يمتلك السودان إرثاً صحفياً عريقاً ضاربًا في عمق التاريخ يمتد لأكثر من قرن، حيث تشكلت البدايات الأولى للصحافة الحديثة مع أواخر القرن التاسع عشر وبواكير الحكم الثنائي البريطاني المصري عام 1899، ومنذ ذلك الحين شهدت الصحافة السودانية مساراً تطورياً متدرجاً، رسخ مكانتها بوصفها إحدى أبرز أدوات التنوير وبناء الوعي الوطني، وقد اضطلعت بدور محوري في مناهضة الاستعمار والدفاع عن قضايا الاستقلال وأسهمت بفاعلية في تشكيل الرأي العام لتغدو أحد أعمدة الحراك الوطني وأداة مؤثرة في مسار التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد.
في مطلع القرن العشرين برزت في السودان صحف رسمية وإدارية خضعت لإشراف سلطات الحكم الثنائي، واضطلعت بوظائف إعلامية ذات طابع سلطوي يعكس توجهات الإدارة الاستعمارية. غير أن هذا المشهد لم يلبث أن شهد تحولاً نوعياً مع بروز الصحافة الوطنية التي مثلت صوتاً معبراً عن تطلعات السودانيين وطموحاتهم في التحرر وبناء الهوية السياسية، وتعد صحيفة “حضارة السودان” التي تأسست عام 1919، من أوائل المنابر الصحفية الوطنية المؤثرة، حيث أسهمت بفاعلية في ترسيخ الوعي السياسي والثقافي، وخلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي اتسع نطاق النشاط الصحفي بصورة ملحوظة فصدرت صحف ومنشورات متعددة أدت دوراً محورياً في دعم الحركة الوطنية وتعزيز خطابها، وحيث جاء صدور أول قانون للمطبوعات عام 1930 ليؤطر العمل الصحفي من الناحية التنظيمية، إلا أنه تضمن في الوقت ذاته آليات للرقابة والسيطرة، بما عكس طبيعة العلاقة المركبة بين السلطة الاستعمارية والفضاء الإعلامي الناشئ.
وعقب استقلال السودان عام 1956، دخلت الصحافة مرحلة جديدة اتسمت بتعدد المنابر الحزبية والمستقلة في انعكاس واضح لحيوية المجال العام وتنامي الاهتمام بقضايا الدولة الوطنية والتنمية والتحول الديمقراطي، وقد أفضى هذا التعدد إلى إثراء النقاش العام وتعميق المداولات الفكرية والسياسية بما عزز من دور الصحافة كفاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي. غير أن هذا المسار سرعان ما تأثر بتعاقب الانقلابات العسكرية التي أفضت إلى فترات متباينة من التضييق الإعلامي شملت الإيقاف والمصادرة وفرض القيود على حرية التعبير، وبذلك ظلت حرية الصحافة في السودان رهينة لطبيعة النظام السياسي القائم، حيث كانت تتسع نسبياً في ظل النظم المدنية وتنكمش تحت وطأة الحكم الشمولي، في سياق يعبر عن العلاقة الجدلية بين الإعلام والسلطة.
وخلال فترة حكم الإنقاذ (1989-2019)، شهدت الصحافة السودانية توسعاً ملحوظاً من حيث عدد الإصدارات وتنوعها، إلا أن هذا الاتساع الكمي تزامن مع بيئة مقيدة للحريات اتسمت بإحكام السيطرة الأمنية والقانونية على المجال الإعلامي، فقد فرضت أشكال متعددة من الرقابة شملت الرقابة المسبقة والمصادرة بعد الطباعة والإيقاف المتكرر للصحف فضلاً عن استهداف الصحفيين عبر الاعتقال والتضييق ومنع النشر في قضايا بعينها، وعلى الرغم من هذه القيود البنيوية حافظت الصحافة على حضورها كإحدى ساحات الفعل المدني وفضاء للمقاومة الرمزية والتعبير العام، وواصلت بدرجات متفاوتة أداء دورها في مساءلة السلطة وكشف الاختلالات بما يعكس دينامية العلاقة بين القمع الرسمي وإرادة الفاعلين في المجال العام.
