باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 14 مايو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبد المنعم مختار
عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

احتمالية انفصال دارفور عن السودان: (الجزء الثاني)

اخر تحديث: 9 مايو, 2026 11:20 مساءً
شارك

احتمالية انفصال دارفور عن السودان: التجزؤ الإثنو-سياسي، الصراع المسلح، فشل الدولة، وديناميات تقرير المصير (الجزء الثاني)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

  1. نشأة وتطور نزاع دارفور

5.1 التهميش التاريخي

يمثل التهميش التاريخي أحد أكثر المحددات البنيوية أهمية في تفسير نشأة نزاع دارفور وتطوره وتحوله لاحقًا إلى أزمة إقليمية ودولية معقدة. وتعود الجذور الحديثة لهذه الأزمة إلى عام 1916 عندما أسقطت القوات البريطانية-المصرية سلطنة دارفور بعد معركة برنجية ومقتل السلطان علي دينار في جبل مرة، ليتم ضم الإقليم رسميًا إلى السودان الثنائي الإنجليزي-المصري (Daly, 2007). وقد كانت سلطنة دارفور قبل ذلك كيانًا سياسيًا مستقلاً نسبيًا منذ القرن السابع عشر، حيث امتدت حدودها في بعض الفترات من وداي وتشاد غربًا إلى كردفان شرقًا، كما لعبت دورًا مهمًا في تجارة القوافل العابرة للصحراء وربط وسط إفريقيا بوادي النيل والبحر الأحمر (O’Fahey, 1980).

خلال الحكم الاستعماري البريطاني، اتبعت الإدارة البريطانية سياسة “الحكم غير المباشر” القائمة على الإدارة الأهلية والزعامات القبلية، لكنها ركزت استثماراتها التنموية بصورة شبه كاملة في وادي النيل الأوسط ومشروع الجزيرة والخرطوم، بينما تُركت دارفور في عزلة تنموية وإدارية مزمنة (Collins, 2008). وحتى أواخر الخمسينيات، لم يكن هناك طريق معبد دائم يربط الفاشر أو نيالا بالعاصمة الخرطوم، كما كانت الخدمات الصحية والتعليمية محدودة بصورة شديدة. وتشير بعض السجلات الاستعمارية إلى أن عدد المدارس النظامية في دارفور عند الاستقلال عام 1956 كان ضئيلاً مقارنة بالشمالية والخرطوم، بينما كانت معدلات الأمية تتجاوز 90% في أجزاء واسعة من الإقليم (Flint, 2008).

كما أن الإقليم ظل معتمدًا بصورة كبيرة على الاقتصاد التقليدي القائم على الزراعة المطرية والرعي والتجارة الحدودية، دون استثمارات صناعية أو بنية تحتية حديثة. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ الفجوة الاقتصادية بين المركز والهامش منذ بدايات الدولة السودانية الحديثة (Deng, 1995).

بعد الاستقلال في يناير 1956، أعادت النخب السياسية والعسكرية في الخرطوم إنتاج البنية المركزية نفسها. فقد احتكرت النخب النيلية مؤسسات الدولة الأساسية، بما في ذلك الجيش والخدمة المدنية والاقتصاد، بينما ظل تمثيل أبناء دارفور محدودًا نسبيًا في الوزارات السيادية والقيادات العسكرية العليا (Johnson, 2016). كما تركزت مشاريع التنمية الكبرى، مثل مشروع الجزيرة وخزان الروصيرص ومؤسسات التعليم العالي، في وسط وشمال السودان، في حين بقيت دارفور تعاني من ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تصاعد الشعور بالتهميش بصورة متزايدة داخل دارفور، خاصة مع استمرار ضعف الإنفاق الحكومي على الإقليم. وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الطرق المعبدة في دارفور حتى أواخر الثمانينيات كانت من الأدنى على مستوى السودان، كما ظلت معدلات وفيات الأطفال والأمية أعلى بكثير من المتوسط الوطني (Prunier, 2005).

كما ساهمت موجات الهجرة الواسعة نحو الخرطوم وليبيا وتشاد ودول الخليج في تكوين وعي سياسي جديد بين أبناء دارفور، حيث بدأ كثير من المتعلمين والنخب السياسية في الربط بين الفقر والتخلف في الإقليم وبين طبيعة الدولة السودانية المركزية (Young, 2012). وقد لعبت الجامعات السودانية، خاصة جامعة الخرطوم وجامعة القاهرة فرع الخرطوم، دورًا مهمًا في بلورة خطاب سياسي دارفوري جديد خلال الثمانينيات والتسعينيات.

وفي هذا السياق ظهر “الكتاب الأسود” عام 2000، وهو وثيقة سياسية مجهولة المؤلف نسبيًا لكنها ارتبطت لاحقًا بحركة العدل والمساواة، حيث عرضت إحصاءات مفصلة حول احتكار السلطة والثروة من قبل نخب محددة من شمال السودان، وأشارت إلى ضعف تمثيل دارفور في مؤسسات الحكم والجيش والخدمة المدنية (de Waal, 2005). وقد مثّل هذا النص نقطة تحول فكرية وسياسية في تاريخ الإقليم لأنه ربط أزمة دارفور بالبنية الكلية للدولة السودانية وليس فقط بالمشكلات المحلية.

5.2 الضغوط البيئية

تمثل الضغوط البيئية أحد أكثر العوامل أهمية في تفسير تصاعد النزاع في دارفور، حيث أدى التفاعل بين التصحر والجفاف والنمو السكاني وتدهور الموارد الطبيعية إلى خلق بيئة شديدة الهشاشة. وقد شهد السودان عمومًا، ودارفور خصوصًا، موجات جفاف حادة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، خاصة بين 1972–1974 ثم 1983–1985، وهي فترات شهدت انخفاضًا كبيرًا في معدلات الأمطار الموسمية (de Waal, 2005).

وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الصحراء الكبرى تقدمت جنوبًا بما يتراوح بين 50 و200 كيلومتر في أجزاء واسعة من دارفور خلال القرن العشرين، بينما انخفض متوسط الأمطار السنوي بصورة كبيرة مقارنة بالنصف الأول من القرن (UNEP, 2007). كما ارتفعت درجات الحرارة وتزايدت فترات الجفاف، وهو ما أدى إلى تراجع خصوبة الأراضي الزراعية وتقلص المراعي الطبيعية.

وقد تسبب الجفاف في الثمانينيات في انهيار واسع للاقتصاد الريفي، خاصة في شمال دارفور، حيث فقد بعض الرعاة ما بين 50% و70% من قطعانهم خلال سنوات المجاعة والجفاف (Flint, 2008). كما أدت الهجرات البيئية جنوبًا إلى احتكاكات متزايدة بين الرعاة والمزارعين حول الأراضي الزراعية وموارد المياه.

وفي كثير من الحالات، تحولت النزاعات المحلية حول الآبار ومسارات الرعي إلى مواجهات مسلحة واسعة بسبب انتشار السلاح وضعف الدولة. كما أن النمو السكاني السريع أدى إلى زيادة الضغط على الأراضي الزراعية. فقد ارتفع عدد سكان دارفور بصورة ملحوظة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، ما زاد المنافسة على الموارد المحدودة.

وتشير بعض الدراسات المناخية إلى أن دارفور أصبحت إحدى أكثر المناطق الإفريقية تعرضًا لآثار التغير المناخي، حيث أصبحت مواسم الأمطار أكثر تقلبًا وأقل انتظامًا مقارنة بالفترات السابقة (UNEP, 2007). وقد استخدمت الأمم المتحدة حالة دارفور لاحقًا باعتبارها إحدى أولى الحالات التي يمكن وصفها بأنها “نزاع مرتبط بالمناخ”.

5.3 أنظمة الأرض

اعتمدت دارفور تاريخيًا على نظام الحواكير، وهو نظام عرفي لتوزيع الأراضي يمنح الجماعات القبلية حقوقًا تاريخية في مناطق محددة داخل الإقليم (O’Fahey & Tubiana, 2007). وقد نشأ هذا النظام خلال عهد سلطنة الفور، ثم استمر خلال الحكم الاستعماري البريطاني والدولة السودانية الحديثة.

