كان اهلنا الكبار عندما يمر شخص بخاطرهم مرارا يقولون فلان -يتمارا لي- اي ذكراه وصورته تتردد في مخيلته . من كم يوم ترافقني ذكري المرحوم هاشم محمد صالح ( يتمارا لي ) .
في 12 مايو الجاري تكون قد مرت اربعة اشهر منذ ان مضي هاشم الي دار المنايا . اربعة شهور مضت ! غاب بجسده ولم تغيب ذكراه . نذكره كلما ساقنا اليه الشوق للقاءه عيانا او عن طريق الهاتف الذي كانت محادثاتنا الهاتفية الراتبة تستمر احيانا ساعة دون ملل ! أو عندما يمر علينا حدث كان له فيه دور ، او انتقصت عندنا الشورة التي كان متمما لها ، او سمعنا عبارة تشابه عباراته المميزة . كانت له أوصاف ومفردات ( حقتو براهو ) علامة مسجلة . يخرجها عند سرده السلس للأحداث -حكاي- جمل عطلاتنا التي كنا نقضيها بالسودان . بعد كل يوم مرهق مليء بالمعايدات وطقوس المناسبات ، ينتهي اليوم عند منزله ، زيارات راتبة شبه يومية ، نجده هاشا باشا يغمرنا وضيوفنا بكرمه الفياض ، نقضي معه جلسات سمر تخفف عنا عناء اليوم .
عركته الحياة ، خبر سرها وصقلته تجاربها مبكرا . بدأ السفر وهو صبي ومارس البيع والشراء منذ ان كان طالبا في بداية المرحلة الثانوية ! اعمامه الكوارته الذين اشتهروا وقتها بالتجارة كانوا يكلفونه ببعض المهام التجارية اثناء عطلة المدارس ، باعتباره الشاب المؤتمن الذي يحسن التصرف في المواقف ويتخطي الصعاب .
عرفت هاشم ونحن صبية جاء من بربر التي اكمل فيها المرحلة الاولية . التواصل كان موجود بين أسرتينا بسبب ترابط اهل المنطقة . ترابط السكان علي اختلاف قبايلهم من القيم التي رسّخها مشروع الجزيرة والتي تضاف الي مروده الاقتصادي الضخم .
توطدت علاقتنا به وبأسرته بعد المصاهرة بين أسرتينا بزواج شقيقي الأكبر من اخته ومن بعد ذلك زواجه هو من اختي .
عندما طلب يد اختي كنت اكثر المتحمسين لإتمام الزيجة معددا مناقبه التي خبرتها عن قرب . كنا أصدقاء في مرحلة الشباب وشيطنته . كنت مطمئنا للزواج . لم يخيب الظن فكان نعم الزوج ونعم الاب ونعم الصديق والاخ لكل افراد الاسرة . اعتمدت عليه الاسرة في مناسباتها من فرح وكره وهو المتقن لكل تفاصيل الضيافة فكان ينجزها بدقته المعهودة عند أداءه لكل الأعمال ، دايما ما تكون مشرفة ومحل اشادة .
كان كريما ومجوادا يصرف مافي الجيب وبحمد الله يأتيه مافي الغيب . في شبابنا اطلقنا عليه لقب المهراجا . كنا نشاهد المهراجا و إقطاعيته وثراءه في الافلام الهندية التي كانت رائجة في ذلك الوقت . هاشم اول من ادخل عربة هوندا لودمدني في ريعان شبابه !، حتي البعض أطلق عليه هاشم هوندا ! كانت الوحيدة بالمدينة .
قد يبدو مظهره متكبرا لكن في دواخله إنسان شعبي متواضع تعامله مع الغني كتعامله مع الفقير .
النعي الذي أنزله ابناء حي العمارات بالخرطوم علي صفحتهم بالفيسبوك وفيه عددوا من افضاله و مساهماته العديدة في عمل الخير ودعمه لجمعياتهم النفعية ، يبين انه كان متفاعلا وخيرا وسط محيط جيرانه واهله واصدقائه . ولم يختصر نعيه علي سكان العمارات فقد نعاه أبناء مارنجان وحلة حسن التي قضي فيها طفولته وزهرة شبابه كما نعاه وافتقده العديدين من الأهل والأصدقاء وعارفي فضله .
تميز بانه كان بارا بوالديه بذل لهما ما لم يفعله اياً منا . فنال عفوهم ورضائهم .
في سنين النزوح القسري اجهد جسده بكثرة التفكير كان هميما وصاحب قلب حار لا يقبل الهزيمة فجلب علي نفسة الاحباط فاثر الخلوة و الانكفاءة .
الظروف التي مرت علي الوطن الذي عشقه وله فيه صول وجول ، أعمال وممتلكات وعلاقات وعلو منزلة بين الناس ! لم تعد موجودة ! رغم يقينه وإيمانه القوي بالمقدر ، لكن بسبب التغير في نمط حياته تكالبت عليه العلل التي قابلها بصبر وجلد وشجاعة .
نسأل الله له الرحمة والمغفرة وان يجعل مرضة كفارة له من كل ذنب ويطرح البركة في زريته التي ادي دوره كاملا تجاههم .
gafargadoura@hotmail.com