الصحافة قبل حرب أبريل 2023
على امتداد المراحل المختلفة ظلت الصحافة السودانية تعيش حالة مركبة تتسم بالهشاشة البنيوية والتناقض، حيث واجهت أشكالاً متواصلة من التضييق والقمع ومصادرة الحريات، لا سيما خلال فترة حكم الإنقاذ بما يعكس طبيعة العلاقة المضطربة بين السلطة ووسائل الإعلام، وقد اتسمت هذه العلاقة بالتقييد الممنهج والتسييس والتدخل المباشر في العمل الصحفي في سياق ظلت فيه القوانين المقيدة للحريات خاصة المرتبطة بالأمن والنشر، تشكل الإطار الناظم للممارسة الإعلامية، وفي ظل هذا الإطار استمر تدخل الدولة في إدارة الفضاء الإعلامي بأشكال متعددة، شملت المصادرة والضغط الاقتصادي والملاحقات القضائية إلى جانب التهديدات المباشرة وغير المباشرة، بما أسهم في إعادة إنتاج بيئة إعلامية غير مستقرة، ومع ذلك ظل شعار شبكة الصحفيين السودانيين “صحافة حرة أو لا صحافة” حاضراً بقوة في الخطاب الصحفي والاعلامي بوصفه تعبيراً عن مطالب جذرية باستقلالية المهنة ورفع القيود عنها، وتحت هذا الشعار ناضل عشرات الصحفيات والصحفيين السودانيين ضد سلطات الاستبداد من اجل انتزاع مطالبهم وحقوقهم المشروعة، وواجهوا جملة من التحديات التي أضعفت الاستقلال المهني من أبرزها القوانين المقيدة للحريات والرقابة القبلية والبعدية ومصادرة الصحف فضلاً عن الاستهداف عبر الملاحقات القضائية والتهديدات غير الرسمية والضغوط الاقتصادية وتدني مستويات الأجور، وهو ما حد من تطور صحافة مهنية مستقلة ومستدامة.
ومع اندلاع ثورة ديسمبر 2018، التي أطاحت بنظام الإنقاذ برزت ملامح انفتاح نسبي في الفضاء العام تمثلت في اتساع هامش حرية التعبير وتراجع الرقابة الأمنية المباشرة وعودة عدد من الصحف والكتاب إلى الساحة العامة فضلاً عن ارتفاع سقف التناول في القضايا السياسية والاجتماعية. غير أن هذا الانفراج ظل محدوداً وهشاً، إذ لم يستند إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية عميقة تضمن استدامته، واستمر تأثير ما يعرف بـ “الدولة العميقة” وهيمنة شبكات النظام السابق وأجهزته على الفضاء الإعلامي، وبذلك بقيت حرية الصحافة في السودان محاطة بقيود بنيوية تعكس غياب الضمانات الدستورية والتشريعية الكفيلة بحمايتها، وظلت أقرب إلى هامش ظرفي قابل للتقلص، لا مطلب وحق أصيل مستقر داخل منظومة قانونية ديمقراطية.
واتسمت بيئة العمل الاعلامي قبل الحرب بقدر من الاستقرار النسبي وظلت المؤسسات الإعلامية قائمة والعمل الميداني ممكنا رغم الأزمات الاقتصادية وتدهور البنية التحتية، وفي هذا السياق برز الإعلام الرقمي والمنصات المستقلة كبدائل جزئية للصحافة التقليدية، وأسهمت إلى حد ما في توسيع فضاءات النقاش في الفضاء العام وتعدد مصادره. غير أن هذا الاستقرار النسبي كان محكوماً باختلالات بنيوية عميقة تمثلت في هشاشة التمويل وغياب الحماية وضعف التنظيم النقابي، الأمر الذي انعكس سلباً على الاستقلال المهني وجودة الإنتاج الصحفي وجعل المؤسسات الإعلامية عرضة لمختلف أشكال الابتزاز السياسي والاقتصادي، وبدا واقع الصحافة أقرب إلى فضاء مقيد قابل للانكماش أو الارتداد في أي لحظة، إذ يتيح هوامش محدودة للممارسة المهنية دون أن يستند إلى ضمانات مؤسسية أو قانونية كفيلة بتأمين الاستقلال والاستدامة المهنية.