وكانت جماعات مثل الفور والمساليت والزغاوة تمتلك حواكير تاريخية معترفًا بها، بينما اعتمدت الجماعات الرعوية العربية بصورة أكبر على مسارات الرعي الموسمية الممتدة من شمال دارفور إلى جنوبها. وقد لعب هذا النظام دورًا مهمًا في تنظيم العلاقة بين الرعاة والمزارعين ومنع الصدامات الكبرى لقرون طويلة.

لكن التحولات البيئية والهجرات السكانية وتدخل الدولة في الإدارة الأهلية أضعفت استقرار هذا النظام تدريجيًا منذ سبعينيات القرن العشرين (Mamdani, 2009). كما أن الحكومات المركزية استخدمت الإدارة الأهلية بصورة سياسية، خاصة خلال عهد جعفر نميري ثم عمر البشير، حيث جرى أحيانًا إعادة توزيع النفوذ المحلي بما يخدم التحالفات السياسية والعسكرية.

ومع تصاعد النزاع، أصبحت قضايا الأرض والملكية الزراعية من أكثر القضايا حساسية داخل دارفور، خاصة في غرب الإقليم حيث تداخلت مطالب الملكية التاريخية مع التحولات الديمغرافية والنزاعات المسلحة.

5.4 الاستقطاب الهوياتي

شهدت دارفور منذ الثمانينيات تصاعدًا تدريجيًا في الاستقطاب الإثني والهوياتي، حيث بدأت الهويات القبلية تتحول إلى هويات سياسية وعسكرية أكثر صلابة (Mamdani, 2009). وقد ساهمت الحرب التشادية-الليبية وانتشار السلاح في غرب السودان في عسكرة المجتمع المحلي وتعزيز التحالفات العابرة للحدود.

كما لعبت سياسات الدولة السودانية دورًا في تعميق الانقسامات، خاصة مع اعتماد بعض الحكومات على تحالفات قبلية ومليشيات محلية في إدارة النزاعات الطرفية. وبدأ خطاب “العرب” و”الأفارقة” ينتشر بصورة أوسع خلال الثمانينيات والتسعينيات، رغم أن الواقع الاجتماعي والثقافي في دارفور كان أكثر تعقيدًا وتداخلًا من هذه التصنيفات الثنائية.

وقد ساهمت النزاعات المحلية بين الفور وبعض الجماعات العربية خلال أواخر الثمانينيات في ترسيخ الانقسامات الهوياتية، خاصة مع انتشار خطاب التعبئة الإثنية واستخدامه في الصراعات السياسية والعسكرية.

5.5 نشوء الحركات المسلحة

ارتبط ظهور الحركات المسلحة في دارفور بتراكم طويل من التهميش السياسي والاقتصادي والحرمان التنموي، إضافة إلى تصاعد النزاعات المحلية وعسكرة المجتمع وضعف الدولة المركزية.

5.5.1 حركة تحرير السودان

ظهرت حركة تحرير السودان رسميًا عام 2002، لكنها تأسست فعليًا قبل ذلك داخل شبكات سياسية وعسكرية مرتبطة بأبناء دارفور في الجامعات والجيش والمنافي (Flint, 2008). وقد نفذت الحركة هجومها الشهير على مطار الفاشر في 25 أبريل 2003، حيث تمكنت من تدمير طائرات عسكرية وأسر ضباط كبار، وهو ما مثّل نقطة تحول رئيسية في النزاع.

وركز خطاب الحركة على التهميش البنيوي وعدم المساواة داخل السودان، وطالبت بإعادة هيكلة الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة. لكن الحركة تعرضت لاحقًا لانقسامات متكررة بين جناح عبد الواحد محمد نور وجناح مني أركو مناوي وفصائل أخرى.

5.5.2 حركة العدل والمساواة

نشأت حركة العدل والمساواة من خلفيات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، خاصة بعد الصراع بين حسن الترابي وعمر البشير أواخر التسعينيات (de Waal, 2005). وقد استندت الحركة بصورة كبيرة إلى شبكات الزغاوة داخل السودان وتشاد.

واشتهرت الحركة بعد هجومها على أم درمان في مايو 2008، عندما وصلت قواتها إلى أطراف العاصمة الخرطوم في أكبر تهديد عسكري للنظام السوداني منذ عقود.

5.6 مكافحة التمرد

اعتمدت الحكومة السودانية منذ 2003 على استراتيجية مكافحة تمرد جمعت بين الجيش السوداني والمليشيات المحلية المعروفة باسم الجنجويد (Prunier, 2005). وشملت هذه الاستراتيجية القصف الجوي وحرق القرى والتهجير القسري وتسليح مجموعات قبلية عربية ضد الحركات المسلحة.

وقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان والقوى الدولية الحكومة السودانية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل ما يقارب 300 ألف شخص ونزوح أكثر من 2.7 مليون خلال ذروة النزاع بين 2003 و2008 (UN, 2009).

وفي عام 2005 أحال مجلس الأمن الدولي ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593، ثم أصدرت المحكمة لاحقًا مذكرات توقيف بحق عمر البشير وأحمد هارون وعلي كوشيب وآخرين.

5.7 الأزمة الإنسانية

تحول نزاع دارفور إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2004 وحده تجاوز عدد النازحين داخليًا مليون شخص، بينما لجأ مئات الآلاف إلى تشاد (Prunier, 2005).

وبحلول عام 2008، بلغ عدد النازحين داخليًا أكثر من 2.7 مليون شخص، إضافة إلى مئات آلاف اللاجئين في تشاد وأفريقيا الوسطى (UNHCR, 2008). كما أصبحت معسكرات مثل كلمة وزمزم وأبو شوك من أكبر تجمعات النزوح في إفريقيا.

ومع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، دخلت دارفور مرحلة جديدة من الكارثة الإنسانية، حيث شهدت مدن الجنينة ونيالا والفاشر وزالنجي موجات قتل جماعي ونزوح واسع. وتشير بعض التقديرات إلى مقتل ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص في الجنينة وحدها خلال 2023 (UN Panel of Experts, 2024).

كما تجاوز إجمالي عدد النازحين السودانيين داخليًا وخارجيًا 12 مليون شخص بحلول عام 2025، لتصبح السودان أكبر أزمة نزوح في العالم.

5.8 تدويل الصراع

أدى تصاعد العنف في دارفور إلى تدويل النزاع بصورة واسعة. ففي 2004 بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ممارسة ضغوط سياسية وإنسانية متزايدة على الحكومة السودانية.

وفي 2007 أُنشئت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور (يوناميد)، والتي أصبحت إحدى أكبر عمليات حفظ السلام في العالم، حيث تجاوز عدد أفرادها 26 ألف عنصر في بعض الفترات.

كما لعبت تشاد وليبيا وقطر والاتحاد الإفريقي أدوارًا مهمة في الوساطات السياسية، خاصة في مفاوضات أبوجا 2006 والدوحة 2011.

5.9 تغير المناخ

أصبحت دارفور مثالًا رئيسيًا في الأدبيات الدولية حول العلاقة بين التغير المناخي والنزاعات المسلحة. فقد أدى تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة المياه والمراعي (UNEP, 2007).

كما ساهم التصحر في توسيع نطاق الهجرات الرعوية جنوبًا، ما أدى إلى احتكاكات متزايدة مع المجتمعات الزراعية المستقرة.

5.10 دورات النزاع

شهدت دارفور دورات متكررة من العنف منذ الثمانينيات، بدءًا من النزاعات العربية-الفور بين 1987 و1989، ثم التمرد المسلح بعد 2003، ثم موجات العنف المتكررة بعد الاتفاقات الجزئية.

كما ساهمت الانقسامات داخل الحركات المسلحة وفشل تنفيذ اتفاقيات السلام في إعادة إنتاج النزاع بصورة دورية.

5.11 الخرائط المكانية

تُظهر خرائط النزاع تركز العنف في مناطق مثل الجنينة وكبكابية والطينة والفاشر ونيالا وزالنجي وكتم وسرف عمرة. كما استخدمت صور الأقمار الصناعية لتوثيق حرق مئات القرى خلال مراحل النزاع المختلفة.

5.12 العنف الجنسي

استُخدم العنف الجنسي بصورة واسعة خلال النزاع، خاصة ضد النساء والفتيات في القرى ومعسكرات النزوح (Human Rights Watch, 2005). وقد وثقت منظمات أممية وحقوقية مئات حالات الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي.

