ذكرى مجزرة العيلفون: حين يصبح الوطن معسكراً للموت

دكتور محمد عبدالله

في الذاكرة السودانية جراح لا تندمل. بعضها يهدأ مع الزمن، وبعضها يزداد حضوراً كلما حاول الناس نسيانه. وتبقى مجزرة معسكر الخدمة الوطنية بالعيلفون، التي وقعت في أبريل 1998، واحدة من تلك الوقائع التي استعصت على النسيان ، لا لأنها مأساة فحسب، بل لأنها كشفت وجهاً قاسياً للدولة حين تنقلب من حامٍ إلى خصم.

في تلك الفترة، لم يكن معسكر العيلفون سوى واحد من شبكة معسكرات الخدمة الوطنية التي انتشرت في أنحاء السودان، تستقبل آلاف الشباب، كثير منهم جُلبوا قسراً. كانوا يُنتزعون من الشوارع والأسواق، من أمام البيوت وأرصفة المدن، في حملات منظمة، ليجدوا أنفسهم داخل منظومة مغلقة لا تسمح بالرفض. كان معظمهم طلاباً أنهوا امتحانات الشهادة الثانوية، أو شباباً يعملون في مهن بسيطة، يحملون أحلاماً عادية: جامعة، وظيفة، حياة مستقرة. لكنهم وجدوا أنفسهم في معسكرات قاسية، تُدار بعقلية الحرب، تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في الجنوب والنيل الأزرق.

قبل أيام من الحادثة، طلب المجندون إجازة لقضاء عيد الأضحى مع أسرهم. بدا الطلب بسيطاً، لكنه قوبل بالرفض، واعتُبر تمرداً. في مساء ذلك اليوم من أبريل 1998، حاول بعضهم الهروب. لم يكن ذلك فعلاً سياسياً بقدر ما كان محاولة للعودة إلى البيت. لكن الرد جاء بإطلاق النار. وتشير شهادات إلى أن الرصاص بدأ عند بوابات المعسكر، ثم امتد إلى محيطه، بينما اتجه عشرات الفارين نحو النيل. هناك قفز بعضهم إلى الماء، واستقل آخرون مركباً لم يحتملهم، فانقلب وغرق بمن فيه. بين الرصاص والمياه، سقط أكثر من مئة شاب، في ليلة واحدة تحولت فيها أحلام جيل كامل إلى قوائم غياب.

ورغم محاولات الطمس، لم تختفِ الحقيقة. لا يزال بعض الشهود على قيد الحياة، وقد وثقوا تفاصيل دقيقة عن الحادثة، تشمل أسماء قيادات عسكرية ورتبها، والجهات التي أصدرت أوامر إطلاق النار، ومن نفذها ميدانياً. كما وثقوا أسماء عدد من القتلى والجرحى، ورووا كيف جُمعت الجثث على عجل ودُفنت سراً، في محاولة لطمس معالم ما جرى.

لم تقف المأساة عند لحظة القتل، بل امتدت إلى ما بعدها. لسنوات طويلة، ظل الملف مغلقاً تحت وطأة الخوف. لم تُفتح تحقيقات جادة، ولم تُنصف العائلات التي عاشت بين الفقد وغموض المصير. في تلك الأجواء، تحولت العيلفون إلى ذاكرة هامسة، تُروى بحذر داخل دوائر ضيقة.

ويزيد من وطأة الجرح ما تردد عن مصير بعض المتورطين. إذ تشير روايات إلى أن أحد أبرز المسؤولين أُبعد إلى القاهرة، ثم شغل لاحقاً مناصب رسمية، بينها منصب وزير دولة، واستمر ضمن بعثات رسمية، وصولاً إلى العمل ضمن طاقم السودان لدى جامعة الدول العربية. سواء ثبتت هذه الروايات أو خضعت للتحقيق، فإن تداولها يعكس شعوراً عميقاً بالغبن لدى أسر الضحايا، ويطرح سؤالاً أخلاقياً حول معنى العدالة.

بعد أكثر من عقدين، ومع التحولات السياسية، عاد الملف إلى الواجهة، خصوصاً بعد الإعلان عن اكتشاف مقبرة جماعية يُعتقد أنها تضم رفات عدد من الضحايا. لم يكن ذلك مجرد إجراء قانوني، بل خطوة باتجاه استعادة الحقيقة. ويرى قانونيون أن ما جرى يرقى إلى جريمة قتل عمد وجريمة ضد الإنسانية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

لا يمكن النظر إلى العيلفون بمعزل عن سياقها. فقد كانت جزءاً من منظومة تجنيد قسري اتسمت بالقسوة والإهمال، حيث دُفع آلاف الشباب إلى معسكرات لا تراعي أبسط الشروط الإنسانية. لم تكن تلك التجارب استثناءً، بل كانت تعبيراً عن مرحلة كاملة.

اليوم، لا تزال مجزرة العيلفون حاضرة في الوجدان السوداني. ليست مجرد ذكرى، بل سؤال مفتوح عن العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وعن العدالة المؤجلة. واستعادتها ليست اجتراراً للألم بقدر ما هي محاولة لمنع تكراره.

رحم الله أولئك الشبان الذين خرجوا يطلبون إجازة للعيد، فعادوا إلى أهليهم غياباً لا ينتهي.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

شائعة “تدهور الأخلاق” في زمن الحرب

دكتور محمد عبدالله في الأشهر الأخيرة، تكاثرت على منصات التواصل روايات تتحدث، بنبرة حاسمة، عن …