الصحافة في ظل حرب أبريل 2023
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، دخلت الصحافة السودانية مرحلة غير مسبوقة من الانكماش والانتهاك، حيث انتقلت من وضعٍ هش ومقيد إلى حالة أقرب إلى الانهيار شبه الكامل، وقد تعرضت المؤسسات الإعلامية لعمليات واسعة من السرقة والنهب والتدمير، بالتوازي مع تفكك الكوادر المهنية وتشتتها بين النزوح الداخلي واللجوء والحصار، بما أدى إلى تفكيك البنية المهنية للصحافة وإعادة إنتاج المجال الإعلامي خارج إطاره المؤسسي التقليدي، وفي ظل هذا التدهور البنيوي تحولت بيئة العمل الصحفي إلى فضاء عدائي شديد الخطورة، فقدت فيه المؤسسات الإعلامية الحد الأدنى من شروط السلامة والاستمرارية المهنية، ولم تعد الانتهاكات مقتصرة على التضييق على الحريات أو تقييد النشر، بل تجاوزت هذه التحديات حدود التضييق التقليدي لتطال البنية الوجودية للمؤسسات الصحفية نفسها، وامتدت لتعرض سلامة الصحفيين الجسدية والمهنية لمخاطر مباشرة، ويعكس ذلك تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين الحرب والفضاء الإعلامي، من مجرد تقييد سياسي إلى تهديد وجودي شامل، ويتجلى هذا التهديد في أشكال متعددة من العنف، تشمل القتل والاعتقال والاختطاف على يد أطراف الصراع، إلى جانب إجبار أعداد كبيرة من الصحفيين على النزوح داخلياً أو اللجوء إلى الخارج، وهو ما أسهم بشكل كبير في إفراغ الساحة الإعلامية من نسبة معتبرة من كوادرها المهنية وأضعف قدرتها على أداء دورها في هذه المرحلة الحرجة.
وقد وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية أن السودان بات من أخطر دول العالم لممارسة الصحافة، في ظل تراجع حاد في مؤشرات حرية الإعلام. إذ انخفض ترتيب السودان إلى المركز 161 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مقارنة بالمركز 156 في عام 2025، كما تراجع إلى المرتبة 172 في المؤشر المتعلق بسلامة الصحفيين، بما يعكس استمرار التدهور البنيوي في بيئة العمل الإعلامي، ورصدت تقارير سلسلة واسعة من الانتهاكات الجسيمة ضد العاملين في المجال الإعلامي سجلت أكثر من 680 انتهاكاً شملت الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، والاعتداءات الجسدية، والتهديدات المباشرة، وتؤشر هذه المعطيات مجتمعة إلى تصاعد مستويات المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون وتراجع الحد الأدنى من الضمانات الكفيلة بحمايتهم المهنية والجسدية في سياق الحرب المستمرة.