5.13 الانقسام الريفي-المدني

أدت الحرب إلى تعميق الفجوة بين المدن والمناطق الريفية، حيث أصبحت بعض المدن مراكز عسكرية وتجارية مرتبطة باقتصاد الحرب، بينما تعرضت مناطق ريفية واسعة للتدمير والتهجير.

5.14 انتقال ما بعد 2019

بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019 ظهرت آمال واسعة بإعادة بناء الدولة السودانية وإنهاء النزاعات المسلحة. وقد وقعت بعض الحركات المسلحة اتفاق جوبا للسلام عام 2020، لكن ضعف المؤسسات الانتقالية والانقسامات العسكرية والسياسية أعاقت تنفيذ الاتفاق.

5.15 حرب ما بعد 2023

أدت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 إلى إعادة تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية في دارفور بصورة جذرية. فقد سيطرت قوات الدعم السريع على معظم مدن دارفور الكبرى بحلول أواخر 2023، بينما ظلت الفاشر آخر معقل رئيسي للجيش في الإقليم.

كما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان عمليات قتل جماعي وعنف إثني ضد المساليت والفور والزغاوة وغيرهم من الجماعات غير العربية.

5.16 عسكرنة الحياة المدنية

أدت الحرب الطويلة إلى انتشار واسع للسلاح داخل المجتمع وتحول الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد حرب قائم على التهريب والجبايات والاقتصاد غير الرسمي.

5.17 انهيار الحكم المحلي

أدت الحرب إلى انهيار مؤسسات الإدارة المحلية والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من دارفور، خاصة بعد 2023، حيث توقفت خدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه في مناطق عديدة.

5.18 انهيار آليات حل النزاع التقليدية

كانت الإدارة الأهلية والصلح القبلي أدوات مركزية في إدارة النزاعات المحلية، لكن الحرب الطويلة وتسليح القبائل وتسييس الزعامات التقليدية أدت إلى إضعاف هذه الآليات بصورة كبيرة.

5.19 تطور المليشيات

شهدت دارفور تطورًا تدريجيًا للمليشيات المسلحة منذ الثمانينيات، بدءًا من الجماعات القبلية المحلية وصولًا إلى الجنجويد ثم قوات الدعم السريع.

5.20 هجين الدولة والمليشيا

أصبح المشهد السياسي والأمني في دارفور قائمًا على نموذج هجين يجمع بين مؤسسات الدولة والمليشيات المسلحة، حيث تداخلت شبكات القوة العسكرية مع الاقتصاد غير الرسمي والسلطات المحلية (Reno, 1998).

  1. الهوية السياسية في دارفور

6.1 تشكيل الهوية

تشكلت الهوية السياسية في دارفور عبر مسار تاريخي طويل يبدأ من دولة سلطنة الفور (حوالي 1640–1916)، حيث كانت الهوية السياسية قائمة على شبكات السلطة التقليدية التي تجمع بين الشرعية الدينية (الإسلام الصوفي)، والسلطة السلطانية، وشبكات التجارة العابرة للصحراء، مما جعل الهوية في ذلك الوقت هوية “سياسية-اقتصادية” أكثر منها إثنية مغلقة (O’Fahey, 1980).

وقد امتدت سلطنة دارفور في ذروة قوتها إلى ما يقارب 400,000–500,000 كيلومتر مربع، وسيطرت على طرق تجارة تربط وداي وتشاد وكردفان ووادي النيل، بما في ذلك تجارة الذهب والعاج والعبيد والصمغ العربي (O’Fahey, 1980).

مع الغزو البريطاني-المصري عام 1916 بقيادة الجنرال هربرت كتشنر، أُنهِيَت السلطنة بعد معركة جبل مرة ومقتل السلطان علي دينار، وتم دمج دارفور قسرًا في الدولة الاستعمارية السودانية، ما أدى إلى تفكيك البنية السياسية التقليدية وإعادة صياغة السلطة ضمن نموذج إداري مركزي (Daly, 2007).

وقد تبنت الإدارة الاستعمارية سياسة “الحكم غير المباشر” عبر الزعامات القبلية، لكنها في الواقع عمّقت العزل التنموي، حيث ركزت بريطانيا استثماراتها في وادي النيل (مشروع الجزيرة 1925) وتركَت دارفور في حالة شبه عزلة تنموية وجغرافية (Collins, 2008).

تشير البيانات التاريخية إلى أن معدلات التعليم في دارفور خلال منتصف القرن العشرين كانت أقل بكثير من المتوسط الوطني، حيث لم تتجاوز نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي في بعض المناطق 5–10% حتى سبعينيات القرن العشرين (Johnson, 2016).

بعد الاستقلال عام 1956، لم يحدث تحول جذري في بنية الدولة، بل أعادت النخب الحاكمة إنتاج نموذج المركز والهامش، حيث سيطرت على الجيش والخدمة المدنية والاقتصاد، بينما ظلت دارفور ممثلة بشكل ضعيف للغاية في مؤسسات الدولة (Collins, 2008).

وقد ساهم هذا الوضع في إعادة إنتاج الهوية السياسية على أساس إقليمي، حيث بدأت تتبلور هوية “دارفورية” مقابل “مركز نيلي”، خاصة مع تصاعد التفاوت التنموي (Johnson, 2016).

6.2 خطاب الإقصاء

تبلور خطاب الإقصاء في دارفور داخل سياق سياسي يقوم على التوزيع غير المتكافئ للسلطة والثروة. وقد وثقت وثيقة “الكتاب الأسود” عام 2000 أن أكثر من 70% من المناصب السيادية في السودان كانت تتركز في مناطق محددة من الشمال النيلي، رغم التعدد السكاني في باقي البلاد (de Waal, 2005).

كما تشير الدراسات إلى أن هذا الخطاب تعزز بفعل الحرب الأهلية الثانية (1983–2005)، حيث تم ربط الصراع بتوزيع السلطة والموارد وليس فقط بالاختلافات الثقافية (Collins, 2008).

وتشير بعض التقارير إلى أن دارفور رغم كونها تمثل نسبة كبيرة من السكان (تقديرات تتراوح بين 20–25% من سكان السودان في بعض الفترات)، إلا أن حصتها من الاستثمار الحكومي كانت أقل بكثير من المتوسط الوطني (Johnson, 2016).

6.3 الاستعمار الداخلي

وفق مفهوم Hechter (1975)، فإن الاستعمار الداخلي يصف حالة تقوم فيها مجموعة مركزية بالهيمنة على أطراف الدولة اقتصاديًا وسياسيًا.

وفي السودان، يظهر هذا النموذج بوضوح في تركيز أكثر من 80% من التنمية والبنية التحتية في الخرطوم ووسط السودان، مقابل تهميش مناطق دارفور، كردفان، والشرق (Johnson, 2016).

وتشير تحليلات النزاع إلى أن هذا النمط ليس حدثًا عارضًا بل امتداد تاريخي لبنية الدولة الاستعمارية التي أعادت الدولة الوطنية إنتاجها بعد 1956 (Collins, 2008).

6.4 تقرير المصير

أصبح مفهوم تقرير المصير جزءًا من الخطاب السياسي في دارفور بعد عام 2003، متأثرًا مباشرة بتجربة جنوب السودان التي انتهت باستفتاء 2011 بنسبة استقلال تجاوزت 98% (Young, 2012).

لكن معظم الحركات الدارفورية لم تتبنَّ الانفصال الكامل، بل ركزت على الحكم الذاتي أو الفيدرالية الموسعة ضمن السودان (de Waal, 2005).

6.5 أثر جنوب السودان

أدى انفصال جنوب السودان إلى إعادة تشكيل المخيال السياسي في دارفور، حيث أصبح الانفصال خيارًا “ممكنًا” وليس مستحيلًا.

لكن في المقابل، أظهرت تجربة جنوب السودان تكاليف باهظة، حيث دخلت الدولة الجديدة في حرب أهلية عام 2013 أودت بحياة مئات الآلاف وشرّدت أكثر من 4 ملايين شخص، ما جعل بعض الفاعلين السياسيين في دارفور يعيدون تقييم خيار الانفصال (Young, 2012).

6.6 التحول نحو الحكم الذاتي

اتجهت العديد من الحركات المسلحة في دارفور، خاصة بعد اتفاق أبوجا 2006 واتفاق الدوحة 2011، إلى تبني الحكم الذاتي أو تقاسم السلطة بدل الانفصال، بسبب ضعف التماسك الداخلي وصعوبة بناء دولة مستقلة (Flint, 2008).

