاً في المنطقةِ الرماديةِ بين رمشكِ والدمعة غريقاً لا يرجو نجاة وتاهتْ خطاهُ حتى نسيَ اسمَه فليشهدْ هذا الحزنُ المقيم أنني كنتُ يوماً هنا وأنّ موتي لم يكن بسببِ الغربة بل لأنني حين وجدتُ وطني في عينيكِ اكتشفتُ أنني فيهِ “مجرّدُ غريبٍ” لا يملكُ حقَّ البقاء.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

كيف تكونين في عروقي وأنا أبحثُ عنكِ في الوجوه؟

محمد صالح محمدتكتب الأقدار أحياناً حكايتنا بحبرِ الحنين فترسم لنا مسافاتٍ لا تُقطع بالخطوات بل …