كما أسهم انقطاع خدمات الإنترنت والكهرباء في إعاقة العمل الإعلامي بصورة مباشرة، وفتح المجال واسعاً أمام انتشار الشائعات وهيمنة خطاب الحرب والدعاية، في مقابل تراجع الصحافة المهنية لصالح أنماط إعلام التعبئة والتحريض، وفي هذا الواقع لم تعد حرية الصحافة مجرد قضية قانونية أو مطلب مهني، بل تحولت إلى مسألة وجود ترتبط بالسلامة الشخصية وبقاء الفاعلين الإعلاميين أنفسهم، وقد تراجعت قدرة الصحافة على أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في نقل المعلومات والتحقق منها وتقديم معرفة موثوقة للمجتمع في لحظة حرجة، لا سيما في ظل الانقسام الحاد واستقطاب أطراف الحرب للإعلاميين والصحفيين، واستغلال الظروف الاقتصادية والمعيشية للفاعلين الإعلاميين، بما أسهم في تشويه صورة الإعلام وإضعاف مهنيته وتآكل ثقة الجمهور به، وفي المقابل سعت أطراف الصراع إلى احتكار الرواية الإعلامية وفرض روايتها بوصفها الحقيقة الوحيدة، وتجريم أي خطاب مستقل أو نقدي، الأمر الذي خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً ملأته الدعاية المرتبطة بالأطراف المسلحة، وأصبح الصحفي مستهدفاً لمجرد التزامه بالمعايير المهنية، بل وينظر إليه باعتباره منحازاً تلقائياً عند توثيق الانتهاكات أو تغطية الآثار الإنسانية والبيئية للحرب، وبذلك تراجع الدور التقليدي للصحافة في تخفيف الاستقطاب أو الحد من تأجيجه، كما تعطل دورها في تغطية النزاع من منظور حقوق المدنيين وفي الإسهام في تمهيد الطريق لجهود بناء السلام وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الفضاء الإعلامي في سياق الحرب.
وبسبب هذه الحرب، يعيش الإعلام السوداني اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيداً في تاريخه الحديث، إذ لم تعد التحديات التي يواجهها مجرد عراقيل مهنية ظرفية تفرضها أطراف الحرب، بل تعبيراً عن اختلالات أعمق تتصل بالبنية الاجتماعية والسياسية للدولة نفسها، وفي هذا الإطار تكشف تجربة الحرب في السودان أن أزمة الصحافة لا يمكن ردها إلى اللحظة الراهنة وحدها، بل هي امتداد لمسار طويل من القمع والتهميش وغياب الإصلاح المؤسسي، بما يجعلها أزمة بنيوية متجذرة في طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجال العام، ومن ثم فإن ما أفرزته الحرب لم يكن سوى تعميق لأزمة قائمة أصلاً، حيث تداخلت العوامل السياسية والاقتصادية والمؤسسية في إنتاج فضاء إعلامي هش ويفتقر إلى الاستقلال والاستدامة، وظل عرضة للتقلبات الحادة تبعاً لتحولات السلطة والصراعات.
دور الصحافة في الحرب
في ضوء ما سبق، يتضح أن الدور المنوط بالإعلام والصحافة في سياق الحرب في السودان يتجاوز الوظيفة الإخبارية التقليدية، ليشمل أدواراً معرفية ورقابية وأخلاقية ومجتمعية متكاملة، تستجيب لتعقيدات بيئة النزاع التي تتسم بتضارب الروايات واتساع نطاق العنف وتآكل المجال العام، ويتمثل هذا الدور أولاً في ضمان تدفق المعلومات الدقيقة والتحقق منها بما يسهم في الحد من الشائعات وخطابات الدعاية لأطراف الصراع وحماية الفضاء العام من التضليل. كما يفترض أن يضطلع الإعلام بوظيفة توثيقية ورقابية تكشف الانتهاكات وتبرز الآثار الإنسانية والاجتماعية والبيئية للحرب، ومنح أولوية لصوت المدنيين والمتضررين وتعزيز الاستقلالية المهنية بوصفها شرطاً أساسياً للمصداقية. إلى جانب ذلك ينتظر من الصحافة الإسهام في تخفيف حدة الاستقطاب المجتمعي بدل تعميقه عبر تغطية متوازنة ومسؤولة للنزاع تعزز منطق النقاش العام وتحد من خطاب الكراهية والتحريض، وفي بعده الأوسع يمكن للإعلام أن يلعب دوراً داعماً لمسارات بناء السلام من خلال ترسيخ الوعي العام بآثار الحرب والمساهمة في إعادة ترميم المجال العام وتهيئة بيئة معرفية مساعدة على العدالة الاجتماعية والمساءلة.