6.7 خطاب النخب

لعبت النخب الدارفورية في الخرطوم والمهجر (خاصة في أوروبا والخليج) دورًا محوريًا في إنتاج خطاب سياسي جديد يربط بين التهميش البنيوي وإعادة هيكلة الدولة (Johnson, 2016).

كما ساهمت الجامعات السودانية منذ السبعينيات في خلق وعي سياسي جديد بين أبناء دارفور، خاصة مع موجات الهجرة الداخلية إلى العاصمة.

6.8 ضعف التماسك الوطني

يعكس ضعف التماسك الوطني في السودان فشل مشروع الدولة الحديثة في خلق هوية جامعة، حيث بقيت الانقسامات الجهوية والإثنية والاقتصادية قائمة منذ الاستقلال (Collins, 2008).

6.9 تأثير الشتات

أدى الشتات الدارفوري إلى تدويل القضية عبر منظمات حقوق الإنسان والإعلام الدولي، خاصة بعد 2004، حيث أصبح الشتات فاعلًا سياسيًا في الضغط على الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية (de Waal, 2005).

6.10 الإعلام

لعب الإعلام الدولي دورًا حاسمًا في تشكيل صورة دارفور عالميًا، حيث وصفت تقارير متعددة النزاع بأنه “أكبر أزمة إنسانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين” (Prunier, 2005).

6.11 الشباب

تشير التقديرات الديموغرافية إلى أن أكثر من 60% من سكان دارفور هم دون سن 25 عامًا، ما جعل الشباب القوة الأساسية في الحركات المسلحة والهجرة والنشاط السياسي (Flint, 2008).

6.12 مخيمات اللاجئين

تحولت مخيمات النزوح مثل كلمة وأبو شوك وزمزم إلى مراكز اجتماعية وسياسية ضخمة، حيث تجاوز عدد النازحين داخليًا في دارفور 5.4 مليون شخص بحلول 2024 (EUAA, 2025).

كما أصبحت هذه المخيمات فضاءات لإعادة إنتاج الهوية السياسية وتنظيم الاحتجاجات (UNHCR, 2008).

6.13 النوع الاجتماعي

وثقت منظمات دولية استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب في دارفور، مع تسجيل آلاف الحالات منذ 2003، خاصة ضد النساء في المناطق الريفية ومخيمات النزوح (Human Rights Watch, 2005).

6.14 النشاط الرقمي

أصبح النشاط الرقمي بعد 2010 أداة مركزية في توثيق الانتهاكات، خاصة عبر الهواتف المحمولة ومنصات الشتات، مما ساهم في بناء سردية حقوقية عالمية حول دارفور.

6.15 الإنتاج الثقافي

أنتجت دارفور أشكالًا ثقافية متعددة (شعر شفهي، موسيقى، قصص شعبية) تعكس تجربة الحرب والنزوح، وأصبحت هذه الإنتاجات وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية.

6.16 سياسات الذاكرة

تتنازع القوى السياسية حول تفسير تاريخ الحرب، حيث تسعى كل جهة لإعادة صياغة الذاكرة الجماعية بما يخدم موقعها السياسي (Mamdani, 2009).

6.17 دور المؤسسات الدينية

لعبت الطرق الصوفية والزعامات الدينية التقليدية دورًا في تنظيم المجتمع المحلي، لكن هذا الدور تراجع مع تصاعد العنف السياسي منذ 2003 (Daly, 2007).

6.18 المصالحات القبلية

كانت آليات الجودية والمصالحات القبلية أدوات فعالة لتسوية النزاعات قبل الحرب، لكنها انهارت جزئيًا بسبب انتشار السلاح وتسييس القبيلة (O’Fahey & Tubiana, 2007).

6.19 علم النفس السياسي

أدى النزاع الممتد منذ 2003 إلى آثار نفسية واسعة النطاق، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى مقتل ما يقارب 300 ألف شخص وتشريد أكثر من 2.7 مليون في الموجات الأولى وحدها، مع ارتفاع العدد لاحقًا إلى أكثر من 5 ملايين نازح داخليًا (UNEP, 2007; UN, 2009; EUAA, 2025).

وتشمل الآثار النفسية اضطرابات ما بعد الصدمة، وفقدان الثقة المجتمعية، وتطبيع العنف كجزء من الحياة اليومية.

  1. الحركات المسلحة في دارفور

7.1 البنية التنظيمية

تتسم الحركات المسلحة في دارفور ببنية تنظيمية معقدة وهجينة تجمع بين الهرمية العسكرية الشكلية والشبكات المحلية شبه المستقلة، وهو ما يعكس طبيعة الحرب الطويلة وتآكل الدولة المركزية في السودان منذ 2003 (Flint, 2008).

وتُظهر التحليلات الميدانية أن حركة تحرير السودان (SLA) وحركة العدل والمساواة (JEM) لم تتطورا كجيوش نظامية تقليدية، بل كتحالفات مسلحة مرنة تقوم على ولاءات محلية وإثنية وميدانية، حيث تتغير بنية القيادة حسب ميزان القوة على الأرض (de Waal, 2005).

وقد اعتمدت هذه الحركات على وحدات صغيرة شديدة الحركة تستخدم مركبات الدفع الرباعي المسلحة، حيث تتكون الوحدة القتالية عادة من 10–20 مقاتلًا لكل مركبة، وهو ما جعل العمليات العسكرية تعتمد على حرب الحركة السريعة بدل المواجهة الثابتة (Small Arms Survey, 2007).

كما تشير البيانات إلى أن SLA في بداياتها سيطرت على أجزاء واسعة من شمال وشرق دارفور قبل أن تتراجع تحت ضغط الهجمات الحكومية المضادة (Human Rights Watch, 2004).

7.2 التنوع الأيديولوجي

لا تمتلك الحركات المسلحة في دارفور إطارًا أيديولوجيًا موحدًا، بل تتوزع بين عدة اتجاهات فكرية تشمل:

العدالة التوزيعية وإعادة توزيع السلطة

الفيدرالية الموسعة

خطاب تهميش الأطراف

في بعض الفصائل الصغيرة: تقرير المصير

ويعكس هذا التنوع غياب مشروع دولة بديل متماسك، حيث تختلط الأهداف السياسية بالمطالب الاجتماعية المرتبطة بالأرض والموارد والخدمات (Johnson, 2016).

7.3 التجزؤ

تعاني الحركات المسلحة من تجزؤ شديد، حيث تشير تقارير النزاع إلى ظهور أكثر من 15 إلى 20 فصيلًا مسلحًا في فترات مختلفة من النزاع، نتيجة الانشقاقات المتكررة داخل SLA وJEM (Small Arms Survey, 2007).

وقد انقسمت SLA تحديدًا إلى جناحين رئيسيين:

جناح عبد الواحد نور

جناح مني أركو مناوي

إضافة إلى فصائل أصغر انشقت لاحقًا بعد اتفاق أبوجا 2006، ما أدى إلى إضعاف الموقف التفاوضي للحركات (Flint, 2008).

7.4 قبلنة السياسة

أدت الحرب إلى إعادة إنتاج البنى القبلية داخل التنظيمات المسلحة، حيث أصبحت القبيلة وحدة أساسية للتجنيد والولاء. وتشمل أبرز المجموعات: الفور، الزغاوة، والمساليت، مع تحالفات متغيرة بين هذه المجموعات حسب الظروف العسكرية (Mamdani, 2009).

وقد ساهم هذا التسييس في تحويل الصراع من نزاع سياسي إلى صراع اجتماعي-هوياتي أكثر تعقيدًا، خاصة مع استخدام الهوية القبلية في التعبئة والحشد العسكري (Small Arms Survey, 2007).

7.5 الصراع القيادي

تتميز الحركات المسلحة بصراعات قيادية متكررة ترتبط بثلاثة محاور رئيسية:

الشرعية الثورية

السيطرة على الموارد

العلاقات الخارجية والدعم الدولي

وقد أدى ذلك إلى اغتيالات سياسية داخلية وانشقاقات مستمرة، خصوصًا بعد 2006 و2011 (Flint, 2008).

7.6 السيطرة الإقليمية

تتغير السيطرة الإقليمية باستمرار بين الحكومة السودانية، الحركات المسلحة، وقوات الدعم السريع (RSF).

