نزار عثمان السمندل
لا تكفي الهزيمة في الحروب؛ كي يسقط الخطاب. أحياناً يسقط المنطق نفسه، وتبقى اللغة وحدها تمارس مهمتها القديمة: طمس الدم بالكلمات.
هذا ما فعله الفريق البرهان حين قال إن «العائدين إلى حضن الوطن» يقرّر الشعب السوداني محاسبتهم أو إعفاءهم.
جملة تبدو، للوهلة الأولى، مُغمّسة في العسل الوطني؛ الشعب هو السيد، والشعب هو القاضي، والشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة. لكن تحت هذا الغلاف البلاغي، يختبئ واحد من أخطر أشكال التضليل السياسي: نقل المسؤولية من الدولة إلى الضحية، ومن القانون إلى المزاج، ومن العدالة إلى الوهم.
أي شعب هذا الذي يتحدث باسمه الرجل؟
وأين هو هذا الشعب أصلاً؟
هل هو ذلك الشعب الذي تُركت مدنه نهباً للميليشيات؟
أم الشعب الذي شاهد الجنود ينسحبون من الخرطوم وود مدني وسنجة وولايات كاملة تاركين المدنيين بين القتل والانتهاك والنهب؟
أم هو شعب المعسكرات والمقابر الجماعية والنزوح، الذي لا يجد ماءً ولا دواءً ولا سقفاً، ثم يُطلب منه الآن أن يتحول فجأة إلى «محكمة وطنية عليا» تقرر العفو أو العقاب؟
ما قاله البرهان ليس تفويضاً للشعب، بل هروبٌ من الدولة.
فالدولة التي تمتلك جيشاً ومحاكم وقوانين ودساتير، لا تسأل الناس إن كانوا يريدون معاقبة القتلة.
هذه ليست مهمة الجماهير. هذه مهمة العدالة.
حين تُنتهك الأعراض، لا يُستفتى الرأي العام.
وحين تُنهب البيوت وتُعذب الأجساد وتُدفن الجثث في الشوارع، لا تُترك المحاسبة لخطاب عاطفي فوق منبر صلاة الجمعة.
هناك قضاء، أو يفترض أن يكون هناك قضاء.
هناك تحقيقات، أو يفترض أن تكون هناك تحقيقات.
هناك دولة، أو يفترض أن تكون هناك دولة.
لكن البرهان، في جملته تلك، يفتح باباً بالغ الخطورة؛ باب التسويات الأخلاقية الرخيصة، حيث يمكن غسل الجرائم بعبارة «عاد إلى حضن الوطن».
أي حضن هذا الذي يتّسع للجلاد والضحية معاً، ثم يُطلب من الضحية أن تصافح قاتلها باسم الوطنية؟
ثم كيف يقرّر الشعب؟
بالضبط كيف؟
هل ستُقام محاكم شعبية؟
هل سيُجرى استفتاء على جرائم الحرب؟
هل سيقف الناجون من التعذيب أمام صناديق اقتراع ليحدّدوا نسبة العقوبة؟
هل تُدار العدالة بالهتاف؟
أم أن المقصود، ببساطة، هو أن السلطة ستقرّر كل شيء لاحقاً، ثم تزعم أن «الشعب أراد ذلك»؟
هنا تكمن الحيلة القديمة التي تتكرر في السودان والعديد من البلدان: اختطاف الشعب بوصفه فكرة مجردة، ثم الحديث باسمه دون أن يتكلم.
الحاكم يقول «الشعب يريد»، والناس لا يسمعون سوى صدى صوته هو.
البرهان لم يقل من يمثل هذا الشعب، ولا بأيّ آلية سيتكلم، ولا من سيحدّد معنى العفو أو حدود المحاسبة.
ترك العبارة سائبة، فضفاضة، مطاطة، لأن الغموض هنا ليس ضعفاً في التعبير، وإنما جزء من الوظيفة السياسية للكلام.
إنه الغموض الذي يسمح بتمرير كل شيء لاحقاً.
فالذين ارتكبوا الفظائع يمكن، في لحظة سياسية مناسبة، أن يتحوّلوا إلى «تائبين».
والذين حملوا السلاح ضد المدنيين يمكن أن يصبحوا شركاء في التسوية القادمة.
وكل ذلك تحت لافتة ضخمة اسمها «إرادة الشعب».
لكن الشعوب لا تُستدعى فقط حين يراد تبرير الصفقات.
الشعوب تُحترم عبر المؤسسات والقانون والعدالة، لا عبر الخطب.
الأخطر في حديث البرهان أنه لا يكتفي بتبرئة الدولة من مسؤوليتها، بل يعيد إنتاج الوهم نفسه الذي أوصل السودان إلى هذا الخراب… وهم الزعيم الذي يحتكر تعريف الوطنية، ثم يوزع صكوك الغفران باسم الناس.
فإذا كان الشعب هو صاحب القرار فعلاً، فلماذا لم يُستشر حين تحولت البلاد إلى ساحة حرب؟
ولماذا لم يُستشر حين ضاعت المدن؟
ولماذا لا يملك اليوم وسيلة واحدة حقيقية لمحاسبة أي طرف؟
الحقيقة الشاخصة؛ هي أن «الشعب»، في خطاب السلطة السودانية، أصبح كائناً يُستخدم عند الحاجة البلاغية فقط.
يُرفع كشعار حين يُراد تحشيد العاطفة، ثم يُختطف صوته حين يحين وقت القرار الحقيقي.
لهذا يبدو كلام البرهان كمن يدسّ السم في العسل:
يعطي الناس إحساساً زائفاً بالسيادة، بينما ينتزع منهم أبسط حقوقهم، وهو حق العدالة الواضحة الصريحة التي لا تُساوم على الدم، ولا تترك مصير الجرائم معلقاً في الهواء بين «العفو» و«حضن الوطن».