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية تطوير أنماط تنظيمية ومهنية جديدة تتناسب مع بيئة الحرب مثل إنشاء شبكات صحفية لا مركزية تعتمد على وحدات صغيرة مستقلة (خلايا صحفية مجتمعية) تعمل دون هياكل هرمية صارمة بما يقلل من مخاطر الاستهداف ويحد من احتكار السرد الإعلامي، ويتيح للمجتمعات المحلية إنتاج المعرفة عن ذاتها. كما يمكن للصحفيين في المنفى تحويل الشتات إلى مساحة إنتاج معرفي عبر إنشاء غرف تحرير سودانية خارج البلاد مرتبطة بشبكات داخلية آمنة بما يسهم في حماية الذاكرة الوطنية من التزييف والنسيان ويعزز استمرارية العمل الصحفي رغم الانهيار المؤسسي، وتبرز كذلك أهمية “صحافة السلام الاستباقية”، التي تنتقل من التغطية اللاحقة للأحداث إلى رصد مؤشرات التصعيد المبكر عبر تحليل البيانات المتعلقة بخطاب الكراهية والنزاعات الاجتماعية والتحركات المسلحة، بما يوفر إنذارات معرفية مبكرة لصناع القرار والمجتمع المدني، وهنا يكتسب تطوير نماذج تمويل بديلة أهمية مركزية مثل التمويل الجماعي المرتبط بالقضايا العامة والشراكات مع مراكز البحث وغيرها، بما يقلل من الارتهان السياسي والاقتصادي ويعزز استقلالية المؤسسات الإعلامية، ويتكامل ذلك مع الانتقال من “صحافة الخبر” إلى “صحافة المعرفة العامة” التي تفسر وتحلل القضايا المعقدة مثل الحرب والاقتصاد والأمن الغذائي والبيئة، ويعيد تعريف الصحفي بوصفه وسيط معرفة لا مجرد ناقل حدث، وفي هذا السياق يصبح الالتزام بإطار أخلاقي صارم ضرورة مركزية يحمي الضحايا والمصادر ويؤسس لمقاربة حقوقية تضع حرية التعبير ضمن منظومة العدالة الاجتماعية مع ضرورة توطين النماذج الإعلامية بما يتلاءم مع السياق السوداني، وبذلك لا تبدو الصحافة في سياقات الحرب مجرد ناقل للوقائع، بل أداة مقاومة معرفية وحارس للذاكرة الوطنية الجماعية وداعم لمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة، من خلال التوثيق المهني والمعياري للأحداث بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويساهم في تحقيق السلام وإعادة بناء الفضاء العام.
دور الصحافة بعد حرب أبريل 2023
مع نهاية الحرب السودانية، يبرز دور الإعلام والصحافة بوصفه أحد أهم مرتكزات مرحلة ما بعد الصراع، بل ويكتسب أهمية مضاعفة وتعقيدًا أكبر نظراً لارتباطه المباشر بعمليات إعادة البناء السياسي والاجتماعي، ولا يمكن النظر إلى الإعلام كقطاع ثانوي، بل كعنصر أساسي في عملية الانتقال نحو السلام والاستقرار، وتطرح الصحافة هنا كركيزة محورية لتعزيز السلام والديمقراطية، إذ إن إعادة بنائها على أسس مهنية ومستقلة تمثل شرطاً لا غنى عنه لأي انتقال ديمقراطي مستدام أو مشروع لبناء دولة مدنية مستقرة، فلا يمكن تحقيق العدالة أو إنجاح جهود إعادة الإعمار ولا حتى ضمان عدم تكرار الحروب والنزاعات دون وجود إعلام حر وآمن وقادر على أداء دوره الرقابي والتنويري.
إن الصحافة في هذه المرحلة مطالبة بأدوار تتجاوز نقل الخبر إلى استعادة الثقة العامة وحماية الذاكرة الوطنية الجماعية والمساهمة في تشكيل وعي قائم على المعرفة والإنصاف، وان تضطلع بدور أساسي في ترميم الفضاء العام وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وبين المجتمع ومؤسسات الدولة، من خلال تقديم محتوى إعلامي موثوق يوثق ما جرى خلال الحرب، ويواجه محاولات التزييف أو طمس الحقائق، وعلاوة على ذلك يمكن للصحافة أن تكون أداة فاعلة في دعم المصالحة المجتمعية، من خلال تعزيز الفهم المتبادل وفتح مساحات للحوار وتقليص آثار الاستقطاب والانقسام التي خلفتها الحرب، وبذلك تصبح الصحافة ليس فقط ناقلاً للأحداث، بل شريكاً أساسياً في بناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.