وتشير تقارير حديثة إلى أن دارفور بعد 2023 أصبحت تحت سيطرة متغيرة وسريعة التحول، حيث سيطرت RSF على معظم الإقليم باستثناء أجزاء محدودة مثل الفاشر في فترات مختلفة (UN, 2024; Reuters, 2025).

كما أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة حكمًا مدنيًا مستقرًا، بل غالبًا ما تكون سيطرة عسكرية مؤقتة تعتمد على القوة النارية لا المؤسسات (UN, 2024).

7.7 أهداف الحركات

تتراوح أهداف الحركات بين:

إنهاء التهميش السياسي

إعادة توزيع الثروة

إصلاح النظام الفيدرالي

الحكم الذاتي

وفي حالات محدودة: إعادة هيكلة الدولة

لكن غياب برنامج موحد جعل هذه الأهداف متغيرة حسب السياق العسكري والسياسي (de Waal, 2005).

7.8 أثر التجزؤ

أدى التجزؤ إلى إضعاف القدرة التفاوضية للحركات، حيث استغلت الحكومة السودانية هذا الانقسام عبر التفاوض مع فصائل منفردة أو دعم انشقاقات داخلية بهدف تفكيك المعارضة المسلحة (Flint, 2008).

7.9 القيادة والسيطرة

تعتمد القيادة على شبكات غير مركزية، حيث يتمتع القادة الميدانيون بسلطات واسعة في اتخاذ القرار العسكري، خاصة في بيئات القتال المتنقل وصعوبة الاتصال اللوجستي (Small Arms Survey, 2007).

7.10 التمويل

تشمل مصادر التمويل:

الدعم الخارجي في مراحل مختلفة

الجبايات المحلية

السيطرة على الطرق التجارية

اقتصاد الحرب والموارد الطبيعية

وقد ساهمت الحدود مع تشاد وليبيا في تعزيز اقتصاد غير رسمي يدعم استمرار النزاع (Johnson, 2016).

7.11 السلاح الخارجي

ارتبط تسليح الحركات المسلحة بشبكات تهريب السلاح عبر تشاد وليبيا، خاصة بعد انهيار الدولة الليبية عام 2011، مما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة إلى دارفور (UN Panel of Experts, 2005).

7.12 نزع السلاح

فشلت برامج نزع السلاح (DDR) في تحقيق نتائج مستدامة، بسبب استمرار النزاع وغياب الثقة بين الأطراف، إضافة إلى عودة المقاتلين إلى الحرب نتيجة ضعف البدائل الاقتصادية (UN, 2009).

7.13 المرتزقة

شهد النزاع في بعض مراحله مشاركة مقاتلين عبر الحدود من دول الساحل والصحراء، خصوصًا في سياقات تداخل النزاعات الإقليمية في تشاد وليبيا، مما زاد من تعقيد المشهد العسكري (Prunier, 2005).

7.14 المفاوضات

شاركت الحركات في عدة عمليات سلام:

أبوجا 2006

الدوحة 2011

جوبا 2020

لكن معظم الاتفاقات فشلت في التطبيق الكامل بسبب الانقسام الداخلي وغياب الضمانات التنفيذية (Young, 2012).

7.15 الحكم الموازي

مارست بعض الحركات أشكالًا من الحكم الموازي في مناطق سيطرتها، بما في ذلك:

إدارة الأمن المحلي

حل النزاعات

تنظيم الموارد المحدودة

لكن هذه البنى ظلت مؤقتة وغير مؤسسية (de Waal, 2005).

7.16 الضرائب

فرضت بعض الفصائل ضرائب غير رسمية أو “رسوم دعم الثورة”، ما أدى إلى توترات مع السكان المحليين، خاصة في مناطق الزراعة والرعي (Flint, 2008).

7.17 الإدارة العسكرية

تعتمد الإدارة العسكرية على تقسيمات ميدانية مرنة (محاور عمليات)، حيث يتمتع القادة الميدانيون بسلطة واسعة في التخطيط والتنفيذ (Small Arms Survey, 2007).

7.18 ديناميات الانشقاق

تتكرر الانشقاقات نتيجة:

الصراع على القيادة

توزيع الموارد

العلاقات الخارجية

وقد أدى ذلك إلى إعادة تشكيل الخريطة العسكرية بشكل شبه دوري منذ 2003 (Flint, 2008).

7.19 اقتصاد القيادة العسكرية

تقوم القيادة العسكرية بإدارة اقتصاد حرب يعتمد على:

الجبايات

التهريب

السيطرة على الطرق

الموارد الطبيعية

ما يجعل الحرب ذات طابع اقتصادي مستدام وليس مجرد صراع سياسي (Johnson, 2016).

7.20 تأثير الاستخبارات الخارجية

تدخلت أطراف إقليمية ودولية بشكل غير مباشر عبر:

الدعم السياسي

التمويل غير المباشر

تسليح عبر وسطاء

وقد ساهم ذلك في تعقيد الصراع وتعدد مراكزه وتداخل مصالحه الإقليمية (UN Panel of Experts, 2005).

  1. الاقتصاد السياسي

8.1 التنمية غير المتكافئة

يُعد التفاوت التنموي بين المركز والأطراف من أكثر العوامل البنيوية تأثيرًا في تشكل الأزمة السياسية والأمنية في دارفور والسودان عمومًا، حيث ارتبط بناء الدولة السودانية الحديثة منذ الحكم الثنائي البريطاني-المصري (1898–1956) بإعادة تركيز السلطة والثروة والبنية التحتية في المثلث النيلي الممتد بين الخرطوم والجزيرة ونهر النيل، بينما جرى دمج دارفور وكردفان والجنوب والشرق بصورة هامشية وغير متكافئة (Collins, 2008).
وقد ظلت سلطنة دارفور كيانًا سياسيًا مستقلًا حتى عام 1916 عندما هزمت القوات البريطانية السلطان علي دينار وضمت الإقليم إلى السودان الإنجليزي-المصري، وهو ما جعل دارفور تدخل النظام الإداري الاستعماري بصورة متأخرة مقارنة ببقية السودان (Daly, 2007). وبعد الضم ركزت الإدارة البريطانية على الأمن وجمع الضرائب والسيطرة الإدارية أكثر من التنمية الاقتصادية أو الاستثمار الاجتماعي.
وفي الفترة بين 1925 و1956 ركزت الاستثمارات الكبرى على مشروع الجزيرة الزراعي الذي تجاوزت مساحته 2.1 مليون فدان وأصبح أكبر مشروع ري مروي في إفريقيا، بينما لم تحصل دارفور على مشاريع مروية أو صناعية مماثلة رغم اتساعها الجغرافي الذي يبلغ نحو 493 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريبًا مساحة إسبانيا (Johnson, 2016).
كما ظلت البنية التحتية شديدة الاختلال؛ ففي عام 1970 بلغ طول شبكة السكك الحديدية السودانية نحو 4700–5000 كيلومتر، لكن الجزء الأكبر منها خدم الخرطوم والجزيرة وبورتسودان، بينما اقتصر خط دارفور على الامتداد الواصل إلى نيالا دون تغطية معظم الإقليم (Daly, 2007).
وفي الثمانينيات كانت دارفور تضم أقل من 10% من الطرق المعبدة في السودان رغم أن عدد سكانها اقترب من 5 ملايين نسمة آنذاك، بينما ظلت مناطق مثل الطينة وكتم وكبكابية وسرف عمرة معزولة خلال موسم الأمطار بسبب الطرق الترابية (UNEP, 2007).
وقد انعكس هذا التفاوت على المؤشرات الاجتماعية؛ ففي أوائل الألفية الجديدة كانت معدلات وفيات الأطفال والأمهات في دارفور من الأعلى في السودان، كما أن نسب الالتحاق بالتعليم الثانوي كانت أقل بكثير من الخرطوم والولايات الوسطى (World Bank, 2022).
ويربط تيد روبرت غور بين هذا النوع من الاختلالات الهيكلية ومفهوم “الحرمان النسبي”، حيث تؤدي الفجوة بين التوقعات والإمكانات الفعلية إلى زيادة احتمالات العنف السياسي والتمرد (Gurr, 2000).

8.2 الإقصاء المالي

تعرضت دارفور لإقصاء مالي مزمن داخل بنية الدولة السودانية الحديثة، حيث تركزت المؤسسات المصرفية والمالية والاستثمارات العامة في الخرطوم والولايات النيلية، بينما ظلت دارفور ذات تمثيل محدود في وزارة المالية والبنك المركزي والمؤسسات الاقتصادية السيادية (de Waal, 2005).
وتشير الدراسات إلى أن نسبة الإنفاق التنموي الحكومي الموجه إلى دارفور بقيت منخفضة مقارنة بحجم السكان والمساحة، رغم أن الإقليم كان يضم قبل حرب 2003 نحو 6–7 ملايين نسمة، أي ما يقارب ربع سكان السودان تقريبًا في بعض التقديرات (Johnson, 2016).
كما أن ضعف البنية المصرفية أدى إلى اعتماد السكان على شبكات الحوالة التقليدية والأسواق المحلية والتجار الكبار، خصوصًا في نيالا والفاشر والجنينة (World Bank, 2022).
وفي كثير من المناطق الريفية لم تكن توجد فروع مصرفية رسمية حتى بداية الألفية الثالثة، ما جعل الاقتصاد المحلي يعتمد على النقد المباشر والائتمان الاجتماعي والقبلي.

8.3 اقتصاد الحرب

منذ اندلاع التمرد المسلح عام 2003 تشكل في دارفور اقتصاد حرب متكامل يعتمد على استمرار النزاع المسلح وليس إنهائه. ويشمل هذا الاقتصاد:

الجبايات القسرية
الضرائب غير الرسمية
نهب الماشية
السيطرة على الأسواق
تهريب الوقود والسلاح
اقتصاد الإغاثة الإنسانية
التعدين الأهلي
تجارة الحدود

ويشير ديفيد كين إلى أن الحروب الأهلية غالبًا ما تستمر لأن شبكات اقتصادية كاملة تستفيد من استمرارها، حيث تصبح الحرب مصدرًا لإعادة توزيع الثروة والنفوذ (Keen, 2008).
وقد تحولت الطرق الممتدة بين نيالا والطينة وأم دخن والكفرة الليبية إلى ممرات اقتصادية شبه مستقلة تديرها جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود (Tubiana, 2017).
كما ظهرت أسواق مرتبطة بالحرب في مدن مثل كتم وكبكابية وسرف عمرة ونيالا والفاشر، حيث يتم تداول الوقود والسلاح والسلع المستوردة بعيدًا عن الرقابة الحكومية.

8.4 التهريب

أصبحت دارفور جزءًا من اقتصاد التهريب العابر للصحراء الكبرى، خاصة بعد انهيار النظام الليبي عام 2011 وتدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود الليبية-التشادية-السودانية (UN Panel of Experts, 2016).
ويبلغ طول الحدود بين السودان وتشاد نحو 1400 كيلومتر، بينما تتجاوز الحدود مع ليبيا 380 كيلومترًا، وهي مناطق صحراوية يصعب ضبطها أمنيًا (Tubiana, 2017).
وقد شملت شبكات التهريب:

السلاح
الوقود
الذهب
السلع الاستهلاكية
البشر والهجرة غير النظامية
المركبات
كما أصبحت بعض القبائل الحدودية وسيطًا اقتصاديًا مهمًا في التجارة غير الرسمية العابرة للدول.

8.5 الذهب

أصبح الذهب منذ 2012 أحد أهم محركات الاقتصاد السياسي في دارفور بعد اكتشافات جبل عامر في شمال دارفور.
وقد جذبت هذه المناجم عشرات الآلاف من المعدنين الأهليين والمجموعات المسلحة والمليشيات، وتحولت المنطقة إلى مركز صراع اقتصادي وعسكري (Tubiana, 2017).
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن السودان أصبح ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا في بعض السنوات بعد 2015، بإنتاج تراوح بين 80–120 طنًا سنويًا، معظمها من التعدين الأهلي وغير الرسمي (World Bank, 2022).
كما ارتبط الذهب بتمويل الجماعات المسلحة وقوات الدعم السريع، حيث أصبحت السيطرة على المناجم وطرق النقل عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين القوة المحلية (Global Witness, 2019).

8.6 الاعتماد الإنساني

أدت الحرب الممتدة إلى تحول قطاعات واسعة من سكان دارفور إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية الدولية.
وبحلول 2024 قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من 24 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، مع وجود نسبة كبيرة منهم في دارفور (UN OCHA, 2024).
كما تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين بعد حرب أبريل 2023 حاجز 10 ملايين شخص، وهو من أعلى معدلات النزوح عالميًا (UNHCR, 2024).
وقد أصبحت مخيمات مثل كلمة وأبو شوك وزمزم والحميدية مراكز سكانية ضخمة تعتمد على الغذاء والمياه والرعاية الصحية التي توفرها المنظمات الدولية.

8.7 قابلية الدولة

تعاني الدولة السودانية من ضعف القدرة الاستخراجية والإدارية، خاصة في الأطراف. ويصف ويليام رينو هذا النمط بأنه “سياسة أمراء الحرب”، حيث تعتمد السلطة على شبكات الولاء والزبائنية أكثر من المؤسسات الرسمية (Reno, 1998).
كما أدى تآكل مؤسسات الدولة بعد 2019 ثم بعد حرب 2023 إلى تراجع قدرة الحكومة على:

جمع الضرائب
دفع الرواتب
إدارة الحدود
تقديم الخدمات الأساسية

8.8 الاقتصاد غير الرسمي

أصبح الاقتصاد غير الرسمي هو النمط الاقتصادي المهيمن في أجزاء واسعة من دارفور، خصوصًا بعد انهيار المؤسسات الرسمية.
ويشمل ذلك:

التعدين الأهلي
الأسواق القبلية
التجارة الحدودية
تحويلات المغتربين
شبكات الحوالة
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نسبة كبيرة من الاقتصاد السوداني أصبحت خارج النظام الضريبي الرسمي بعد 2019 (World Bank, 2022).

8.9 انهيار البنية التحتية

تعرضت البنية التحتية في دارفور لتدمير واسع منذ 2003، بما في ذلك:

المدارس
المستشفيات
شبكات الكهرباء
آبار المياه
الطرق
المطارات
كما أدت الحرب بعد أبريل 2023 إلى تدمير إضافي في الفاشر ونيالا والجنينة وزالنجي، مع انهيار شبكات الاتصالات والخدمات الطبية في مناطق واسعة (UN, 2024).

8.10 النمذجة المالية

تشير النماذج الاقتصادية المرتبطة بالدول الهشة إلى أن النزاعات الممتدة تؤدي إلى التضخم المفرط، انهيار الثقة النقدية، تراجع الاستثمار، وهروب رأس المال.
وفي السودان تجاوز معدل التضخم السنوي 300% في بعض الفترات بين 2021–2023، مع تراجع حاد في قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي (IMF, 2023).
كما أدى تراجع الصادرات النفطية بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى خسارة السودان نحو 75% من موارده النفطية (World Bank, 2022).

8.11 انهيار الزراعة

اعتمد اقتصاد دارفور تاريخيًا على الزراعة المطرية والرعي، لكن الحرب والجفاف والتصحر والنزوح أدت إلى انهيار كبير في الإنتاج الزراعي (UNEP, 2007).
وقد شهدت الثمانينيات موجات جفاف واسعة ساهمت في تصاعد النزاعات حول الأرض والمياه ومسارات الرعي، خاصة بين المزارعين والرعاة الرحل (de Waal, 2005).
كما أدى النزوح الجماعي بعد 2003 إلى ترك ملايين الأفدنة الزراعية دون زراعة في غرب ووسط دارفور.

8.12 الاعتماد على المساعدات

أصبحت قطاعات واسعة من السكان تعتمد بصورة شبه كاملة على الإغاثة الدولية. ففي بعض السنوات احتاج أكثر من 4 ملايين شخص في دارفور إلى مساعدات غذائية عاجلة (UN OCHA, 2024).
كما واجهت المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في الوصول بسبب الهجمات المسلحة والقيود الأمنية.

8.13 غياب النظام النقدي

في أجزاء واسعة من دارفور تراجعت فعالية النظام المصرفي الرسمي، وأصبحت المعاملات تعتمد على النقد المباشر أو العملات الأجنبية أو شبكات الحوالة غير الرسمية.
وفي بعض المناطق الحدودية أصبح الفرنك التشادي والدولار الأمريكي أكثر استقرارًا من الجنيه السوداني.