إلى جانب ذلك ينتظر من الإعلام أن يسهم بفاعلية في إعادة بناء بيئة مهنية مستقلة، من خلال الدفع نحو إصلاح الإطار القانوني والتنظيمي للصحافة، وتعزيز حرية التعبير وضمان حماية الصحفيين، فهذه المرتكزات تعد أساساً لقيام إعلام مهني قادر على أداء وظائفه بكفاءة ضمن سياق مدني ديمقراطي مستقر، ولا ينبغي أن يقتصر دور الإعلام في مرحلة ما بعد الحرب على نقل الوقائع أو تغطية جهود التعافي فحسب، بل يجب أن يتجاوز ذلك ليصبح فاعلاً محورياً في عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع، ويشمل هذا الدور الإسهام في ترسيخ ثقافة السلام المستدام وتعزيز قيم المواطنة والعمل على منع إعادة إنتاج أسباب النزاع من خلال خطاب إعلامي واع ومسؤول يعالج جذور الأزمات لا مظاهرها فقط.
إن عملية إصلاح وإعادة بناء الصحافة السودانية تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والمؤقتة وترتبط بشكل وثيق بإصلاح الدولة نفسها ومؤسساتها، ويشمل ذلك إصلاح الإطارين القانوني والمؤسسي، عبر إلغاء القوانين المقيدة للحريات وسن تشريعات تضمن استقلال الإعلام وتعدديته، وتعزز الحق في الحصول على المعلومات، إلى جانب فصل المؤسسات الإعلامية عن هيمنة السلطة التنفيذية. كما تمثل حماية الصحفيين وضمان سلامتهم أولوية أساسية من خلال إدماج هذه الحماية ضمن أي ترتيبات سياسية لوقف الحرب وتفعيل آليات وطنية ودولية لرصد الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وبالتوازي مع ذلك تبرز الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الإعلامية ودعم وسائل الإعلام المستقلة وتعزيز الإعلام الرقمي والمجتمعي كخيار استراتيجي لإحياء المجال العام وتوسيعه، ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي من خلال التدريب على تغطية النزاعات ومناهضة خطاب الكراهية والدعاية الحربية وترسيخ مفاهيم الصحافة الحساسة للنزاع، وربط الممارسة الصحفية بمبادئ حقوق الإنسان. كما يتطلب تحقيق الاستقلال الحقيقي للإعلام تطوير نماذج تمويل شفافة ومستدامة، تحد من الارتهان السياسي والاقتصادي، وتدعم الصحفيين المتضررين مهنياً واجتماعياً، بما يضمن بقاء الصحافة كمؤسسة عامة فاعلة في خدمة المجتمع.
إن الصحافة الحرة والمستقلة ليست رفاهية او ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل تمثل ضرورة أساسية لبناء سودان ديمقراطي ومستقر ومزدهر، ورغم التحديات الجسيمة التي تواجه هذا القطاع، إلا أن هناك فرصة حقيقية لإعادة تأسيس مشهد إعلامي قوي ومهني وقادر على الاضطلاع بدور محوري في رسم ملامح مستقبل أفضل للبلاد، ويتطلب تحقيق ذلك تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين بما في ذلك مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمنظمات الإقليمية والدولية، من أجل تهيئة بيئة تضمن حرية الصحافة واستقلاليتها وتعزز دورها في خدمة الفضاء العام. فوجود إعلام حر ومسؤول هو الضامن الأساسي لأن يظل صوت الحقيقة حاضراً ومؤثرًا في تشكيل سودان الغد.
محمد عبدالله إبراهيم
صحفي، ناشط مدني ومدافع عن حقوق الانسان
mohammedabdalluh2000@gmail.com