8.14 انهيار الاستثمار

أدت الحرب والعقوبات وعدم الاستقرار السياسي إلى هروب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية والمحلية، خاصة بعد 2003 ثم بعد الحرب الشاملة في 2023 (World Bank, 2022).
كما تعطلت سلاسل الإمداد والتجارة الداخلية بين الخرطوم ودارفور بسبب انعدام الأمن وارتفاع تكاليف النقل.

8.15 التجزؤ الاقتصادي

أصبح الاقتصاد السوداني مجزأً جغرافيًا، حيث تعمل بعض المناطق وفق شبكات اقتصادية مرتبطة بالمليشيات أو الأسواق الحدودية أكثر من ارتباطها بالاقتصاد الوطني المركزي (Reno, 1998).

8.16 السيطرة على الموارد

أصبحت السيطرة على الذهب والأراضي الزراعية والمياه ومسارات الرعي عنصرًا محوريًا في الصراع العسكري والسياسي داخل دارفور (Tubiana, 2017).

8.17 حوافز استمرار الحرب

تخلق اقتصاديات الحرب حوافز مباشرة لاستمرار النزاع، حيث تستفيد شبكات عسكرية وتجارية من:
الجبايات
التهريب
تجارة الوقود والسلاح
التعدين الأهلي
الإغاثة الإنسانية
ويشير كين إلى أن الحرب تصبح أحيانًا “نظامًا اقتصاديًا قائمًا بذاته” وليس مجرد صراع سياسي (Keen, 2008).

8.18 أثر العقوبات

فرضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة عقوبات متعددة على السودان وعلى أفراد وكيانات مرتبطة بحرب دارفور منذ 2004، وشملت:

تجميد الأصول
حظر السفر
القيود المصرفية
القيود التجارية
ورغم أن العقوبات ساهمت في زيادة عزلة الاقتصاد السوداني وتقليل بعض الاستثمارات، فإنها لم تنهِ اقتصاد الحرب أو توقف النزاع بصورة حاسمة (IMF, 2023).

  1. الجغرافيا والسيطرة

9.1 الجغرافيا الاستراتيجية

يشغل إقليم دارفور موقعًا جيوسياسيًا واستراتيجيًا محوريًا في غرب السودان وفي منظومة الساحل والصحراء الإفريقية عمومًا، إذ تبلغ مساحته نحو 493,180 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل تقريبًا مساحة إسبانيا أو أكثر من ضعفي مساحة المملكة المتحدة، ويمثل قرابة 20% من مساحة السودان بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 (Collins, 2008). ويقع الإقليم بين خطوط عرض تقارب 10–16 درجة شمالًا، ما يجعله يمتد عبر نطاقات مناخية متعددة تبدأ بالصحراء في الشمال وتنتهي بالسافانا الغنية نسبيًا في الجنوب (UNEP, 2007).

وقد منح هذا الموقع دارفور أهمية استراتيجية تاريخية باعتبارها حلقة وصل بين:

وادي النيل

حوض بحيرة تشاد

ليبيا وفزان

إفريقيا الوسطى

غرب إفريقيا

ومنذ القرون الوسطى كانت طرق القوافل التجارية تعبر دارفور لنقل:

الملح

الذهب

الصمغ العربي

العاج

الماشية

العبيد

بين شمال إفريقيا ووسطها وغربها (Daly, 2007).

كما أن سلطنة دارفور، التي استمرت حتى عام 1916، اعتمدت بصورة كبيرة على موقعها التجاري الاستراتيجي وسيطرتها على طرق التجارة الصحراوية (Flint, 2008).

ويتميز الإقليم بتنوع جغرافي شديد التأثير على الصراع. ففي شمال دارفور تسود البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية، بينما تنتشر الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة في جبل مرة ووسط وجنوب دارفور (UNEP, 2007).

ويُعد جبل مرة أحد أهم المواقع الاستراتيجية في السودان، حيث ترتفع بعض قممه إلى أكثر من 3000 متر فوق سطح البحر، ويتمتع بمناخ أكثر اعتدالًا وهطول مطري أعلى من بقية الإقليم، ما جعله مركزًا للزراعة الكثيفة والاستقرار السكاني (Flint, 2008).

وقد استخدمت الحركات المسلحة جبل مرة كمنطقة دفاعية طبيعية منذ 2003، مستفيدة من تضاريسه الوعرة وصعوبة العمليات العسكرية واسعة النطاق فيه. كما استخدمت الكهوف والمرتفعات كمواقع للتخزين والتمركز والانسحاب التكتيكي (de Waal, 2005).

وتُعد نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أكبر مدن الإقليم وأكثرها أهمية اقتصاديًا، إذ كانت قبل حرب 2023 مركزًا تجاريًا يربط دارفور بوسط السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى. كما تمثل الفاشر مركزًا إداريًا وعسكريًا تاريخيًا، بينما تُعد الجنينة بوابة غرب دارفور نحو تشاد (Johnson, 2016).

وقد أدى اتساع المسافات وضعف الطرق إلى تقويض السيطرة الحكومية. فالمسافة بين الخرطوم والفاشر تتجاوز 1000 كيلومتر، بينما تتجاوز المسافة بين الجنينة ونيالا نحو 700 كيلومتر، وغالبًا ما تصبح بعض الطرق غير صالحة خلال موسم الأمطار الممتد بين يونيو وسبتمبر (World Bank, 2022).

كما لعبت الجغرافيا المفتوحة دورًا في طبيعة الحرب، حيث اعتمدت الأطراف المسلحة بصورة كبيرة على سيارات الدفع الرباعي المسلحة المعروفة بـ“التكنيكال”، والتي تسمح بالحركة السريعة عبر الصحارى والمناطق المفتوحة (Tubiana, 2017).

9.2 الحدود

تمثل الحدود الدولية أحد أهم محددات ديناميات الصراع والسيطرة في دارفور. ويبلغ طول الحدود السودانية-التشادية نحو 1360–1400 كيلومتر، بينما تمتد الحدود مع ليبيا لنحو 380 كيلومترًا تقريبًا، ومع أفريقيا الوسطى لنحو 170–200 كيلومتر (UN Panel of Experts, 2016).

وتتميز هذه الحدود بضعف الرقابة الحكومية وغياب البنية الأمنية المستقرة، ما جعلها ممرات استراتيجية لحركة:

السلاح

الوقود

المقاتلين

الذهب

البشر

السلع المهربة

وقد أدى انهيار النظام الليبي عام 2011 إلى تدفق كميات ضخمة من الأسلحة إلى دارفور، خصوصًا عبر الكفرة وسبها وجنوب ليبيا، بما في ذلك:

بنادق هجومية

مدافع رشاشة ثقيلة

قذائف هاون

صواريخ مضادة للطائرات

مركبات قتالية (Tubiana, 2017).

كما أن التداخل الإثني عبر الحدود جعل الدولة الوطنية أقل قدرة على التحكم الكامل في المجال الحدودي. فالزغاوة مثلًا يمتدون بين السودان وتشاد، كما توجد امتدادات للمساليت والعرب الرحل عبر الحدود (Mamdani, 2009).

وقد استخدمت الحركات المسلحة هذه الحدود كعمق استراتيجي لإعادة التموضع والتدريب والإمداد، خصوصًا خلال الحرب التشادية-السودانية غير المباشرة بين 2005–2010 (Flint, 2008).

9.3 النزوح

شهدت دارفور واحدة من أضخم أزمات النزوح القسري في العالم الحديث. فمنذ اندلاع الحرب عام 2003 وحتى 2024 تعرض ملايين المدنيين للنزوح الداخلي أو اللجوء الخارجي (UNHCR, 2024).

وفي ذروة النزاع بين 2003–2005 تم تدمير أو إحراق آلاف القرى، خصوصًا في غرب وشمال دارفور، ما أدى إلى نزوح جماعي واسع النطاق (Human Rights Watch, 2004).

وقدرت الأمم المتحدة أن أكثر من 2.5–3 ملايين شخص نزحوا داخليًا خلال العقد الأول من الحرب، بينما لجأ مئات الآلاف إلى تشاد وأفريقيا الوسطى (UN OCHA, 2024).

كما أدى اندلاع الحرب السودانية الشاملة في أبريل 2023 إلى موجة نزوح جديدة ضخمة، ليرتفع إجمالي النازحين واللاجئين السودانيين إلى أكثر من 10 ملايين شخص بحلول منتصف 2024، وهو من أعلى معدلات النزوح عالميًا (UNHCR, 2024).

وقد أدى النزوح إلى تغيرات ديموغرافية عميقة، حيث فرغت مناطق ريفية كاملة من سكانها الأصليين، بينما تضخمت المدن والمخيمات بصورة هائلة (de Waal, 2005).

9.4 التمركز الإثني

يتسم إقليم دارفور بتنوع إثني معقد يشمل:

الفور

الزغاوة

المساليت

الرزيقات

المحاميد

البرتي

التنجر

الميدوب

العرب الأبالة والبقارة

وقد أدى النزاع إلى تصاعد التمركز الإثني المكاني نتيجة النزوح والعنف المتبادل (Flint, 2008).

ففي غرب دارفور تعرضت مناطق المساليت لعمليات تهجير جماعي متكررة بين 2003–2004 ثم بعد 2023، خصوصًا في الجنينة وأردمتا (Human Rights Watch, 2004).

كما أصبحت بعض مناطق شمال دارفور مرتبطة جغرافيًا بوجود جماعات محددة نتيجة النزوح وإعادة توزيع السكان بالقوة.

9.5 المخيمات

تحولت مخيمات النزوح إلى كيانات شبه حضرية ضخمة ذات ديناميات اقتصادية وسياسية مستقلة نسبيًا. ومن أبرزها:

مخيم كلمة

مخيم أبو شوك

مخيم زمزم

مخيم الحميدية

وقد تجاوز عدد سكان بعض هذه المخيمات 100–150 ألف نسمة، ما جعلها تفوق في الحجم مدنًا سودانية عديدة (UNHCR, 2023).

كما أصبحت المخيمات مراكز لإعادة تشكيل الهوية السياسية والذاكرة الجماعية المرتبطة بالحرب والتهميش والنزوح (Mamdani, 2009).

وفي بعض الحالات تحولت المخيمات إلى قواعد اجتماعية للحركات المسلحة أو فضاءات للمعارضة السياسية.

9.6 الشبكات العابرة

ترتبط دارفور بشبكات اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود تشمل:

التجارة

الهجرة

التهريب

التحالفات القبلية

شبكات السلاح

وقد ساهمت هذه الشبكات في استمرار تدفق السلاح والوقود والمقاتلين بين السودان وتشاد وليبيا (Tubiana, 2017).

كما لعبت شبكات الشتات الدارفوري في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية دورًا في تحويل الأموال والدعم السياسي والإعلامي لبعض الفاعلين المحليين.

9.7 التماسك الإقليمي

رغم تصاعد الخطاب السياسي الدارفوري المشترك منذ 2003، فإن الإقليم يعاني من انقسامات إثنية وقبلية وسياسية تحد من التماسك الكامل (Young, 2012).

كما أن الانقسامات داخل الحركات المسلحة أضعفت القدرة على إنتاج مشروع سياسي موحد، بخلاف تجربة الحركة الشعبية في جنوب السودان (Johnson, 2016).

9.8 نظم المعلومات الجغرافية

أصبحت نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد أدوات أساسية لتحليل النزاع في دارفور. وقد استخدمت صور الأقمار الصناعية لتوثيق:

القرى المحروقة

تحركات النزوح

التغيرات البيئية

خطوط القتال

انتشار المخيمات

وقد وثقت منظمات حقوقية تدمير مئات القرى باستخدام صور الأقمار الصناعية منذ 2003 (Amnesty International, 2004).

كما استخدمت بيانات الأقمار الصناعية لتحليل تراجع الغطاء النباتي والتصحر في شمال دارفور (UNEP, 2007).

9.9 الفصل المكاني

أدى النزاع إلى إنتاج أنماط من “الفصل المكاني” بين الجماعات الإثنية نتيجة النزوح والعنف المنظم (Flint, 2008).

وقد أصبحت بعض المناطق أكثر تجانسًا إثنيًا مقارنة بالفترة السابقة للحرب، خصوصًا في غرب دارفور.

9.10 التحضر

شهدت دارفور تحضرًا متسارعًا نتيجة النزوح والحرب. فقد تضاعف حجم بعض المدن عدة مرات منذ 2003، خاصة نيالا والفاشر والجنينة (World Bank, 2022).

كما توسعت الأحياء العشوائية بصورة كبيرة مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف الخدمات الأساسية.

9.11 الهجرة الموسمية

تعتمد دارفور تاريخيًا على الهجرة الموسمية للرعاة الرحل بين الشمال والجنوب وفق توفر المياه والمراعي.

لكن الجفاف والتصحر والحرب أدت إلى إغلاق أو تعطيل العديد من المسارات التقليدية للرعي، ما ساهم في تصاعد النزاعات المحلية بين الرعاة والمزارعين منذ الثمانينيات (UNEP, 2007).

9.12 المياه

تُعد المياه من أكثر الموارد الاستراتيجية حساسية في دارفور بسبب الطبيعة شبه الجافة للإقليم.

وتعتمد المجتمعات المحلية على:

الآبار

الحفائر

الوديان الموسمية

الأمطار المحدودة

وقد أدى تراجع الأمطار والجفاف المتكرر إلى زيادة التنافس على المياه، خصوصًا في شمال دارفور (UNEP, 2007).

9.13 جغرافيا السلاح

ارتبط انتشار السلاح بالبنية الجغرافية المفتوحة للإقليم وضعف السيطرة الحدودية.

وقد أدى انهيار ليبيا بعد 2011 إلى تدفق واسع للأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى دارفور، ما ساهم في زيادة عسكرة المجتمع المحلي (UN Panel of Experts, 2016).

9.14 المناخ والأمن

تعرضت دارفور لموجات جفاف حادة خلال 1972–1974 و1983–1985، ما أدى إلى تراجع المراعي والإنتاج الزراعي والهجرات السكانية (UNEP, 2007).

كما تشير الأدبيات إلى أن التغير المناخي عمل كمضاعف للنزاع عبر زيادة الضغط على الموارد المحدودة (de Waal, 2005).

9.15 التحول الريفي-الحضري

أدت الحرب إلى انتقال ملايين السكان من الريف إلى المدن والمخيمات، ما غيّر البنية الاجتماعية والاقتصادية للإقليم.

وأصبحت مدن مثل نيالا والفاشر مراكز حضرية ضخمة تضم أعدادًا كبيرة من النازحين والعمالة غير الرسمية (World Bank, 2022).

9.16 ندرة الأرض

أدت الزيادة السكانية والتصحر والنزوح إلى تصاعد النزاعات حول الأراضي الزراعية ومسارات الرعي.

كما أن انهيار نظام “الحاكورة” التقليدي ساهم في تصاعد الصراعات على ملكية الأرض (Mamdani, 2009).

9.17 فراغات الحكم

تعاني مناطق واسعة من دارفور من “فراغات حكم” نتيجة تراجع قدرة الدولة على فرض القانون وتقديم الخدمات.

وفي بعض المناطق أصبحت الحركات المسلحة أو المليشيات تدير الأمن والضرائب والمحاكم المحلية بصورة فعلية (Reno, 1998).

9.18 التدهور البيئي

تعرضت دارفور لتدهور بيئي واسع يشمل:

التصحر

إزالة الغابات

تآكل التربة

تراجع المراعي

استنزاف المياه الجوفية

وقد أدى النزوح الواسع إلى قطع الأشجار حول المخيمات لاستخدامها في الوقود والبناء، ما ساهم في تسارع إزالة الغطاء النباتي (UNEP, 2007).

كما ساهم تغير المناخ في انخفاض معدلات الأمطار في أجزاء من شمال دارفور خلال العقود الأخيرة، وهو ما زاد من هشاشة الأمن الغذائي والنزاعات المحلية.

الكاتب
عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مطلوب القبض على هذا الفرعون! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي

فيصل علي سليمان الدابي
منبر الرأي

شرعية دولة القانون والمؤسسات بين توسيع المشاركة السياسية وحكومة كفاءات مستقلة .. بقلم: المستشار فائز بابكر كرار

طارق الجزولي
منبر الرأي

الفريق حميدتي. لم نشيطنك ولن نعطيك أجنحة الملائكه .. بقلم: د. مجدي إسحق

طارق الجزولي
منبر الرأي

سوف يجعلون التطبيع جاذباً.. وعلى الرافضين خم الرماد! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss